ربما تكون الصدمة النفسية التى خلّفتها «مجزرة» السابع من أكتوبر، والمترسخة فى الوعى الجمعى الإسرائيلى عميقًا، إلى جانب الضخّ المتواصل للشحنات السياسية الغريزية فى كل نقاش عام، وتسطيح الخطابين السياسى والإعلامى فى الدولة، هى الأسباب التى جعلت المواقف المتطرفة، التى كانت تميّز أحزابًا تعبّر عن قطاعات معينة ذات رؤى أيديولوجية خاصة، أو مجموعات هامشية، تتحول إلى «معيار طبيعى» تتقبله أكثرية الجمهور بدرجة معينة من التفهّم.
وفى هذا السياق، برزت تصريحات بتسلئيل سموتريتش، التى قال فيها إن إشراك حزب منصور عباس («العدو»، بحسب وصفه) فى الائتلاف الحكومى هو خطوة أخطر بما لا يقاس من «مجزرة» 7 أكتوبر نفسها، التى وصفها بأنها «إخفاق تكتيكى». وتعكس هذه التصريحات نمط التفكير السائد فى التيار الذى يمثله سموتريتش: الشك، لا بل حتى العداء، حيال مَن هم من غير اليهود ــ وبشكل خاص العرب، ورفض مبدأ المساواة، حتى عندما يتعلق الأمر بالعرب المواطنين فى إسرائيل، الذين وصفهم بأنهم «مواطنون مؤقتون».
أثارت تصريحات سموتريتش عاصفة سياسية بسبب ما اعتُبر «تقليلًا» من شأن «مجزرة» 7 أكتوبر، إلّا إن اهتمامًا أقل ظهر تجاه ما تنطوى عليه من رفضٍ شبه مطلق لمشاركة العرب فى صُنع القرار داخل الدولة. وبدا هذا الفتور واضحًا أيضًا فى معسكر الوسط، الذى شارك بعض أعضائه فى «حكومة التغيير» التى ضمت حزب «راعام». ويبدو كأن بعضهم يعتقد أن التصريح الواضح بدعم الشراكة مع العرب عشية الانتخابات، سينظر إليه الجمهور اليهودى، بعد 7 أكتوبر، بصورة سلبية أكثر من ذى قبل. وبكلمات أُخرى، يفضّلون الانسجام مع المزاج العام القائم، بدلًا من القيام بدور ريادى يطرح خطابًا جديدًا ومختلفًا.
إن ذاكرة «السمكة الذهبية» لدى الإسرائيليين تُنسيهم ذلك التقارب السياسى الناشط الذى قام به بنيامين نتنياهو تجاه منصور عباس، الخطوة التى أحبطها بتسلئيل سموتريتش؛ وبدلًا من ذلك (وربما بهدف التغطية على «أخطاء الماضى»)، تطوّر خطاب «رسمى» حاد يصوّر حزب «راعام» كجزء من مؤامرة الإخوان المسلمين، بينما يُقدَّم عباس كشخص يمارس «التقية» (أى الإخفاء، أو إظهار غير ما يُبطن، وهو مفهوم يُستخدم أساسًا فى السياق الشيعى).
ويشمل هذا النسيان أيضًا تجاهل الهدوء الذى ساد المجتمع العربى داخل إسرائيل بعد 7 أكتوبر، وهو ما أثار إحباطًا عميقًا لدى يحيى السنوار الذى خطط لإشعال الجبهة الداخلية فى إسرائيل؛ كذلك يتم تجاهل التصريحات المتكررة لعباس خلال الأعوام الأخيرة، والتى أكد فيها اعترافه بإسرائيل كدولة يهودية، ورفضه الوقوف على الحياد، الموقف الذى تتبناه الأحزاب العربية الأُخرى؛ ويشدد عباس على هذه المواقف بالعبرية والعربية معًا، وهو ما جعله عرضةً لانتقادات شديدة داخل المجتمع العربى، وكذلك من جهات فلسطينية عديدة.
يجب على الجمهور مطالبة جميع الأحزاب بتقديم ما أصبح يُعد ترفًا فى إسرائيل: برنامج أيديولوجى واضح، بدلًا من الغموض والحذر الشديدَين المتّبعَين، وخصوصًا فيما يتعلق بالعلاقة بالمجتمع العربى. ويجب التشديد على أن الطريق إلى كسب ثقة الناخبين لا تمرّ عبر التنازلات الفكرية، أو التبسيط المفرط، بل عبر مواقف واضحة، وشجاعة سياسية، وقدرة على طرح مشروع تغيير جذرى، مقارنةً بالواقع القائم. وذلك على أمل أن الخدعة المتكررة المتمثلة فى طرح مواقف معينة قبل الانتخابات ثم فعل عكسها بعدها، ثبُت أنها مدمّرة للنقاش الداخلى فى الدولة.
وفى المقابل، وخلافًا لمحاولات المحو والنسيان، يجب التذكير بأن جميع «الدروس المستخلصة»، وعلى رأسها تبنّى موقف متشكك إزاء العرب، لم تأتِ نتيجة تحقيق مهنى دقيق، أو تحليل استراتيجى عميق، بل هى محاولة لإعادة تشكيل الوعى العام، يقودها أشخاص شاركوا فى صُنع مفهوم السابع من أكتوبر، ولم يتحملوا مسئوليته، ويحاولون الآن تقديم أنفسهم كمبشّرين بـ«تصحيحٍ رصين» يقوم فى جوهره على فكرة أن استخدام القوة هو الوسيلة الأساسية، بل الوحيدة، للتعامل مع الواقع الإقليمى.
إن التعبير العملى عن هذه الرؤية يظهر اليوم فى تصاعُد العنف الشديد وغير المنضبط فى الضفة الغربية، والذى يمتد إلى ساحات أُخرى، مثل الاعتداء على الرموز الدينية المسيحية فى لبنان، وربما يمتد أيضًا إلى فضاء العيش المشترك بين اليهود والعرب داخل الخط الأخضر. ويصبح الانفجار مسألة وقت فقط فى مجتمع يتفكك، حيث ترتفع معدلات الجريمة والعنف بشكل حاد (من دون استجابة حكومية فعالة)، وتضعف القيادات، ويزداد الشعور بالاغتراب والغضب، فى وقت تتعزز رغبات الاندماج، وخصوصًا لدى جيل الشباب.
فى مواجهة هذا السيناريو، يبرز مشروع الاندماج الذى يدفع به منصور عباس وحزبه خلال الأعوام الأخيرة. هذا المشروع ليس مثاليًا وهو ملىء بالثغرات، ولن يمحو فورًا تراكمات تاريخية طويلة من التوتر، لكنه يبقى الخيار الأقل سوءًا، مقارنةً بخطر الانفجار الداخلى.
وقبل كل شىء، يُطرح السؤال: أى نوع من الدول يمكن أن ينشأ إذا تم استبعاد نحو خُمس السكان من المشاركة فى اللعبة السياسية والحياة العامة، فى وقت تستمر السيطرة على نحو ثلاثة ملايين فلسطينى فى الضفة الغربية من دون منحهم المواطَنة، وهى منطقة «تندمج فعليًا» داخل الواقع الإسرائيلى، حتى من دون ضمّ رسمى؟
والجواب هو أن النتيجة ربما تكون دولة ذات طابع «بلقانى»، تقوم على صراعات عنيفة بين المجموعات السكانية المختلفة، وعلى التمييز البنيوى، والمرفوضة من طرف دول الجوار (وهو تحذير لمن يعتقد أنه يمكن الجمع بين التطبيع الإقليمى وضمّ الأراضى)، كما ستصبح دولة منبوذة فى نظر المجتمع الدولى.
ميخائيل ميلشتاين
يديعوت أحرونوت
مؤسسة الدراسات الفلسطينية