قبيل انقضاء شهر أبريل المنصرم، وصف نائب رئيس مجلس الأمن الروسى مضيق هرمز بأنه «قنبلة نووية»، أو ورقة ضغط جيوسياسية مؤثرة؛ يمكن لإيران استخدامها فى مواجهة استراتيجية الضغوط القصوى الأمريكية. ومؤخرًا، أعاد محمد مخبر، مستشار المرشد الإيرانى، تسويق ذلك الطرح، معتبرًا أن بمقدور المضيق الحيوى التأثير فى الاقتصاد العالمى بأسره. وبعدما تعهّد بعدم التفريط فى مكاسب الحرب الحالية، أو التنازل عن ورقة هرمز الجيوسياسية النووية؛ شدّد على أن إيران ستعمل على تغيير النظام القانونى لهذا المضيق، عبر القانون الدولى إن أمكن، أو بشكل أحادى إذا تعذّر الأمر.
سبق لإيران استخدام مضيق هرمز كورقة جيوسياسية وقت الأزمات، إبان ما يُعرف بـ«حرب الناقلات» فى ثمانينيات القرن الماضى. فحينئذ، عملت على فرض نفوذها فى المضيق، معتمدة على قدراتها البحرية التقليدية. وبموجب قواعد الاشتباك التى كانت سائدة فى حينها، تجنبت مهاجمة السفن الحربية الأمريكية بصورة مباشرة، وركّزت فقط على استهداف السفن التجارية وناقلات النفط. وقتئذ، احتاجت الولايات المتحدة إلى عملية بحرية واسعة النطاق لكسر قبضة طهران على المضيق، شملت تدمير البنية النفطية، ومنصات نفطية بحرية كانت تُستخدم كمراكز قيادة. وبعدما نشر الأمريكيون نحو 30 سفينة حربية، قادت عمليات مرافقة لناقلات النفط، بخاصة الكويتية، ضمن عملية عُرفت باسم «إرنست ويل»، فى إطار حسابات الحرب الباردة. وعلى وقع اصطدام السفينة «يو إس إس صامويل بى روبرتس» بلغم بحرى، شنت البحرية الأمريكية عملية عسكرية واسعة عُرفت باسم «براينغ مانتيس»، استهدفت خلالها سفنًا ومنصات نفطية إيرانية كانت تُستخدم لأغراض عسكرية. أما اليوم، فتعتمد إيران فى مسعاها لإغلاق المضيق على أسطول من الطائرات المسيّرة والزوارق الحربية الصغيرة والسريعة، التى تمنحها قدرة أكبر على استهداف السفن التجارية والعسكرية بكفاءة أعلى وكلفة أقل. فى المقابل، تركز واشنطن على فرض حصار محكم، مع تكثيف الضغوط الاقتصادية على طهران من خارج مضيق هرمز، عبر عمليات فى بحر عمان ومناطق أخرى.
لم تمنع قواعد الاشتباك المتبعة بين واشنطن وطهران فى مضيق هرمز حدوث صدامات. فإبان مواجهات الثمانينيات، وقعت حادثة مأساوية تمثلت فى إسقاط طائرة مدنية إيرانية بطريق الخطأ من قبل سفينة أمريكية، ما أدى إلى مقتل 290 شخصًا. أما اليوم، فتتجدد المناوشات العسكرية بين البحريتين الأمريكية والإيرانية فى محيط المضيق. فقد وقع تبادل إطلاق النار ليل الخميس ــ الجمعة الماضيين، ثم تجدد جزئيًا مساء الجمعة. وأفادت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» بتعرض ثلاث مدمرات لنيران صواريخ ومسيّرات وزوارق إيرانية أثناء عبورها المضيق، مؤكدة أن أيًا من أصولها لم يُصب، وأن القوات الأمريكية ردّت بضرب مواقع إطلاق ومراكز قيادة واستطلاع إيرانية. فى المقابل، قالت طهران إن واشنطن انتهكت وقف إطلاق النار باستهدافها ناقلة نفط إيرانية وسفينة أخرى قرب هرمز، وأن قواتها ردّت على قطع بحرية أمريكية. وتحدثت وسائل إعلام إيرانية عن انفجارات فى قشم وبندرعباس، وإصابة سفينة شحن قرب ميناب. وأعلنت «سنتكوم» لاحقًا تعطيل ناقلتى نفط إيرانيتين فى خليج عمان، بينما أكدت القوات المسلحة الإيرانية أنها احتجزت ناقلة فى بحر عمان. لكن حراكًا دبلوماسيًا لجم تطور هذا الاحتكاك، إذ أكد ترامب أن وقف إطلاق النار لا يزال قائمًا، وأن المحادثات مستمرة لإنهاء الصراع. وردت الولايات المتحدة بتحرك لسلب إيران ورقة مضيق هرمز، عبر إطلاق عملية بحرية باسم «مشروع الحرية»، تهدف إلى مساعدة السفن التجارية على عبور المضيق، مع مرافقتها من قبل البحرية الأمريكية، قبل أن يعلن ترامب تعليقها بعد يوم من إطلاقها. وبينما لم تتجاوب معها شركات الشحن والنقل الملاحية جراء انعدام الثقة فى نجاعتها، أرجع الأمر إلى ما اعتبره إفساح المجال لـ«تقدم كبير» فى محادثات السلام. قبل أن يعاود التلويح بإمكانية إطلاق عملية «الحرية بلس» فى مضيق هرمز، عبر استئناف «مشروع الحرية»، مع إضافة إجراءات إليه، إذا لم تقدم طهران ردًا جديًا وسريعًا على مقترح لخفض التصعيد.
فى مسعى منها لشرعنة تحكمها فى مضيق هرمز، جنحت طهران لتغيير نظامه القانونى. وفى هذا السياق، أفادت نشرة لشركة «لويدز ليست» المتخصصة بالشحن البحرى بأن إيران أنشأت هيئة لإدارة الملاحة فى المضيق، تُعنى بإجازة عبور السفن وتحصيل رسوم مرور. وأشارت إلى أن ما يسمى «هيئة مضيق الخليج الفارسى» طرحت إطارًا جديدًا يُلزم السفن بالحصول على تصريح عبور، ودفع رسوم قبل الإبحار، استنادًا إلى نموذج استمارة أُرسل إلى شركات عاملة بقطاع الشحن البحرى. وأوضحت أن الاستمارة تُلزم السفن بتقديم سجلات تفصيلية تتعلق بالملكية، والتأمين، وبيانات الطاقم، ومسارات العبور. وكانت قناة «برس تى فى» الإيرانية قد أفادت بأن طهران أنشأت «نظامًا لممارسة السيادة على مضيق هرمز»، وأن السفن الراغبة فى عبوره تلقت «قواعد» ناظمة لذلك عبر البريد الإلكترونى. وغير مرة، تطرق مسئولون إيرانيون إلى مسألة اعتزام حكومة بلادهم إنشاء نظام من هذا النوع. حتى إن برلمانيًا بارزًا أكد خلال شهر أبريل الفائت أن طهران تلقّت أولى إيراداتها من الرسوم المفروضة على عبور المضيق. وفى مؤشر على مضى طهران فى مساعيها للتحكم بالمضيق، نقل التليفزيون الإيرانى عن رئيس لجنة الأمن القومى بالبرلمان أن الصيغة النهائية لمشروع القانون الخاص بمضيق هرمز أضحت قاب قوسين أو أدنى من الاكتمال.
فى مقال نشره على أحد المواقع الإلكترونية الإخبارية العربية الأسبوع الفائت بعنوان: «دروس من الحرب: دعوة إلى إعادة تقييم استراتيجى فى غرب آسيا»، تناول وزير الخارجية الإيرانى الأسبق محمد جواد ظريف قضية مضيق هرمز بلغة تبدو تحليلية، لكنها تطوى بين ثناياها تهديدًا مبطنًا. حيث ذكر أن ممارسة إيران ضبط النفس لفترة طويلة للغاية خلقت انطباعًا خاطئًا بأن المضيق مفتوح للجميع. وكأنه يهوى الادعاء بأن إيران تملك مفتاح هذا الممر الحيوى، ومن حقها أن تستخدمه بالطريقة التى تريدها. حيث يلوّح ظريف بقدرة طهران على خنق الشريان البحرى الأهم لاقتصادات تلك الدول. وخلال المفاوضات الجارية حاليًا، تصر إيران على أن يتضمن الاتفاق المرحلى مع واشنطن الخاص بإنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز بندًا يمنح طهران وضعًا خاصًا فى المضيق؛ يسمح لها بتحصيل رسوم مرور تعوضها عن خسائرها الضخمة جراء الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية عليها.
يقف العالم بالمرصاد لمخططات إيران الرامية إلى تسييس وعسكرة مضيق هرمز. فمرتين متتاليتين، سعت دول الخليج، بدعم أمريكى، لاستصدار قرار أممى من مجلس الأمن الدولى، تحت الفصل السابع، بقصد منع إيران من إعاقة الملاحة فى الممر الملاحى الدولى. ففى أبريل الماضى، تقدمت مملكة البحرين، بدعم أمريكى، بمشروع قرار يهدف إلى تأمين الملاحة وفتح المضيق. ورغم قيام الجهات الراعية للمشروع بتعديل النص وحذف الإشارات المباشرة إلى «الفصل السابع» الذى يجيز استخدام القوة، أبت كل من روسيا والصين إلا استخدام حق النقض أو «الفيتو» لإسقاط المشروع، تجنبًا لإعطاء أى تفويض شرعى لتنفيذ عمليات هجومية أو دفاعية ضد إيران. ومنذ أيام، يُجرى التحضير لتمرير مسودة قرار دولى جديد قدمته البحرين، بمشاركة أمريكية ومساهمة من السعودية والكويت وقطر والإمارات، وذلك بهدف حماية حرية الملاحة والحفاظ على استقرار التجارة الدولية. كما يمهل طهران 30 يومًا للامتثال لحزمة مطالب تتمثل فى: وقف الهجمات، إزالة الألغام، فتح ممر إنسانى، والعدول عن فكرة فرض رسوم مقابل عبور السفن، مع التلويح باتخاذ تدابير عقابية زجرية ضد طهران فى حالة عدم التزامها، وبما يتناسب مع خطورة الوضع.
يبقى نجاح مخطط طهران لتوظيف مضيق هرمز كقنبلة نووية جيوسياسية مرتهنًا بمدى قدرة الإيرانيين على مواصلة الصمود تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والاستراتيجية المؤلمة والمتنامية التى تتربص ببلادهم. ففى حين تؤكد تقارير اقتصادية تآكل قدرتهم على الصبر والتحمل، يُقدّر تحليل حديث لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أن تأثير تلك الضغوط لا يزال محدودًا. ذلك أن احتفاظهم بجل قدراتهم الصاروخية والنووية، مع تبنيهم أساليب الالتفاف والتحايل وإيجاد البدائل؛ قد عزز جهوزيتهم لتحمّل الحصار البحرى الأمريكى لمدة تقارب أربعة أشهر إضافية، دون أن تضطرهم الضغوط الاقتصادية المكثفة إلى الاستسلام أو تقديم تنازلات مؤلمة.