جاء التوصل لاتفاق على وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين وانطلاق عملية تفاوضية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران فى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، وبوساطة باكستانية مدعومة من جانب مصر وتركيا والمملكة العربية السعودية، والدول الأربعة هى من كبريات الدول الإسلامية، لتفتح طاقة ضوء من الأمل أمام الغالبية العظمى من دول وشعوب العالم التى كانت قد بدأت تعانى بشكل متزايد من التداعيات الكارثية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، واتساع نطاق تلك الحرب لتصيب عددًا من الدول العربية، خاصة فى منطقة الخليج، بالكثير من الخسائر والأضرار فى حرب لا ناقة لهذه الدول فيها ولا جمل.
وكانت فى مقدمة تلك النتائج الكارثية على الصعيد العالمى النتائج الاقتصادية التى لم تنعكس سلبًا فقط على معدلات أداء اقتصاديات الدول بل أصابت فى الصميم الظروف المعيشية للكثير من شعوب العالم بمختلف قاراته بالاتجاه نحو المزيد من التدهور والتراجع، فى عقد بدأ بجائحة الكوفيد وتلاها الحرب الروسية الأوكرانية ثم الحرب فى غزة ثم الحربين على إيران فى يونيو 2025 وفبراير 2026، وكلها أحداث عادت بنتائج سلبية على مستويات المعيشة فى مختلف مجتمعات العالم، الفقيرة والغنية على حد سواء.
ومن الصحيح أن العملية التفاوضية تعثرت بسبب ما ذكر الطرف الأمريكى أنه رفض إيران التخلى عن طموحاتها النووية بالإضافة إلى مسائل أخرى مختلف عليها أيضًا بين البلدين، ولكن يبقى الأمل مطروحًا فى أن العملية التفاوضية لم تنهار بالكامل وأن خيار التسوية السلمية لا زال مفتوحًا، حتى ولو بشكل غير مكتمل المعالم.
إلا أن التساؤل الذى يطرح نفسه الآن بقوة على الجميع هو: هل وقف إطلاق النار الحالى ومفاوضات إسلام آباد تعكس نية خالصة وتمثل خطوات جادة للتوصل إلى تسوية نهائية وسلمية للنزاع المتعدد الأبعاد بين واشنطن وطهران والذى يعود فى جذوره إلى ما بعد قيام وانتصار الثورة الإيرانية ذاتها بأشهر قليلة فى عام 1979؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد هدنة مؤقتة أو استراحة محارب لالتقاط الأنفاس والاستعداد لجولة جديدة من الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وبين إيران من جهة أخرى؟
الإجابة على هذا السؤال تبدو شديدة الصعوبة والتعقيد فى آن واحد.
فعندما توقف القتال خلال الحرب الإسرائيلية على إيران فى يونيو 2025، المعروفة بحرب الاثنى عشر يومًا، والتى انضمت فيها الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب إسرائيل فى يومها قبل الأخير، تفاءل الكثيرون، من داخل المنطقة وخارجها، بأن هذا التوقف هو بمثابة انتهاءًا للأعمال العسكرية بين البلدان الأطراف فى تلك الحرب وأن باب التسوية السلمية، الذى كان متاحًا قبل شن إسرائيل لتلك الحرب على إيران عبر بوابة الوساطة النشيطة والفعالة من جانب سلطنة عمان وتوسط الأخيرة فى مفاوضات غير مباشرة بين الجانبين الأمريكى والإيراني، قد عاد ليُفتح من جديد.
إلا أن مثل هذا التفاؤل أثبت أنه لم يكن فى محله. فبعد أيام قليلة من شن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل الحرب على إيران فى 28 فبراير 2026، علمنا من تصريحات لعدد من القادة وكبار المسئولين من البلدين، خاصة من الجانب الإسرائيلى، أن التشاور والتنسيق بين تل أبيب وواشنطن والاتفاق على شن حرب جديدة ضد إيران كان قد تم منذ أشهر، أى بعد فترة وجيزة من انتهاء حرب يونيو 2025، وذلك بالرغم من جهود مكثفة قامت بها عدة دول فى المنطقة لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، وكان منها بالطبع جهود مصرية للتوصل لاتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، بالإضافة إلى جهود دول أخرى مثل قطر وغيرها، وأخيرًا وليس آخرًا استئناف جهود عمانية أدت إلى استئناف عملية التفاوض الأمريكى الإيرانى قبل أيام قليلة من حرب 28 فبراير، إلا أنه من المؤكد أن واشنطن كانت هذه المرة، ومرة أخرى بحسب تصريحات صدرت عن مسئولين أمريكيين وإسرائيليين عقب اندلاع الحرب مباشرة، قد بيتت النية على شن حرب جديدة ضد إيران بالمشاركة الكاملة مع الجانب الإسرائيلي.
وبالإضافة إلى ما تقدم، فإن الانهيار، ولو كان مؤقتًا، للجولة الأولى من المباحثات الأمريكية الإيرانية فى إسلام أباد عزز التشاؤم، المبنى على السوابق، بالنسبة لمسار العلاقات الأمريكية الإيرانية، وبشكل أكثر تحديدًا جولات التفاوض الأمريكية الإسرائيلية، على مدار الشهور الماضية، ودعم من وجهة النظر القائلة بأن وقف إطلاق النار الحالى ليس إلا هدنة مؤقتة، مهما طال أمدها، كما كان الحال بعد الانتهاء المؤقت لحرب الاثنى عشر يومًا فى يونيو 2025، وأن الفرص، من منظور واقعى، لتسوية سلمية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تبدو ضئيلة، أو على أفضل تقدير محدودة، فى الوقت الراهن، لعدة أسباب.
ولعل أول هذه الأسباب هو أن كلًا من الطرفين الأمريكى والإيرانى لم يغلق تمامًا ملف الخيارات غير السلمية فى التعامل مع موضوعات النزاع بين البلدين وبالتالى فلا زال هناك خط رجعة لدى كل منهما، ولدى الجانب الإسرائيلى أيضًا، إلى الخيار العسكرى أو على الأقل التلويح به، أو إلى ما يمكن أن يقود لاحقًا إلى الخيار العسكرى، مثل الحصار الذى أعلن الرئيس الأمريكى فرضه على الموانئ الإيرانية، بعد أن كان قد أعلن مبدئيًا قيام البحرية الأمريكية بإغلاق مضيق هرمز ولكنه اضطر سريعًا لمراجعة وتغيير موقفه هذا فى ضوء ضغوط من حلفاء دوليين وإقليميين لواشنطن، وتؤثر هذه المسألة بشكل خاص بصورة سلبية على توافر الإرادة السياسية الكاملة والحازمة والحاسمة، خاصة لدى الجانب الأمريكى، للرهان بشكل أساسى على الخيار التفاوضى السلمي، بالذات فى ضوء عدم رضاء الشريك الإسرائيلى أصلًا عن وقف إطلاق النار الذى ارتضاه الطرفان الأمريكى والإيرانى.
أما السبب الثانى فيرتبط بالهوة السحيقة التى تفصل بين الموقفين الأمريكى والإيرانى بشأن القضايا محل النزاع بينهما، وهو أمر من السهل التعرف عليه من خلال قراءة الفوارق والتباينات والاختلافات ما بين قائمة الـ 15 نقطة التى طرحها الجانب الأمريكى وقائمة الـ 10 نقاط التى طرحها الجانب الإيرانى قبل انطلاق الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد، ومن ثم فهناك الهوة الواسعة التى تفصل بينهما بشأن العديد من الموضوعات، ليس فقط ما ذكره الجانب الأمريكى، أى موضوع البرنامج النووى الإيرانى ورفض إيران التخلى عن حقها فى تخصيب اليورانيوم، وموضوع من له حق التحكم فى مضيق هرمز، والمطلب الإيرانى الخاص بالإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة بالخارج، بل أيضًا بشأن مسائل أخرى لا يمكن تصور قبول الجانب الأمريكى لمناقشتها أصلًا، ومن بينها المطلب الإيرانى الخاص بالحصول على تعويضات حرب من الولايات المتحدة الأمريكية عن الخسائر والأضرار التى سببتها الحرب لإيران، والمطلب الإيرانى الداعى إلى إخلاء المنطقة من القواعد والوجود العسكرى الأمريكى. ويترتب على ذلك صعوبة التوصل إلى اتفاق بين الإدارة الأمريكية الراهنة والحكومة الإيرانية الحالية، حتى لو طال أمد التفاوض.
ويكمن السبب الثالث فى الشريك الإسرائيلى للجانب الأمريكى فى إطلاق هذه الحرب والاستمرار فيها، والذى لم يخف امتعاضه من قبول الجانب الأمريكى لوقف إطلاق النار دون التشاور المسبق معه، مما عرض رئيس الوزراء الإسرائيلى لانتقادات حادة فى الداخل تتهمه بأنه مجرد تابع للرئيس الأمريكى وليس شريكًا له، بالرغم من أنه على الجانب الأمريكى لا زال البعض يتهم الرئيس الأمريكى بأنه انقاد لرغبة رئيس الوزراء الإسرائيلى وتبعه فى شن الحرب على إيران بالرغم من أن هذا لا يصب لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية ويتهم هؤلاء رئيس الوزراء الإسرائيلى أنه خدع الرئيس الأمريكى عندما أقنعه بأن أمر القضاء على النظام الإيرانى لن يستغرق سوى أيامًا قليلة، وبالرغم من أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ 1979 كانت تلح على الرؤساء الأمريكيين السابقين فى شن الحرب على إيران وكان هؤلاء الرؤساء يرفضون هذا الأمر، وبالتالى فإن هناك مصلحة ثابتة للجانب الإسرائيلى فى إفشال المسار السلمى التفاوضى بين واشنطن وطهران وإقناع الرئيس الأمريكى باستئناف المسار العسكرى أو الضغط عليه فى هذا الاتجاه.
وهكذا نرى أن الأقرب لمنطق الأمور وواقع الأحداث هو أن وقف إطلاق النار الحالى سيمثل، ولغير مصالح القطاع الأوسع من البشرية اليوم، هدنة مؤقتة، قد تقصر أو تطول، ولكنها لا تملك مقومات الاستمرار أو التحول إلى حالة سلام، لأن ذلك يتطلب بدوره محادثات سلام تتصف بالاستدامة والجدية وحسن النوايا وتوافر كامل الإرادة السياسية مما يمكن أن يؤدى إلى التوصل إلى اتفاقات ملزمة لا يتم التراجع عنها أو المناورة عليها ولا تسمح باستئناف الحرب فى أى لحظة بمجرد رغبة رئيس أو رئيس وزراء، بدون أن تكون هذه الحرب فى صالح الدولة أو الشعب التى يمثلها هذا المسئول الرفيع أو تخدم أمنها القومى ومصالحها الوطنية والاستراتيجية العليا.