جاء قرار وزراء الخارجية العرب برفع توصية بالإجماع للقمة العربية القادمة المقرر انعقادها فى السعودية باختيار السفير نبيل فهمى، وزير خارجية مصر الأسبق، أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية، ليعكس بشكل واضح أهمية ومركزية الدور المصرى على ساحة العمل العربى المشترك، حيث إن للإجماع فى هذه الحالة وفى ظل المخاطر التى تحدق بالأمن القومى العربى، خاصة فى ضوء تصاعد حدة الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، دلالاته التى لا تخفى على أحد، وهى تتعلق بالإقرار الجماعى العربى بدور مصر المحورى فى الشئون العربية من جهة، وبقدرات وطاقات من أنجبتهم مصر من قيادات تأتى فى الطليعة عندما يتعلق الأمر بمن يتولى مسئولية إدارة المنظمة الإقليمية الأعلى التى تنسق العمل العربى المشترك، وتمثل المحفل الذى يتحاور وينسق العرب من خلاله بشأن آمالهم وتطلعاتهم ومشكلاتهم وتحدياتهم من جهة أخرى.
وتزداد أهمية هذه الدلالة إذا استرجعنا تحليلات وتقديرات كتبها البعض داخل الوطن العربى وخارجه على مدى العقود الست الماضية، وتحديدًا منذ هزيمة يونيو 1967 وارتفعت وتيرتها بعد زيارة الرئيس المصرى الراحل أنور السادات للقدس فى نوفمبر 1977، تتحدث عن تراجع الدور العربى لمصر وعن حلول دول عربية أخرى محل مصر فى موقع الصدارة فى المشهد العربى، وهى مقولات كانت دائمًا تدحضها الأحداث والحقائق على أرض الواقع، وقد أحذت هذه المقولات صيغًا مختلفة ما بين الحديث عن انتقال مركز الثقل فى الوطن العربى من «عرب الثورة» إلى «عرب الثروة» بعد هزيمة 1967، إلى الحديث عن «عزلة مصر» أو «انعزالها» بعد زيارة الرئيس الراحل السادات للقدس ثم توقيعه اتفاقيات كامب دافيد ومن بعدها معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، إلى الحديث عن الانشغال بأزماتها الاقتصادية وبإعادة ترتيب شئون البيت من الداخل فى عهد الرئيس الراحل حسنى مبارك، إلى الحديث عن عدم استقرار مصر فى أعقاب ثورة 25 يناير 2011، إلى العودة عن الحديث مجددًا عن معاناة مصر الاقتصادية وانشغالها بشئونها الداخلية بعد ذلك.
إلا أن تجليات الدور العربى لمصر كانت دومًا تكشف ضعف منطق من يشير إلى تراجع دورها العربى، وعلى سبيل المثال لا الحصر، ففى أوج انشغال مصر بإعادة بناء قواتها المسلحة لتحرير الأرض التى احتلت فى عام 1967، كان لمصر السبق والمبادرة والدور القيادى فى جهود وقف الحرب بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، وفى أوج اتهام مصر بالخروج من الصف العربى فى عقد السبعينيات من القرن العشرين رفعت مصر شعار «ارفعوا أيديكم عن لبنان» فى مواجهة التدخلات الإقليمية والدولية فى هذا البلد العربى الشقيق، والذى لو تم الاستماع إليه وقتها لتجنب لبنان والمنطقة بأسرها الكثير من المآسى والكوارث، وفى منتصف التسعينيات قادت الدبلوماسية المصرية الدول العربية نحو خروج أول قرار من مؤتمر المراجعة لاتفاقية منع الانتشار النووى بتبنى إقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل فى الشرق الأوسط، بعد سنوات من نجاح مسعى مصرى إيرانى سنوى منذ 1974 فى الجمعية العامة للأمم المتحدة فى نفس الاتجاه، وفى خضم انشغال مصر بأمورها الداخلية بعد ثورة 25 يناير 2011 لعبت مصر دورًا مهمًا فى الحفاظ على القضية الفلسطينية حية على أجندة العلاقات الدولية بدلًا من أن تنزوى فى طى النسيان، ثم بدأت مصر، وكعادتها دومًا، تفتح أبوابها للاجئين من أشقائها العرب الفارين من عدة دول شملتها حروب أهلية فى أعقاب ما سمى بـ«الربيع العربى».
وعلى مدى الشهور الماضية نجحت الدبلوماسية المصرية فى لعب دور فعال لوقف الحرب الإسرائيلية فى قطاع غزة وحماية الشعب الفلسطينى والتصدى لمخطط تهجيره وتفريغ أرضه ضد إرادته، ثم نجحت فى تعبئة وحشد الدول العربية بل دول إسلامية ودول أخرى من الجنوب العالمى، فى التصدى لمخططات حاولت منح الشرعية الدولية لتجزئة الدولة العربية الشقيقة الصومال والنيل من وحدتها الإقليمية، كما سعت مصر، بالتعاون مع دول عربية وإسلامية أخرى، بخطىً حثيثة، ولا تزال تسعى، من أجل نزع فتيل الأزمات المتعلقة بالبرنامج النووى الإيرانى وبقية القضايا العالقة التى سببت اشتعال الحروب فى يونيو 2025 ومجددًا فى فبراير 2026 على إيران، وما تخلفه من أجواء تنعكس سلبًا على الأوضاع العربية.
وعلى مستوى الخبرات والكفاءات المصرية لقيادة جامعة الدول العربية منذ إنشائها فى عام 1945 حتى اليوم، فقد قدمت مصر عددًا من خيرة أبنائها وممن تولوا مناصب وزارية وقيادية فيها للقيام بهذه المهمة الصعبة، والمعقدة فى الكثير من الأحيان، حيث تولى منصب أمين عام الجامعة سبعة مصريين، تخللهم تونسى واحد هو الوزير الشاذلى القليبى، وهم على التوالى الوزير عبدالرحمن عزام والوزير عبدالخالق حسونة والوزير محمود رياض والوزير الدكتور أحمد عصمت عبدالمجيد والوزير عمرو موسى والوزير الدكتور نبيل العربى والوزير أحمد أبوالغيط، وصولًا إلى توصية وزراء الخارجية العرب بتعيين الوزير نبيل فهمى لهذا المنصب. ومن الصحيح أن هناك حدودًا لما يستطيع القيام به أى أمين عام لمنظمة دولية أو إقليمية باعتبار أن القرارات التى تخرج عن المنظمة فى النهاية تنتج عن عمل أجهزتها الحكومية وليس أمانتها العامة، كما أنها تعبر عن مدى توافر الإرادة السياسية للدول الأعضاء فى المنظمة لتفعيل وتنشيط دورها، إلا أنه دائمًا ما يكون لشخصية الأمين العام وقدراته وإمكانياته وفكره وحنكته وحكمته وحسن علاقاته بالدول الأعضاء وحسن تصرفه ودبلوماسية تعامله، سواء مع مسئولى الدول الأعضاء على كل المستويات أو مع موظفى المنظمة الدولية أو الإقليمية ذاتها، دور فى قيادة دفة المنظمة لما يعظم من درجة التضامن والتنسيق بين أعضائها ويعزز من مساحة المشترك فيما بينهم ويوحد المصالح التى تجمعهم ويوفر البيئة المناسبة للتشاور والتحاور فيما بينهم، ويقدم، من خلال قيادته لفريق الأمانة العامة، الدعم الفنى المطلوب لضمان أن تخرج القرارات من الأجهزة الحكومية للمنظمة بناء على معلومات سليمة ودراسات مستفيضة.
ولا شك أن الوزير نبيل فهمى بكل ما يحمله من نتاج تجارب وخبرات ثرية ومتراكمة ومهمة فى مجالات العمل الدبلوماسى والسياسى والأكاديمى لديه كل المقومات المطلوبة لضمان النجاح لجامعة الدول العربية والفعالية للعمل العربى المشترك إذا ما توافرت الإرادات السياسية لدى الدول الأعضاء، فهو عمل وزيرًا لخارجية مصر فى فترة دقيقة من تاريخها المعاصر وترك فى هذا المنصب إرثًا إيجابيًا للغايةً، ومن قبل عمل سفيرًا لمصر لسنوات طويلة فى الولايات المتحدة الأمريكية، ومن قبلها فى اليابان، وترك فى الموقعين بصمات باقية وستبقى، كما تميز فى تمثيل بلاده لدى الأمم المتحدة، سواء فى نيويورك أو فى جنيف، وبرز كمرجعية دولية فى قضايا الأمن ونزع السلاح على الصعيدين الدولى والإقليمى، وشغل لسنوات منصب المستشار السياسى لوزير الخارجية المصرى، وشغل عضوية عددًا هامًا من اللجان الدولية الحكومية وغير الحكومية فى مجالات متنوعة من العلاقات الدولية، وعلى الصعيد الأكاديمى يكفى أن نذكر له تأسيسه وعمادته لكلية الشئون الدولية والسياسات العامة فى الجامعة الأمريكية فى القاهرة، والتى شكلت قيمة مضافة لمجمل العمل الأكاديمى والبحثى فى مصر بشكل عام.