فى قلب أدبيات فلسفة السياسة يقع موضوع «الالتزام السياسى»، أى الالتزام نحو تحديد وتفعيل ما تتطلبه ممارسة السياسة الفاعلة المعقولة فى المجتمعات، سواء أكان الالتزام من قبل الحاكم أو من قبل المحكوم.
هذا الموضوع يطرح نفسه على الأخص عندما تتعرض المجتمعات للأخطار الوجودية أو تمرّ بها الأزمات المستعصية، وهو ما ينطبق حاليا على أوضاع شتّى مجتمعات الوطن العربى كلّه، وعلى الأخص ما تطرحه مؤخرًا تحديات التنامى المرعب للوجود الصهيونى الاستعمارى التآمرى الاستئصالى، وما تطرحه شتّى صنوف الصراعات العبثية فى الخليج العربى من قبل الخارج والداخل.
هذا الالتزام السياسى بطرح الأسئلة على الفكر والتنظيم السياسى الحاكم للدول والمجتمعات عن الأسباب وعن مواجهة الأسباب، إبان الأخطار والأزمات، تتجاهله حتى الآن غالبية الحكومات والمجتمعات العربية فى العلن، أما فى الاجتماعات المغلقة فتكتفى بالغمغمات والثرثرة الإعلامية الفارغة، مع الأسف الشديد.
وهذا يدل على قلة الشجاعة وضعف تحمّل المسئولية، أو يدل على السقوط المذهل تحت هيمنة الخارج أو هيمنة أقليات المصالح المالية والأمنية أو الاجتماعية فى الداخل.
دعنا إذن، بصدق وأريحية، نطرح الأسئلة عن بعض الأسباب وبعض الحلول، التى يراد لها أن تبقى غامضة وراء الأسوار والأقنعة من قبل الكثيرين، مع الأسف.
السؤال الأساسى هو: أليست جميع مؤسسات أو تنظيمات العمل العربى التعاونى التوحيدى المشترك، من مثل الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجى ومنظمة التعاون المغاربى ومنظمة التعاون العربى الإسلامى، جميعها تعيش أوضاعًا مضطربة ومفككة تجعلها جميعًا ضعيفة وعاجزة عن اتخاذ القرارات والأفعال الصائبة والضرورية لمواجهة الأخطار الوجودية اليومية التى خطط ويخطط وسيبقى يخطط لتواجدها فى كل أنحاء الوطن العربى الاستعمار الخارجى، وعلى الأخص الأمريكى والصهيونى، من جهة، والتخلف الحضارى العربى والإسلامى من جهة أخرى؟
ألا تحتاج جميعها إلى مراجعة عميقة لأنظمة وأساليب عملها، تلك الأنظمة والأساليب التى شلّت قدراتها على اتخاذ القرارات الصائبة لمواجهة كل أنواع الأخطار القادمة من كل أنواع الأعداء؟
ألا تحتاج جميعها إلى الاتفاق على إعطاء أولوية للسيادة العربية والإسلامية المشتركة بدلًا من السماح لبعض السيادات الوطنية القطرية بأن تعطل بعض القرارات المشتركة، حتى ولو أدى ذلك إلى إعطاء فرص للأعداء لكى ينجحوا فى مؤامراتهم وألاعيبهم؟
ألا تحتاج جميعها إلى وجود مجالس شعبية منتخبة لتكون مصادر للاستشارة ولوضع تلك المؤسسات العربية والإسلامية المشتركة فى الصورة الصادقة الموضوعية عما هو غير مقبول فى الأوساط الشعبية لهذا القرار أو ذاك أو لهذه النية المستقبلية أو تلك، من مثل قرار التطبيع مع الكيان الصهيونى الذى، بدلًا من أن يكون قرارًا يؤخذ بالإجماع، انقلب بقدرة قادر إلى قرار راجع لإرادة هذه الدولة القطرية أو تلك؟
وأخيرًا، ألا تحتاج جميعها إلى نظام قانونى قضائى وجهة تنفيذية قضائية تحكم بمواده من أجل حل الخلافات العبثية القطرية فيما بين دولتين أو أكثر، وذلك قبل أن تعصف تلك الخلافات الثنائية القطرية بكل المؤسسات المشتركة التى ذكرناها، بل وتقود أحيانًا إلى خلافات ومماحكات لا تخدم إلا أعداء الأمة؟ بل ألن تكون تلك الجهة القضائية المشتركة، مع الوقت، مرجعية قانونية تحكم على كل قطر أو دولة تمارس الاعتداء على الحقوق الإنسانية الفردية والمجتمعية أو الخروج عن مبادئ وأنظمة الحقوق الإنسانية التى أقرتها وتقرها هيئة الأمم المتحدة؟
مثل هكذا أسئلة تحتاج من أنظمة الحكم ومن مؤسسات المجتمع المدنى العربية والإسلامية ــ العربية أن تطرحها الآن، فى لحظة الحرائق والمآسى التى نعيشها، هذا إن كانت حقًا تؤمن بأنها تحمل مسئولية وواجب ممارسة الالتزامات السياسية عند مرور مجتمعاتها فى مثل هذه الانعطافات التاريخية الكبرى.