التعليم الجامعى بين الاحتياج الاقتصادى والرغبة الفردية - محمد زهران - بوابة الشروق
الجمعة 3 أبريل 2026 8:19 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

التعليم الجامعى بين الاحتياج الاقتصادى والرغبة الفردية

نشر فى : الجمعة 3 أبريل 2026 - 6:05 م | آخر تحديث : الجمعة 3 أبريل 2026 - 6:05 م


ما العوامل التى تؤثر على سوق العمل؟
كيف يجب أن تتعامل الدول مع تغييرات سوق العمل؟
ماذا لو تعارضت رغبة الطالب مع الاحتياج الاقتصادى؟

فى هذا العصر الرأسمالى الذى نعيشه والضرورة الاقتصادية التى تضغط وبشدة على دول العالم تظهر الحاجة الملحة لربط الكليات الجامعية بسوق العمل، وهذا طبعا مطلوب لزيادة فرص العمل للخريجين وبالتالى زيادة القوة العاملة التى بدورها تزيد الإنتاج ومن المفترض أن تؤثر إيجابا على اقتصاد البلاد.
لكن يظهر سؤالان مهمان فى هذا الموضوع لابد من الإجابة عنهما حتى يتسنى الاستفادة القصوى من الخريجين والتأثير الإيجابى على الاقتصاد: ما هى العوامل التى تؤثر على سوق العمل؟ ماذا لو كان الطالب موهوبا ومحبا لتخصص غير مطلوب من سوق العمل الحالية؟
الإجابة عن السؤال الأول تساعد على التنبؤ بشكل ونوع سوق العمل فى المستقبل، لاحظ أن سوق العمل عندما يلتحق الطالب بالكلية سيختلف تماما عن سوق العمل عند تخرجه، فأثناء دراسة الطالب يمكن تعديل بعض المناهج أو إضافة ورش عمل أو محاضرات إضافية لتؤهل الطالب لسوق العمل الجديد.
الإجابة عن السؤال الثانى تحاول الوصول إلى أفضل استخدام للمواهب، ما الفائدة من الحصول على ألف مهندس متواضعى المستوى؟ لكن لو حصلنا على خمسمائة مهندس ومائة باحث فى العلوم الإنسانية ومائة باحث فى العلوم الفنية وثلاثمائة طبيب كلهم يتميزون بالموهبة والمهارة فهذا هو المكسب الحقيقى، طبعا إذا استطعنا الاستفادة منهم أفضل استفادة.

هذا ما سنحاول أن نناقشه فى مقال اليوم.
•••

 

العوامل المؤثرة على سوق العمل

سوق العمل تعنى عدد الوظائف المتاحة والتخصصات التى تحتاج إليها الوظائف، إذا هو عدد ونوع، ما الذى يتحكم فى سوق العمل؟ هناك عوامل داخلية أى داخل كل دولة وتتأثر بحالة وخصوصية الدولة، وعوامل خارجية، فما هى هذه العوامل؟
• التغير التكنولوجى: ظهور تكنولوجيا جديدة قد تؤدى إلى اختفاء أو اختلاف بعض الوظائف وظهور وظائف أخرى، ما زلنا نحيا تغير سوق العمل نتيجة ظهور الذكاء الاصطناعى. هذا العامل يعتبر خارجيا إذا كانت الدولة نامية وتستورد التكنولوجيا وتستخدمها ولا تبتكرها، لاحظ أن الابتكار فى استخدام التكنولوجيا مختلف عن الابتكار التكنولوجى أى خلق تكنولوجيا جديدة.
• التركيبة السكانية: وهذه النقطة تشمل عدد السكان والفئة العمرية فى سن العمل وهل هناك هجرات للعقول، كلما زاد عدد السكان فى سن العمل كلما لزم من الدولة إنشاء فرص عمل أكثر، وعندما نقول الدولة لا نعنى فقط الحكومة، ولكن القطاع الخاص والتشجيع على ريادة الأعمال إلخ. هذا طبعا عامل داخلى ولكل دولة تركيبتها السكانية.
• التعليم: وهذه هى النقطة الشهيرة عندما يُذكر سوق العمل، لكن فى عصرنا هذا يجب أن نفرق بين العلم والمهارة، سوق العمل يحتاج إلى مهارات، والمهارات المطلوبة تتغير بتغير سوق العمل، أى كل عدة سنوات تختفى بعض المهارات المطلوبة (أو يتشبع بها السوق) وتصبح مهارات أخرى هى الأهم، أما العلم فهو أعمق من المهارة، ويؤدى إلى الاختراعات والابتكارات. الشركات الكبرى فى هذا العصر تريد أغلب العاملين مثل «الترس فى المكنة»، أى تريد مهارات، إلا فى الدائرة العليا من الإدارة. هذا معناه أن السواد الأعظم من الوظائف ستكون متعلقة بالمهارات لا بالدرجة العلمية. الجامعات تستطيع المساهمة هنا عن طريق ورش العمل والتدريبات خارج المواد الدراسية المتعلقة بالدرجة العلمية. هذا العامل داخلى وخارجى فى الوقت نفسه، إذا كانت سوق العمل تشمل وظائف داخل الدولة أو وظائف لشركات عالمية «أونلاين».
• طبيعة اقتصاد الدولة: هذا طبعا عامل داخلى ويتعلق بنوع الاقتصاد الأساسى التى تعتمد عليه كله دولة: زراعى، صناعى، خدمى، إلخ. كل نوع من هذه الأنواع تنتج سوق عمل مختلف، وبالتالى على كل دولة مراعاة ذلك فى تخصصاتها العلمية فى الجامعات.
ما رأيناه أن هناك عوامل داخلية أى فى يد كل دولة وعوامل خارجية، أى أن الدول يمكنها أن تتحكم فى سوق العمل عن طريق العوامل الداخلية وطريقة رد الفعل على العوامل الخارجية.
ماذا يمكن أن تفعل كل دولة كى تحسن الاستفادة من سوق العمل وأيضا تؤثر فيه ولا تكون مجرد رد فعل للسوق الخارجي؟

•••

كيف نتصرف حيال سوق العمل؟

أولا: يجب التشجيع على ريادة الأعمال لكن بضوابط حتى لا يظن كل شخص أن بمقدوره إنشاء شركة تصبح عملاقة فى المستقبل القريب، نسبة فشل الشركات الناشئة كبيرة جدا، لذلك لا ينبغى السير «عميانى» فى هذا الموضوع، بل يجب أن تكون هناك وسائل لاكتشاف الموهوبين فى مجال ريادة الأعمال، ثم توصيلهم بمصادر التمويل. الأهم هو التخلص من جميع القيود البيروقراطية المتعلقة بإنشاء الشركاء وعملها وأيضا انتهائها عندما لا تنجح؟
ثانيا: وضع نظام يتطور باستمرار حسب الظروف الداخلية والإقليمية والعالمية لاكتشاف الموهوبين فى كل مجال والاستفادة منهم، هل نريد مهندسا فاشلا؟ أم باحث تاريخ ناجحا؟ العلوم الإنسانية تساعد فى التخطيط والتوجيه السليم للعلوم الطبيعية، ناهيك عن أهميتها كسلاح كقوة ناعمة.
ثالثا: الاهتمام بالجيل الجديد ليس فقط تنمية مهاراته لكن تنمية نظرته للحياة بحيث لا يكون هدفه المال والشهرة فقط، فأنت بذلك تصنع مجرد روبوتات بلا قلب، وهذا ليس كلاما نظريا، فمن يعمل كالروبوت أو من أجل الغنى والشهرة لن يشعر بالانتماء ولن يشعر بمعنى التضحية، وأرجو ألا يُفهم من كلامى أن المال غير مهم، ولكن جعل الغنى هو الهدف الأسمى والأوحد هو المشكلة، طبعا قد تجد من يقول لك «يعنى نعيش فقراء وما نلاقيش ناكل؟»، هذا معناه أن القائل يفتقر إلى التفكير المنطقى لأنه يتجه من النقيض للنقيض، إذا قلت له «أنت تأكل كثيرا» فسيرد «يعنى أموت من الجوع؟».
رابعا: تنمية وظائف سوق العمل بحيث يوائم نوع الاقتصاد سواء زراعيًا أم صناعيًا أم خدميًا إلخ.
خامسا: الاهتمام بالبنية التحتية من إنترنت (ثبات وليس سرعة فقط)، إلى أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة، إلى معامل إلخ.
سادسا: استخدام علماء النفس والاجتماع لتعليم الشعب أن ليست هناك تخصصات أفضل أو أعلى قيمة من تخصصات أخرى، لأجعل هذه الفكرة أوضح هب أننا سألنا أسرة: ما هو أفضل لابنكم أن يكون طبيبا فاشلا؟ أم كهربائيا ناجحا؟ الآن تفهم ما أعنيه.
•••
الهدف الأساسى هو تقدم الدولة، وكى يحدث ذلك يجب توظيف كل موهبة فى مكانها المناسب، على عكس ما يظن الكثيرون: يجب أن نتحكم فى سوق العمل بدلا من أن تتحكم سوق العمل فى مستقبل الطلبة.

 

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات