حين يُظلم المنتخب المصرى تخسر كرة القدم جزءا من مصداقيتها - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
الجمعة 10 يوليه 2026 8:08 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من يحسم مباراة ربع النهائي بين فرنسا والمغرب؟

حين يُظلم المنتخب المصرى تخسر كرة القدم جزءا من مصداقيتها

نشر فى : الجمعة 10 يوليه 2026 - 7:05 م | آخر تحديث : الجمعة 10 يوليه 2026 - 7:05 م

لم تكن خسارة المنتخب المصرى أمام الأرجنتين فى دور الستة عشر من كأس العالم مجرد خروج من بطولة كبرى، بل كانت لحظة كشفت بوضوح هشاشة الادعاء الدائم بأن كرة القدم العالمية تُدار بمعايير واحدة وأن العدالة التحكيمية تُطبق على الجميع دون تمييز. فما تعرض له المنتخب المصرى فى تلك المباراة لم يكن فى نظر ملايين المتابعين مجرد خطأ تحكيمى عابر، وإنما ظلم واضح أثّر مباشرة فى مجريات اللقاء ونتيجته، وأدى فى النهاية إلى إقصاء فريق كان يستحق على الأقل أن يحصل على فرصته الكاملة والعادلة فى المنافسة.


لقد دخل المنتخب المصرى المباراة بعد أداء مميز فى دور المجموعات، وبعد أن أعاد إلى الجماهير المصرية والعربية الثقة فى قدرة الكرة العربية على الحضور بقوة فى المحافل الدولية. ولم يظهر المنتخب المصرى طوال اللقاء كطرف ضعيف أو مستسلم أمام اسم الأرجنتين وتاريخها الكروى، بل لعب بثقة وانضباط وشجاعة، ونجح فى فرض فترات طويلة من الندية الحقيقية. غير أن القرارات التحكيمية المثيرة للجدل قلبت ميزان المباراة، وأعطت الانطباع بأن بعض المنتخبات تُعامل بمنطق مختلف عن غيرها.


• • •
هنا تكمن المشكلة الأخطر. فالجماهير قد تتقبل الخسارة إذا جاءت نتيجة تفوق المنافس داخل الملعب، لكنها تجد صعوبة بالغة فى تقبل الإقصاء حين تشعر أن الحكم لم يقف على المسافة نفسها من الفريقين. وعندما يتكرر هذا الشعور فى مباريات تخص منتخبات من خارج الدائرة التقليدية للقوى الكروية الكبرى، فإن السؤال لا يعود متعلقا بمباراة واحدة، بل بمصداقية المنظومة كلها.


كرة القدم مدينة لشعبيتها الجارفة لفكرة بسيطة لكنها جوهرية: أن الجميع يملكون الفرصة ذاتها. فمن حق منتخب إفريقى أو عربى أو آسيوى أن يهزم بطلا عالميا إذا كان الأفضل فى الملعب. أما إذا ترسخ الانطباع بأن هناك معايير مزدوجة، وأن أسماء بعينها تحظى بهامش من الحماية أو التساهل لا يتوافر لغيرها، فإن اللعبة تفقد جزءا من روحها، ويتحول الحديث عن العدالة الرياضية إلى مجرد شعار دعائى.


ولذلك لم يكن مفاجئا أن تتجاوز موجة التعاطف مع المنتخب المصرى حدود مصر والعالم العربى. فقد امتلأت الصحف والمنصات الرياضية العالمية بتحليلات تنتقد الأداء التحكيمى، وظهرت أصوات من خبراء ولاعبين سابقين وصحفيين من دول مختلفة تؤكد أن المنتخب المصرى تعرض لقرارات أثرت فى النتيجة بشكل مباشر. والأهم أن هذا التعاطف لم يكن نابعا من انحياز قومى أو إقليمى، بل من إحساس عالمى بأن مبدأ تكافؤ الفرص تعرض للاهتزاز.


إن كثيرين ممن تابعوا المباراة لم يكونوا مشجعين لمصر، لكنهم وجدوا أنفسهم متعاطفين معها لأنهم رأوا فريقا يقاتل بندية ثم يُحرم من بعض حقوقه التحكيمية. وهذه نقطة شديدة الدلالة؛ فحين يكسب المنتخب المصرى تعاطف جماهير محايدة فى قارات مختلفة، فهذا يعنى أن القضية تجاوزت حدود الانتماء الوطنى وأصبحت مرتبطة بالدفاع عن نزاهة المنافسة نفسها.


• • •
وفى المقابل، كان المشهد العربى بالغ التأثير. فمن فلسطين التى لم تنقطع منها رسائل الدعم رغم جراحها المفتوحة، إلى دول الخليج، ومن بلاد الشام إلى العراق، ومن ليبيا وتونس والجزائر إلى المغرب وموريتانيا، بدا وكأن المنتخب المصرى يمثل أملا عربيا مشتركا لا مجرد فريق وطنى. لقد تابع ملايين العرب المباراة بروح واحدة، وشعروا بعد نهايتها بأن الظلم لم يقع على مصر وحدها، بل على فريق حمل فى أدائه وطموحه شيئا من الحلم العربى بحضور أكثر قوة على المسرح الرياضى العالمى.


وهذا التعاطف العربى الواسع يكشف حقيقة أعمق من مجرد الانفعال الكروى. فعلى الرغم من الانقسامات السياسية والخلافات الإقليمية، ما تزال هناك مساحة وجدانية عربية مشتركة تظهر بوضوح فى لحظات النجاح والمظلومية. والرياضة تمتلك قدرة استثنائية على إحياء هذه المساحة، لأنها تخاطب الشعوب مباشرة وتتجاوز حسابات السياسة الرسمية.


لقد بدأ التعاطف عربيا، ثم تحول بعد مباراة الأرجنتين إلى تعاطف عالمى. فكلما أعيدت اللقطات المثيرة للجدل، وكلما ناقشها المحللون والخبراء، اتسعت دائرة الذين رأوا أن المنتخب المصرى لم يحصل على معاملة عادلة. وهكذا خرجت مصر من البطولة، لكنها دخلت فى الوقت نفسه إلى قلب نقاش عالمى حول التحكيم والتكنولوجيا الرياضية وازدواجية المعايير فى إدارة المباريات الكبرى.


ومن المؤكد أن المؤسسات الدولية المشرفة على كرة القدم مطالبة بمراجعة جادة لما حدث. فوجود تقنيات متطورة مثل حكم الفيديو المساعد يفترض أن يقلل الأخطاء الجسيمة، لا أن يزيد الجدل حولها. كما أن الشفافية فى تقييم الأداء التحكيمى أصبحت ضرورة ملحة للحفاظ على ثقة الجماهير، لأن كرة القدم الحديثة لم تعد مجرد لعبة، بل صناعة عالمية ضخمة تعتمد فى استمرارها على اقتناع الناس بعدالة المنافسة.


أما المنتخب المصرى، فقد خرج مرفوع الرأس. صحيح أنه فقد فرصة مواصلة المشوار، لكن أداءه وما حظى به من احترام وتعاطف جعلا خروجه مختلفا عن هزيمة عادية. لقد أثبت لاعبوه أنهم قادرون على مقارعة الكبار، وأن الفارق لم يكن فى الروح أو الإرادة أو التنظيم، بل فى تفاصيل تحكيمية أثارت استياء الملايين.


• • •
ويبقى الدرس الأهم أن كرة القدم لا تستطيع الحفاظ على مكانتها بوصفها اللعبة الأكثر شعبية وتأثيرا إلا إذا بقيت العدالة معيارها الأول. فحين يُظلم منتخب بحجم المنتخب المصرى فى مباراة إقصائية كبرى، فإن الخاسر لا يكون مصر وحدها، بل تخسر اللعبة نفسها جزءا من مصداقيتها العالمية. ومع ذلك، فإن ما حدث كشف أيضا عن شىء إيجابى ومؤثر: أن المنتخب المصرى استطاع أن يصنع حالة نادرة من التضامن، بدأت بتعاطف عربى امتد من فلسطين إلى الخليج ومن فلسطين إلى المغرب، ثم تحولت بفعل الظلم التحكيمى الفادح إلى تعاطف عالمى واسع، أكد أن الشعوب ما تزال قادرة على التمييز بين الفوز المشروع والفوز الذى تحيط به علامات استفهام كبيرة، وأن العدالة الرياضية تظل قيمة إنسانية تتجاوز الحدود والقارات والانتماءات.


أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى

عمرو حمزاوي أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي
التعليقات