تحتاج منطقة الشرق الأوسط اليوم إلى إطار أمنى وسياسى جديد يعيد الاعتبار للدبلوماسية والتعاون الإقليمى ويحد من احتمالات الصراع والحروب التى استنزفت شعوبها ودولها لعقود طويلة. فمنذ نهاية الحرب الباردة تعاقبت المبادرات والمشروعات الهادفة إلى بناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر استقرارًا، إلا أن معظمها تعثر بسبب استمرار النزاعات المسلحة، وغياب الثقة المتبادلة، وتدخل القوى الكبرى، وعجز الأطراف الإقليمية عن تطوير رؤية جماعية للأمن والاستقرار. وفى ظل التحولات الجارية فى النظام الدولى، وتراجع قدرة القوى الكبرى على فرض ترتيبات مستقرة، وتنامى دور القوى الوسيطة إقليميًا ودوليًا، تبدو الفرصة مواتية لإطلاق عملية هلسنكى شرق أوسطية جديدة بقيادة عربية تتولاها مصر والسعودية والأردن وقطر، بهدف تأسيس منظومة إقليمية للحوار والتعاون والأمن الجماعى.
وتستمد فكرة عملية هلسنكى المقترحة إلهامها من التجربة الأوروبية التى انطلقت فى سبعينيات القرن العشرين وأدت إلى إنشاء مؤتمر الأمن والتعاون فى أوروبا، الذى تحول لاحقا إلى منظمة الأمن والتعاون فى أوروبا. فقد نجحت تلك العملية فى الجمع بين دول ذات أنظمة سياسية ومصالح استراتيجية متناقضة حول طاولة واحدة، وأرست مبادئ مشتركة لإدارة الخلافات والحد من مخاطر المواجهة العسكرية وتعزيز التعاون الاقتصادى والإنسانى. ورغم اختلاف السياقات التاريخية والسياسية بين أوروبا والشرق الأوسط، فإن جوهر الفكرة يظل صالحا للتطبيق: بناء الثقة تدريجيًا بين الأطراف المتنافسة عبر حوار مستمر ومؤسسات دائمة وقواعد متفق عليها للسلوك الإقليمى.
تمتلك الدول العربية الأربع المقترحة لقيادة هذه العملية مقومات تؤهلها للقيام بهذا الدور. فمصر تملك الثقل السياسى والتاريخى والخبرة الدبلوماسية الطويلة فى إدارة الملفات الإقليمية والتوسط فى النزاعات. والسعودية أصبحت خلال السنوات الأخيرة فاعلا رئيسيا فى جهود التهدئة الإقليمية والانفتاح على مختلف الأطراف، كما تملك القدرة على توفير الدعم السياسى والاقتصادى اللازم لإنجاح أى عملية جماعية. أما الأردن فيتمتع بمصداقية واسعة وعلاقات متوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، فضلا عن خبرته فى ملفات الأمن والاستقرار الإقليمى. بينما أثبتت قطر قدرتها على لعب أدوار الوساطة وبناء الجسور بين أطراف متصارعة، كما تمتلك شبكة علاقات واسعة يمكن توظيفها لخدمة مشروع إقليمى جامع.
* • •
وينبغى أن تنطلق عملية هلسنكى الشرق أوسطية من قناعة أساسية مفادها أن الأمن فى المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر سياسات الردع العسكرى وحدها، ولا عبر التحالفات الحصرية التى تستبعد بعض الأطراف، وإنما عبر مفهوم شامل للأمن الجماعى يربط بين الأمن العسكرى والأمن الاقتصادى والتنمية المستدامة والتعاون الإنسانى. فالتحديات التى تواجه دول المنطقة لم تعد تقتصر على النزاعات التقليدية، بل تشمل أيضا الإرهاب والتطرف، والهجرة غير النظامية، وأزمات المياه والغذاء، والتغير المناخى، والأمن السيبرانى، والاضطرابات الاقتصادية.
ولكى تنجح هذه العملية، ينبغى أن تكون شاملة وغير إقصائية. فكما جمعت عملية هلسنكى الأوروبية دولا متنافسة وأحيانا متخاصمة، يجب أن تضم العملية الشرق أوسطية جميع الأطراف الرئيسية المؤثرة فى الإقليم. ويشمل ذلك الدول العربية، وتركيا، وإيران، وإسرائيل، إلى جانب مشاركة داعمة من القوى الدولية الكبرى والمنظمات الدولية. ولا يعنى ذلك تجاهل الخلافات العميقة أو النزاعات القائمة، بل الاعتراف بأن إدارة هذه الخلافات تتطلب وجود منصة دائمة للحوار بدلا من تركها تتفاقم حتى تتحول إلى أزمات أو حروب.
ويمكن للمرحلة الأولى من العملية أن تركز على إجراءات بناء الثقة. وتشمل هذه الإجراءات تعزيز الشفافية العسكرية، وتبادل المعلومات بشأن المناورات والتحركات العسكرية الكبرى، وإنشاء قنوات اتصال مباشرة لتجنب سوء التقدير والتصعيد غير المقصود، والاتفاق على مبادئ تحكم السلوك فى الممرات البحرية الحيوية. كما يمكن إطلاق حوارات منتظمة بين الخبراء والمسئولين العسكريين والدبلوماسيين من مختلف الدول المشاركة بهدف خلق ثقافة جديدة للتواصل والتفاهم.
وفى المرحلة الثانية يمكن الانتقال إلى معالجة الملفات السياسية والأمنية الأكثر تعقيدا. ويأتى فى مقدمتها الصراع الفلسطينى الإسرائيلى الذى يظل المصدر الرئيسى للتوتر وعدم الاستقرار فى المنطقة. فلا يمكن لأى مشروع للأمن الجماعى أن يحقق نجاحًا مستدامًا إذا استمر الاحتلال الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية واستمرت معاناة الشعب الفلسطينى وحرمانه من حقوقه الوطنية المشروعة. ولذلك ينبغى أن تضع العملية الجديدة دعم حل الدولتين وإنهاء الاحتلال ضمن أولوياتها، مع العمل فى الوقت ذاته على دمج إسرائيل فى ترتيبات الأمن الإقليمى المستقبلية بعد تحقيق تقدم ملموس فى المسار السياسى.
كما يجب أن تتناول العملية العلاقات العربية الإيرانية ومستقبل الأمن فى الخليج العربى. فالتجارب الماضية أثبتت أن سياسات المواجهة والتصعيد لا تحقق استقرارًا دائمًا، وأن الحوار هو السبيل الأكثر فعالية لمعالجة الخلافات المرتبطة بالنفوذ الإقليمى والبرامج العسكرية والتدخلات المتبادلة. ويمكن لعملية هلسنكى الشرق أوسطية أن توفر إطارًا مؤسسيًا يتيح معالجة هذه القضايا بصورة تدريجية ومتواصلة.
وتحتاج العملية كذلك إلى إدماج تركيا بوصفها قوة إقليمية رئيسية لا يمكن تجاهل دورها فى ملفات الأمن والاستقرار. فتركيا عضو مهم فى حلف شمال الأطلسى، وتمتلك علاقات اقتصادية وسياسية واسعة مع العالم العربى، كما أن لها تأثيرًا مباشرًا فى العديد من النزاعات الإقليمية. ومن ثم فإن إشراكها فى ترتيبات الأمن الجماعى يعد شرطًا أساسيًا لنجاح أى مشروع إقليمى طويل الأمد.
لا ينبغى أن تقتصر عملية هلسنكى الشرق أوسطية على القضايا الأمنية والسياسية فقط، بل يجب أن تتضمن بعدا اقتصاديا وتنمويا واضحا. فالتجربة الأوروبية أثبتت أن التعاون الاقتصادى يمكن أن يصبح محركا أساسيا لبناء الثقة وتعزيز الاستقرار. ومن هنا يمكن إطلاق مشروعات إقليمية مشتركة فى مجالات الطاقة المتجددة، وربط شبكات الكهرباء، والأمن المائى، والتجارة البينية، والبنية التحتية الرقمية، والنقل واللوجستيات. كما يمكن إنشاء صناديق تمويل إقليمية لدعم الدول والمجتمعات المتضررة من النزاعات.
كذلك ينبغى أن تتضمن العملية بعدا إنسانيا ومجتمعيا يركز على تعزيز التواصل بين الشعوب والمجتمعات المدنية والجامعات ومراكز الأبحاث. فبناء السلام لا يتحقق فقط عبر الاتفاقات الحكومية، بل يحتاج أيضًا إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعاون والتسامح بين المجتمعات المختلفة. ويمكن فى هذا السياق تنظيم منتديات دورية للشباب والأكاديميين والخبراء والإعلاميين بهدف تعزيز التفاهم المتبادل وكسر الصور النمطية السلبية.
* • •
من الضرورى أيضًا إنشاء هيكل مؤسسى دائم للعملية يضمن استمراريتها وعدم ارتباطها بالأزمات العابرة أو بتغير الحكومات والقيادات السياسية. ويمكن أن يشمل ذلك أمانة عامة دائمة، واجتماعات دورية على مستوى القادة ووزراء الخارجية والدفاع، وآليات متخصصة لمعالجة النزاعات وتسوية الخلافات ومراقبة تنفيذ الالتزامات المتفق عليها.
إن نجاح عملية هلسنكى شرق أوسطية بقيادة مصر والسعودية والأردن وقطر لن يكون سهلًا، ولن يتحقق فى وقت قصير. فالمنطقة مثقلة بإرث طويل من الصراعات وانعدام الثقة والتدخلات الخارجية. غير أن البديل عن السعى إلى بناء إطار جديد للأمن الجماعى هو استمرار دوامة الأزمات والحروب وعدم الاستقرار. وفى عالم يتجه تدريجيًا نحو التعددية القطبية وتنامى دور القوى الوسيطة، تمتلك الدول العربية فرصة تاريخية للانتقال من موقع المتلقى للترتيبات الدولية إلى موقع المبادر بصياغتها.
ومن هنا فإن إطلاق عملية هلسنكى شرق أوسطية جديدة لا ينبغى النظر إليه بوصفه مجرد مشروع دبلوماسى، بل باعتباره رؤية استراتيجية لمستقبل المنطقة. رؤية تقوم على الحوار بدلًا من الصراع، وعلى التعاون بدلًا من الاستقطاب، وعلى الأمن الجماعى بدلًا من سباقات التسلح والمواجهات المفتوحة. وإذا تمكنت مصر والسعودية والأردن وقطر من بلورة هذه الرؤية وتحويلها إلى مسار مؤسسى مستدام، فإنها قد تضع الأساس لأول نظام إقليمى أكثر استقرارًا وتوازنًا وشمولًا فى تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى