مودى حكيم يكتب: فنان أحب الحياة - مودي حكيم - بوابة الشروق
الجمعة 19 يونيو 2026 8:23 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

مودى حكيم يكتب: فنان أحب الحياة

نشر فى : الجمعة 19 يونيو 2026 - 7:00 ص | آخر تحديث : الجمعة 19 يونيو 2026 - 7:10 م

فى مثل هذه الأيام من العام الماضى، سنحت الفرصة زيارة ولقاء أشهر وأغنى فنان تشكيلى فى العالم، قبل أن تنقل لى الأنباء، أمس الأول، خبر وفاته الفنان الرائد دافيد هوكنى، الرسام ذو الشعر الأشقر المصبوغ، المنحدر من يوركشاير بلوحاته التى تُجسد جمال كاليفورنيا تحت أشعة الشمس، ولم يتوقف يومًا عن كسر الحواجز، ليصبح أحد أهم الشخصيات فى الفن المعاصر، مجسدًا روح العالم الحديث، على مدى مسيرة فنية امتدت لسبعة عقود، استكشف وأعاد ابتكار فن البورتريه الكلاسيكى، ورسم المناظر الطبيعية، وفن البوب، مستخدمًا الرسم، والكولاج، والتصوير الفوتوغرافى، والرسم الرقمى. صاحب البورتريهات الشهير، ولوحات البرك المتلألئة ورسوماته الملونة على الأيباد أيقونات للفن المعاصر. يمزج هوكنى بين براعة فائقة فى الرسم ودقة الملاحظة، وفهم عميق لتاريخ الفن، فضلًا عن إلمامه بالتكنولوجيا الحديثة. يعكس إنتاج ديفيد هوكنى الفنى الخالد شغفه العميق بالحياة وفضوله الاستقصائى الذى يتجسد فى عبارته الشهيرة «أحب الحياة».


التقيت الفنان الذى تقدر ثروته بنحو 200 مليون دولار أمريكى بمناسبة معرضه الاستعادى الكبير فى باريس العام الماضى، وقد خصصت مؤسسة ودار لويس فويتون لفنون الأزياء فى باريس جميع صالاتها الإحدى عشرة لأيقونة الفن: ديفيد هوكنى، اقتربت وانبهرت بالفنان البريطانى الأنيق ومظهره الفريد الذى يجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الغريبة وذوقه الجرئ حيث يفضل البدلات الفضفاضة ذات الألوان الزاهية ونظارته الطبية ذات الإطارات الكبيرة والسميكة التى تمنحه طابعًا فنيًا، ورغم سنه الذى قارب وقتها من الثامنة والثمانين، كان ودودًا، عكست حيويته لغة جسده وطريقة وقفته مزيجًا من الهدوء والثقة بالنفس وتأمل الفنان المتألق، الذى أحدث فضوله الجامح ثورة فى عالم الرسم.


قدم الفنان البريطانى، المولود عام 1937، أكبر معرض استعادى لأعماله، بعد المعرض الذى استضافه مركز بومبيدو عام 2017. قدم المعرض الذى حمل عنوان «ديفيد هوكنى 25» النطاق الكامل لأبحاثه التصويرية - التى تتسم بالروح المرحة والعمق المعرفى - من خلال 400 عمل فنى أُنجز بين عامى 1955 و2025. أتَاحَ المعرض فرصة لاستكشاف جوانب أقل شهرة من مسيرته الفنية. قاده ابتكاره لمفهوم المنظور إلى الصين. فهو يرى أن المنظور الخطى لعصر النهضة جامد للغاية، ولذا سعى طوال مسيرته الفنية إلى التحرر منه، ليتمكن من نقل إحساسات المشاهد المتحرك بشكل أفضل. فى أوائل ثمانينيات القرن العشرين، طور هوكنى مبدأ «المنظور العكسى» بعد اكتشافه المنظور الصينى غير المتناظر. ثم قام برحلة عبر الصين متتبعًا مسار مخطوطة صينية غامضة من القرن الثامن عشر، والتى أنتج عنها فيلمه الوثائقى «يوم على القناة الكبرى مع إمبراطور الصين».


.. ولأن الماء يشكّل الموضوع الرئيسى فى سلسلة لوحات هوكنى عن المسابح. جذبنى هذا الجزء المخصص للوحات الفنان عن المسابح فى إحدى القاعات الحادية عشرة، يذهلك كيف رسم الماء، والأشكال داخله. تعدد الطبقات والضوء والعمق. ففى هذه اللوحات التى تُجسّد لحظاتٍ عابرة من الحياة، تُخلّد فى الزمن. وباستخدام دلالات ثقافية متشابكة، يستغل هوكنى رمزية الماء المتمثلة فى سيولته وتوتره فى آنٍ واحد. تتميز مسابح هوكنى الأمريكية بأجواءٍ مشحونة جنسيًا، ويعود ذلك إلى تداخل السطح والعمق فى اللوحة. هذا التناقض الداخلى هو الاستعارة الأمثل للتعبير الجنسى للرجل المثلى فى ستينيات القرن العشرين. فالفعل الجرىء المتمثل فى كسر سطح الماء برشّة ماء يُعدّ تعبيرًا عن رغبة جنسية حرة. وتحت غطاء الماء الرقيق، يظهر السباح وكأنه مُغطّى جزئيًا، بينما يكشف جسده فى لحظات من الشفافية. وبهذه الطريقة، يستطيع الرجل المثلى اختبار حدود تعبيره الجنسى مع البقاء ضمن حدود المجتمع.


من المؤكد أن مسابح هوكنى تُشير إلى البيئة الليبرالية التى وجد نفسه فيها فى كاليفورنيا خلال الستينيات. يمكن القول إن لوحات مثل «صورة فنان» بركة مع شخصيتين تشهد على استكشاف ذاتى للصداقة. تُعدّ برك ديفيد هوكنى مساحات تعبيرية واستكشافية وجريئة، استكشفها الفنان طوال مسيرته الفنية التى امتدت لما يقارب ستين عامًا. ويبدو أن نظرة عابرة من أعلى إلى تلك البرك المتلألئة عام 1964 قد أثرت فى جيل كامل من الثقافة الشعبية فى المجال الفنى.


كانت لوحاته لحمامات السباحة فى لوس أنجلوس أشبه بمنظر طبيعى غريب مقارنةً بلندن الباردة والكئيبة. كانت تلك الفترة المفضلة لدى من أعماله، أحببت أيضًا أسلوبه الجرىء والملون فى التسعينيات. وكنتُ أعشق رسوماته منذ دراستى للماجستير بالرويال أكاديمى بلندن. الخطوط، والبراعة فى الرسم، والمساحة.. كانت تُظهر بوضوح مدى براعته. لقد أبدع مجموعة أعمال رائعة. لا أستطيع القول إننى أحببتها كلها، لكننى معجبٌ بإصراره على الرسم دون انقطاع. كان الفن يتنفس فى داخله.

التعليقات