يعرف بعض القراء اسم الكاتب الكبير مصباح قطب، وينظرون إلى كتاباته على صفحات جريدة «المصرى اليوم» بتقدير كبير يلائم تاريخه المهنى الحافل فى مجال الصحافة الاقتصادية وصحافة التحقيقات، إلى جانب ما حققه من نجاح فى فن الحوار.
ومن حسن حظى أننى تعرفت إليه قبل سنوات طويلة، وأحببته قبل أن أتشرف بصداقته التى جاءت بعد أن قرأت كتابه «البلد.. الجريمة فى مصر» والذى اعتمد على قراءة دلالات تقرير الأمن العام الذى تم وقف تداوله بعدها.
فى تلك السنوات البعيدة التى تعود إلى منتصف التسعينيات، أنفقت ساعات طويلة أناقش صديق عمرى، الباحث الاقتصادى علاء كمال، حول ما يكتبه مصباح عن مصر فى أوقات التحول إلى الخصخصة، والأثمان القاسية التى كانت ثمنا لهذا التحول.
شاركنى أصدقاء آخرون، منهم الراحلان مجدى صبحى وحامد العويضي، الإعجاب بالأستاذ مصباح وبتحقيقاته التى كانت تتصدر صحيفة «الأهالى» ذات التاريخ الكبير، والتى كانت تقدم نموذجا ملهما لصحافة المعارضة يندر أن يتكرر.
تبنت «الأهالى» منذ نشأتها الدعوة إلى العدل الاجتماعى، ودعمت دائما خط الاستنارة، وتحلت بروح تقدمية تحترم العقل وتسعى إلى تثويره، ولا أظن أن هناك صحفياً لم يتعلم منها ومن رموزها الكبار الذين رافقوها فى سنوات المجد، أمثال: محمد عودة، ومحمود المراغى، وفيليب جلاب، وحسين عبد الرازق، وصلاح عيسى، وفريدة النقاش، وأمينة النقاش. ولك أن تتخيل أن مصباح قطب، الشاب الريفى، لمع بين هؤلاء بعد أن دعاه للعمل فيها الأستاذ الكبير صلاح عيسى، وهو الراعى الأول لمواهب عديدة.
يعرف الجميع فى مصباح قطب وجه المحقق الصحفى الذى يفهم الأرقام ويجيد قراءتها واستخلاص ما فيها من دلالات، أما أنا فقد عرفت فى روحه ساردا أدبيا من طراز فريد، وكنت أجمع نصوصه الأدبية التى كان ينشرها فى مجلة «أدب ونقد» فى ذروة مجدها، وبقيت سنوات لا أتوقف عن مطالبته بنشر ما يصلح منها، وأظن أن كتابه الجديد «فى انتظار معجزة»، الذى صدر عن دار المحروسة للنشر، هو استعادة لهذا الوجه الذى غيبته الأرقام.
ينتمى الكتاب، كما يشير عنوانه الشارح، إلى ما يمكن اعتباره أدب السيرة الذاتية، ويسرد تجربة الكاتب فى زرع الكبد فى أحد مستشفيات لندن، وهى العملية التى أجراها فى العام 2004 بعد حملة اكتتاب شعبى شارك فيها قراؤه من جميع الفئات، وهى تجربة أظن أنها لم تتكرر، لكنها كانت تعكس احترام القراء لمسيرته المهنية المحترمة وتقديرهم لشخصه النبيل.
كتب قطب كتابه بعد ما يزيد على عشرين عاما من التجربة، وبنَفَس واحد كما يقال. كتب وأعاد تحرير مواد متعلقة بالتجربة نشرها فى مناسبات سابقة، لكنه وضعها بين يدى القارئ كدليل على معجزة، ووصف كتابه بأنه بمثابة «زكاة معرفة»، لأن ما يستهدفه منها إتاحتها أمام الباحثين عما يجهلونه عن المرض، وثانيا «جعل أنجم الأمل تُزين سماء المحبطين واليائسين».
يذكرنى الكتاب، رغم طابعه التوثيقى، بتعبير «شعرية الألم»، فهو يفيض بشذرات ومقاطع لا يمكن تفادى ما فيها من شجن، ويعود بى إلى نصوص راسخة أحببتها فى هذا المسار، لعل أجملها عندى «سأكون بين اللوز» للشاعر الفلسطينى حسين البرغوثى، وربما عرفت الأجيال الجديدة منها كتاب «أثقل من رضوى» للراحلة رضوى عاشور.
غير أن الكتاب، وقد شفى الله صاحبه، يفتح أبواب الأمل على مصراعيها، لذلك تجنب صاحبه الميلودراما الفاقعة، أو كما يقول صاحبه: «ليس دراما إنسانية رغم أن عناصرها الكاملة حاضرة بقوة، بل هى جامحة فى حضورها إلى حد تطلب لجم التراجيديا فيها أحيانا».
يتضمن الكتاب المؤلم والممتع الكثير من التأملات التى يختلط فيها العلم بالأمل وبالإيمان والامتنان لمن تحملوا العناء معه. يشرح صاحبه كيف حاول الإفلات من نبرة الحكيم، لكنه استسلم لها أحيانا استجابة لمنطق التداعى الحر، وأنتج نصوصاً تفيض بالمفارقات الدالة على ثراء تجاربه وتنوعها، وفيها أيضاً الكثير من الدروس المهنية التى تستحق الانتباه.
رغم ما فى الكتاب من أدب خالص، فإن صاحبه حافظ على الصحفى يقظا بداخله، وأعطى القارئ دراسة مسحية شاملة لخريطة المرض وأسبابه التى يقودها الفقر، وظهرت جرعات كاملة عن الوجع المصرى فى عمومه، تتمثل فى معاناة أهل القرى الصغيرة، رافعاً شعاره الأثير: «وما الفقر إلا ما عرفتم وذقتم». ومع ذلك فإن ما يبقى جديرا بالتأمل فى الكتاب هو نبرة الأمل التى يطل نورها فى غمرة اليأس من كل «مصباح».