ملامح تهديد إيران بحرب شاملة تنتهى بتغيير النظام السياسى فيها، بل وإلى تفتيتها، تصاعدت فى الأسابيع الأخيرة.
توجّه رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو إلى المنتجع الخاص للرئيس دونالد ترامب فى ولاية فلوريدا، وانتشرت الأخبار عن أنه بحث معه أمر إيران بعد أن استعرضا معًا نزع سلاح حماس، والوضع فى غزة، وفرض سيطرتهما معًا عليها. وحركت الولايات المتحدة أسطولًا هائلًا، تتوسطه حاملة الطائرات العملاقة «إبراهام لينكولن»، التى يمكن أن تحمل 65 طائرة مقاتلة، من بينها طائرات من المسماة بالشبح من طراز «ف-35»، وحولها ثلاث مدمرات من بحر الصين إلى جهة بحر العرب أو الخليج، وتضاربت الأنباء.
تحرك الأسطول من أجل تفهيم إيران أن التهديد بمهاجمتها جاد. الرئيس الأمريكى صرّح بأن «سلاحنا معبأ بالذخيرة وهو مستعد لإطلاقها». وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو أعلن أن بلاده قد توجه ضربة استباقية لإيران حتى تمنعها من توجيه ضربة استباقية ضد القوات الأمريكية. هكذا! لم تحل غرابة الإعلان وخروجه على كل قانون وعرف دون أن ينطق الوزير الأمريكى به. وزير الحرب الأمريكى بيت هجسث، جالسًا إلى جوار الرئيس الأمريكى، صرّح بدوره بأن وزارته على أهبة الاستعداد، وهى لا تنتظر إلا قرار الرئيس وأمره ببدء العمليات.
والولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون فتحوا ملف مبررات الحرب وأضافوا إليه أوراقًا جديدة: منع إيران من إنتاج أسلحة نووية، وهو ما تنفى إيران أن يكون ضمن نواياها، وحظر كلٍّ من إنتاج الطاقة النووية لأغراض الاستخدامات السلمية لها، وتخصيب اليورانيوم تخصيبًا مستقلًا فى الأراضى الإيرانية، وهما ورقتان معروفتان منذ ما قبل خطة العمل المشتركة والشاملة الموقعة سنة 2015، والتى انسحبت منها الولايات المتحدة أثناء فترة الرئيس ترامب الرئاسية الأولى. منذ ما بعد التوقيع على خطة العمل ثم انسحاب الولايات المتحدة منها، أُضيفت أوراق إلى الملف هى تدمير الصواريخ الباليستية الإيرانية التى تدخل إسرائيل فى المدى الذى تبلغه، فضلًا عن مطالبة إيران بالكف عن مساندة المنظمات التى يعتبرها الأمريكيون والإسرائيليون والأوروبيون مجرد أذرع لإيران، مثل حزب الله و«حماس» وجماعة الحوثى. هذه المطالبة لم تتوقف على الرغم مما تعرضت له «حماس» منذ أكتوبر سنة 2023، وتعرض له حزب الله فى سنة 2024 وبعدها، ورغم انقطاع خط تزويدها بالموارد منذ سقوط نظام الرئيس بشار الأسد فى ديسمبر 2024.
• • •
الورقة الجديدة فى ملف مبررات الحرب ضد إيران هى مساعدة المحتجين الإيرانيين على النظام السياسى فى بلادهم وإنقاذهم. الرئيس الأمريكى توجه إلى المحتجين الإيرانيين قائلًا: «المساعدة فى الطريق». صحيح أن الاحتجاجات عمّت عشرات المدن فى إيران، وهى احتجاجات لها ما يبررها، على الرغم من تداخل عناصر أجنبية فيها وتأجيجها لها. التضخم هائل، وتكاليف المعيشة ترتفع بشكل مستمر وبمعدلات متنامية، والأزمات تطال الكهرباء والماء اللذين لا تقدر الحكومة على توفيرهما بلا انقطاع. غير أن غالبية الإيرانيين فى داخل إيران وخارجها، حتى المعارضين منهم للنظام الإيرانى، لا يريدون تدخل الولايات المتحدة، وشكوكهم فى نواياها ترجع إلى تاريخ قديم.
جذور هذا التاريخ تعود إلى سنة 1953، عندما اشتركت الولايات المتحدة فى الإطاحة بالزعيم الوطنى محمد مصدّق، وفى إعادة الشاه محمد رضا بهلوى إلى عرشه بعد أن كان قد هرب من بلاده، ثم مساندة الشاه فى حكمه ضد إرادة كلٍّ من الأغلبية الشعبية، والحركات السياسية، والسياسية الدينية. ويتعجب أغلب الإيرانيين من تعاطف الرئيس الأمريكى معهم؛ فهو الذى انسحب من خطة العمل المشتركة، وهو، ومعه الأوروبيون، الذى فرض العقوبات القاسية على بلدهم، العقوبات التى يعتبرون أنها السبب فيما يعانونه من ضوائق العيش.
ملخص الأمر بشأن الإيرانيين أن غالبيتهم لا يريدون تدخلًا أمريكيًا فى بلدهم، عسكريًا أو غير عسكرى، والكثيرون منهم يخشون أن تكون نتيجة التدخل العسكرى، أو الهدف منه، تحلل إيران إلى دويلات. ثمة من قال إنه بعد انهيار الاتحاد السوفييتى لم تبقَ إلا إيران دولة متعددة العرقيات واللغات. النظام السياسى الإيرانى عنيد، يمتنع عن توسيع نطاق الفاعلين فيه وعن إدخال أى إصلاحات على هياكله وعلى طرائق عمله، ولكن غالبية الإيرانيين، بما فى ذلك المعارضون منهم، تريد أن يقتصر التعامل معه عليها هى.
• • •
ما سبق هو موقف النظام الإيرانى، الذى يقول إنه مستعد عسكريًا، وموقف أغلب تيارات المعارضة له من داخل نظام الجمهورية الإسلامية ومن خارجه، فما هى مواقف الأطراف الأخرى فى الإقليم ومسوغاتها الرئيسية؟ تركيا تحاول التوسط بين الولايات المتحدة وإيران، وهى تخشى أن تؤدى حرب ضد إيران إلى لجوء مئات الآلاف من الإيرانيين إليها، إن لم يكن الملايين. المملكة العربية السعودية تحاول بدورها التوسط؛ فهى لا تريد حربًا تزعزع الاستقرار فى الخليج وتقوض اقتصاداته. ومثلما هى لا تبغى دويلات صغيرة فى اليمن والقرن الإفريقى، فهى لا تريدها فى إيران كذلك، لأن تعدد الدول الصغيرة يحمل فى طياته بذور عدم الاستقرار، إذ إنه يعنى أيضًا تعدد القرارات التى قد تتضارب، ويهيئ الأرضية للتدخلات الأجنبية. قطر بدورها تحدثت مع كلٍّ من الولايات المتحدة وإيران، فلعبت دور الوساطة الذى صار تقليديًا فى سياستها الخارجية. عُمان حذرت هى الأخرى من الآثار الوخيمة لحرب ضد إيران.
مصر فعلت خيرًا بدورها، إذ نشط وزير خارجيتها، بدر عبد العاطى، فى التواصل مع وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى، والمبعوث الأمريكى ستيف ويتكوف، لنزع فتيل المواجهة وتفادى الحرب. بالنسبة لمصر، الخليج إقليم فرعى للشرق الأوسط، وبالتالى فإن أى زعزعة للاستقرار فيه هى زعزعة للاستقرار فى الشرق الأوسط كله تمسها بالضرورة. ثم إن لمصر ملايين العمال فى الخليج، ولذلك فإن حربًا فيه ذات آثار هائلة على اقتصادها وسوق عملها. ولا يقل أهمية عن كل ما سبق أن هذه البلدان جميعًا تدرك أن تدمير إيران أو تفكيكها، مع مساندة الولايات المتحدة لها، من شأنه أن يعين إسرائيل على أن تتصرف كقوة مهيمنة فى الإقليم. أيا كانت خلافات هذه البلدان مع الجمهورية الإسلامية، فهى فى الحاضر على الأقل ترى أنها تشترك فى موازنة إسرائيل بما يحول دون رغبة هذه الأخيرة فى الهيمنة على الإقليم.
اللافت للنظر هو أن رغبة إسرائيل فى الهيمنة وعدوانيتها، وحرب إبادتها للشعب الفلسطينى وإهانتها المتعمدة له، واستهانتها بالبشر والدول فى الإقليم، جمعت هذه الدول على مواقف متقاربة منها ومن أهدافها. هذا مما ينبغى أن يدهش المراقبين فى الإقليم. تفوق إسرائيل العسكرى الإجمالى فى العقود الأخيرة، ومعه تقدمها التكنولوجى والاقتصادى، ونفوذها فى الولايات المتحدة والقارة الأوروبية، قد أوحوا جميعًا للمراقبين، بل وأقنعوا أغلبهم، بأن تخطيطها محكم وحساباتها دائمًا متقنة تحقق لها مصالحها فى الإقليم.
إسرائيل تزعم أن القضاء على الجمهورية الإسلامية وحلفائها فى الإقليم من شأنه أن يفتح أبوابًا للسلام والتعاون والتناغم فى الشرق الأوسط. عكس ذلك هو المرجح. التدخل العسكرى للولايات المتحدة وتحقيقها لأهداف إسرائيل من ورائه يمكن أن يكون باهظ التكلفة عليها. هو من شأنه أن يعزز التماسك بين غالبية معتبرة من دول الإقليم تحسبًا من رغبتها فى السيطرة عليه.
التدخل العسكرى للولايات المتحدة فى إيران، ضد رغبة أغلب دول الشرق الأوسط، يمكن أن يرسم الخطوط العريضة للنظام الإقليمى بما لا يواتى إسرائيل.
أستاذ الأبحاث بالجامعة الأمريكية بالقاهرة