البحر رصيف الأحلام، يحيط بالأرض، وهو الأفق، وهو الملاذ، وهو الرزق، وهو أيضًا مساحة لسرقات غرامية فيما بين نور وظلام يستر القلوب العاشقة. كان البحر كل ذلك، وأيضًا هو ما نهرب إليه من صيف ساخن، وهو ما نتسامر عنده ونسمع موسيقى لا يزال الموج يداعب أنغامها ويشتاق لها، خاصة بعد أن تحوّلت الموسيقى والطرب والغناء إلى مواد استهلاكية، حيث ساد «الصراخ» دون نغم، إيقاع صاخب بلا عمق، وضجيج متكرر بلا ذاكرة، يُنتَج ليُستهلك بسرعة ويُنسى أسرع.
• • •
سكن البحر الصيادون والغواصون والباحثون عن رزق أو متعة.. سكنوه مع تلاوين من الأسماك والقواقع والمرجان. بقى البحر لكثير من أهل الخليج مصدر رزقهم وحياتهم، من اللؤلؤ إلى الأسماك.
ولكنه أيضًا وسيلة للانتقال من شاطئ إلى آخر للتجارة والأسفار، وكثيرًا ما خافه الأقدمون، لا لأنه غادر، بل لأن الغزاة عرفوا طريقه. نزلوا منه على الأرض الطاهرة ودنسوها، بل حكموا واستعمروا. فبُنيت القلاع، وارتفعت الأسوار، لا فى مواجهة البحر، بل فى مواجهة من جاء عبره. صار الماء شاهدًا على مفارقة قاسية: هو ذاته الذى يمنح الحياة، فتح بوابته للموت.
• • •
لم يكن البحر بريئًا دائمًا، لم يتغير لونه، لكن تغيّرت صورته فى وعينا. لم نعد نراه فقط لازورد نلوذ به من القيظ، بل شاشةً للأخبار العاجلة، وخريطةً تتحرك عليها السفن الحربية الأمريكية، وتتزاحم فوقه المؤشرات الحمراء، وتُقرع عند شواطئه طبول الحرب. صار البحر خبرًا قبل أن يكون مكانًا، وتحليلًا عسكريًا قبل أن يكون ذاكرة.
لم يعد سؤالنا: كيف نصل إليه؟ بل: ماذا يحمل إلينا هذه المرة؟
• • •
هذه السفينة الحربية الأمريكية اقتربت، وتلك أعادت تموضعها، وأخرى تشق الماء فى اتجاه سواحل إيران. سواحل ليست بعيدة، وليست غريبة، بل هى ــ مهما حاولنا نسيان ذلك ــ سواحل جيراننا، وسواحلنا نحن سكان الضفة الأخرى من الخليج. الجغرافيا لا تنسى، ولا تسمح لنا بالنسيان. يمكن للسياسة أن تغيّر خطابها، ويمكن للخرائط أن تُعاد تسميتها، لكن الجغرافيا تبقى أقوى من كل محاولات التزييف، تذكّرنا بأن المسافة بين ضفتين ليست رأيًا، بل قدرًا.
• • •
تذكّرنا الجغرافيا أن السفينة الحربية لم تأتِ للنزهة، ولا حتى للمراقبة البريئة. جاءت محمّلة بالسيناريوهات، وبالرسائل المعقدة التى لا تخجل السلطة الجالسة فى البيت الأبيض من إعلانها. لم يعد الخطاب السياسى يتوارى خلف لغة دبلوماسية متحفظة، بل تحوّلت اللغة نفسها إلى سلاح، إلى أداة حرب موازية تُقصف بها العقول قبل المدن. ألفاظ قاسية، وتعبيرات متعمدة، تُكرر حتى يعتادها المتلقى، وحتى تصبح الخصومة بلا خطوط، والتهديد بلا كوابح.
• • •
وهكذا، لم يعد البحر يأتى بالأسماك، ولا بالذكريات وحدها، بل بأخبار الخوف القادم. خوف لا يخص ضفة واحدة، ولا دولة بعينها. فمن يقرأ التاريخ بوعى يدرك أن الحرب، إن اندلعت، لن تكون على بلاد وحدها، بل ستفتح أبواب الجحيم على أوسعها، وستعيد كتابة الخرائط بالدمار، لا بالحبر.
• • •
علّمتنا الحروب عبر التاريخ درسًا يتكرر بمرارة: لا توجد حرب بعيدة. كل حرب، مهما ادّعى مخططوها أنها محدودة أو محسوبة، تتحول سريعًا إلى تهديد للأمن والسلام فى كل مكان، لا فى البلد الذى تندلع فيه فقط. فالنار لا تعترف بالخرائط، والدمار لا يحترم الحدود. من يقرأ تاريخ الحروب الكبرى، من الحربين العالميتين إلى فيتنام، ومن أفغانستان إلى العراق، يدرك أن قرار إشعال الحرب كان دائمًا أسهل من قرار إخمادها. عرفوا كيف تبدأ، تحت عناوين الردع أو الدفاع أو استعادة الهيبة، أو حتى التذرع بتلك الشماعة وهى الدفاع عن حقوق سكان هذه البقعة أو تلك، أو تلك الأقليات المضطهدة، لكنهم نادرًا ما عرفوا كيف تنتهي. تتغير الأهداف، وتتبدل الذرائع، وتتسع الدائرة، فيما يدفع المدنيون، والاقتصادات، والاستقرار الإقليمى والعالمى الثمن. هكذا يذكّرنا التاريخ أن الحرب ليست حدثًا عابرًا، ولا أداة يمكن التحكم بمآلاتها، بل مقامرة مفتوحة، يدخلها الساسة بخطابات وخرائط، ويخرج منها العالم بجراح طويلة الأمد، وحدود جديدة، وهجرة، وتفتيت ما كان متماسكًا أصلًا!