أعلن ترامب مطلع العام عن تأسيس «مجلس السلام العالمى» كطرح لكيان بديل للأمم المتحدة على مقاس رؤيته للعالم، قائم على منطق الصفقة والقوة لا القواعد متعددة الأطراف. هذه الخطوة لا تُفهم كحالة شخصية، بل كتعبير فجاج عن اليمين الشعبوى العالمى، ما يجعل فهم ترامب مرهونًا بتفكيك البنية التى أنتجته: أصل الظاهرة، سياقها، ومآلاتها المستقبلية.
فعام ترامب الأول، كما تشير د. دينا شحاتة، لم يكن سلسلة قرارات ارتجالية أو انفجارات فردية، بل تنزيل عملى لـ«مشروع 2025» الذى يهدف إلى تركيز السلطة فى يد الرئاسة بدل توازن السلطات التقليدى، عبر استخدام كثيف للأوامر التنفيذية لتجاوز الكونجرس. حيث خلق تصورًا سياسيًا مفاده أن التفويض الانتخابى يعطى الرئيس حقًا شبه حصرى فى تعريف «الإرادة الشعبية»، وأن أى مقاومة مؤسسية تُفهَم كعائق للشرعية الشعبية نفسها.
وهذا يقودنا إلى أولى الأزمات التى قادتنا لهذه الظاهرة، وهى أزمة الديمقراطية التمثيلية، والتى بدأت منذ التسعينيات مع ظهور الأوتوقراطية الانتخابية؛ حيث توجد الانتخابات، لكن جوهر النظام يتآكل. بعد نهاية الحرب الباردة، جرى تفريغ السياسة من مضمونها الاجتماعى. تغيّرت النخب الحاكمة، لكن السياسات الأساسية لم تتغير. اليمين واليسار التقليديان التقيا عند النيوليبرالية، وتحوّلت الانتخابات إلى آلية لتداول الأشخاص لا لتداول الاختيارات. وما عُرف بـ«الطريق الثالث» لم يكن حلًا، بل تبريرًا لليسار لتبنى سياسات رأسمالية، فانتهينا بنزع الثقة الشعبية فى السياسة ذاتها، حيث يصوت الناس للتغيير فلا يأتى أبدًا. هنا بدأت القطيعة بين المجتمع والنخب، وبدأت الجماهير تبحث عن بدائل خارج الإطار التقليدي.
وما يفعله ترامب حاليًا هو استجابة لهذه الحالة، حيث يقوم بتقويض توازن السلطات عبر توسيع نطاق القرار التنفيذى وتقليص دور الكونجرس والقضاء فى صوغ السياسات، وتفكيك الجهاز البيروقراطى وإخضاعه للولاء السياسى من خلال إعادة تصنيف المناصب وتوسيع هامش العزل. كما يربط معركة السياسات بمعركة بخطاب هوياتى فى ملفات الهجرة والتنوع الثقافى والقيم العامة، ما يربط القلق الاقتصادى بالهوية الثقافية.
وهذا الخطاب الهوياتى ما قدنا له هو الأزمة الثانية التى خلقت هذه الحالة، وهى الأزمة الاقتصادية العالمية 2008. فالنظام المالى انهار، لكن كلفة الانهيار لم يدفعها من تسببوا فيه، بل دُفعت اجتماعيًا. فى مثل هذه اللحظات، يفتح المجال أمام خطاب كبش الفداء: المهاجر، اللاجئ، الدولة العميقة، أى شىء عدا الرأسمالية نفسها. هذا بالضبط ما شهدناه تاريخيًا مع صعود الفاشية والنازية فى أوروبا، وما نراه اليوم فى صعود اليمين المتطرف عالميًا، فترامب هنا ليس استثناءً، بل إعادة إنتاج لهذا المنطق فى سياق أمريكى؛ حيث الشعبوية لا تقدّم أيديولوجيا مكتملة، لكنها تحتل فراغًا أيديولوجيًا.
وهو ما يربط بالأزمة الثالثة التى تتعلق بمنطق الإذلال وفقدان المكانة، فكما شكّلت معاهدة فرساى لحظة إذلال تاريخى لألمانيا ساهمت فى صعود النازية، شكّل سقوط الاتحاد السوفييتى نظيرًا لها، حيث طموحات الكتلة الشرقية فى حياة أفضل لم تتحقق، بل كان هناك شعور بإذلال من الغرب للكتلة الشرقية فى معظمها. من هذا السياق خرج بوتين باعتباره مشروع «استعادة» قومية. الفرق بينه وبين ترامب ليس فى الجوهر، بل فى الأسلوب؛ بوتين أكثر عقلانية وانضباطًا، بينما ترامب أكثر فوضوية وغرائزية.
• • •
أما عن السياق الدولى الذى تتفاعل فيه ظاهرة ترامب، فهو سياق تفكك نظام عالمى؛ حيث نعيش لحظة تآكل شرعية المؤسسات الدولية، عجز آليات الحوكمة، وصعود القوميات الاقتصادية والسياسية. فكما فشلت عصبة الأمم فى احتواء تناقضات ما بعد الحرب العالمية الأولى، تفشل اليوم المنظومة الدولية فى إدارة تناقضات الرأسمالية. الأمم المتحدة، منظمة التجارة العالمية، النظام المالى الدولى ــ كلها مؤسسات فقدت القدرة على فرض قواعد عادلة أو مستقرة. هذا الفراغ لا يبقى فارغًا، تملؤه الشعبويات، الحمائية، وسياسات القوة، وأفكار هزلية تخضع لمنطق البلطجة والقوة مثل مجلس السلام العالمى.
فرغم وجود جميع الدول فى الأمم المتحدة، أصبحت عاجزة عن وقف الحروب الكبرى أو فرض قرارات فعالة، وتتراجع قدرتها على حماية المدنيين أو إدارة الأزمات الكبرى مثل أوكرانيا، غزة، اليمن، والسودان. كما بات مجلس الأمن، الذى كان يفترض أن يكون أداة ردع، ساحة صراع بين القوى الكبرى، ما يجعل الفيتو أداة تعطيل أكثر منه ضمان استقرار. فالانهيار البنيوى للنظام الدولى مرتبط بالأساس بتفكك الأسس الاقتصادية والاجتماعية نفسها: فشل النموذج النيوليبرالى فى معالجة الفقر وعدم المساواة، وتزايد الدين العالمي، وتآكل أنظمة الحماية الاجتماعية هى عوامل تقوّض الأسس التى يقوم عليها النظام الدولى الحديث.
تكرار نمط أن النظام الدولى عندما يفقد أدواته وأخلاقيته يصبح عرضة لصعود سياسات تقوم على القوة والمصالح الخاصة، لا على التزامات قانونية مشتركة. وعليه، يتحرك ترامب داخل هذا السياق، لا خارجه. انسحابه من الاتفاقيات، تشكيكه فى التحالفات، ازدراؤه للقانون الدولى، كلها تعبيرات عن مرحلة سيولة عنيفة يعيشها النظام الدولى؛ حيث تمثل هذه السياسات تحوّلًا فى منطق الدور الأمريكى فى النظام الدولى، من قائد رئيسى ضمن نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى قوة خارجة عنه تُعلى المصلحة على المؤسسات والقواعد. يبدو من هذا التشابه أن الرأسمالية نسيت ما تعلمته بعد الحرب العالمية الثانية، من أن السياسة صراع اجتماعى، وحاولت تحويلها إلى إدارة، فكانت ظاهرة صعود اليمين الشعبوى. أى يمكننا القول إن ترامب «عقاب» وليس بديلًا.
• • •
أما عن المستقبل، فترامب حتى الآن لا يحمل مشروعًا مستقبليًا متماسكًا. هو مشروع مشوّه، مهموم باللحظة، بإدارة الصراع لا حله. الشعبوية اليمينية عمومًا لا تبنى نظمًا طويلة الأمد، بل تعيش على منطق الطوارئ الدائمة: عدو دائم، أزمة، تعبئة دائمة. وهو ما يستحيل معه التعامل مع قضايا العالم الراهنة إلا كما يفعل ترامب، بالإنكار والتجاهل لحين ما تنفجر فى وجه الجميع، خاصة الأزمات متعددة الأبعاد مثل الأزمة البيئية (تغيّر المناخ)، وأزمة عدم المساواة الاقتصادية وتوسع الفقر، التى تكشف حدود هذا النظام فى حماية البشرية والعلاقة بين الدول والشعوب.
فصعود التيار الذى يمثله ترامب هو نتاج تراجع التيارات المناهضة للرأسمالية، حيث تحول الكثير منها إلى خطاب حقوقى أو تمثيلى رمزى، ففُقد الحديث حول جذور الأزمة الاجتماعية، فصبَّ صوته لصالح «سياسات الهوية» التى تربط المطالب الثقافية بالقوة السياسية.
لكن يجب أن نلاحظ أنه بقدر ما صعد اليمين الشعبوى، برز أيضًا يسار راديكالى جديد فى أوروبا والولايات المتحدة ــ مثل ميلونشون وكوربن وممدانى ــ كجزء من حالة كذلك، حالة مدعومة بحركات ميدانية ترتبط مباشرة بقضايا العدالة الاجتماعية والاقتصادية. وهذا ما يجعل «عودة الأيديولوجيا» اليوم بعد عقود من خطاب «ما بعد الأيديولوجيا» الذى ساد بعد نهاية الحرب الباردة، إعادة صياغة للصراع السياسى نفسه فى ظل أزمة النظام الدولى؛ حيث أصبح السؤال المركزى ليس عن الهوية أو النصوص، بل عن من يمتلك السلطة والثروة وكيف تُعاد بنية النظام نفسه، لا كإدارة تقنية محايدة. هذه العودة ليست مجرد رجوع لتيارات فكرية قديمة، بل تبلور صراع مشروع حول توزيع القوة والثروة والمعنى السياسى نفسه.
فظاهرة ترامب إذن ليست نهاية القصة، بل علامة على مرحلة. تطرح سؤالًا: أيديولوجيا ستملأ هذا الفراغ؟ يمين سلطوى يعيد إنتاج الأزمة، أم مشروع تحررى يتعامل مع جذورها؟