لم يكن النظام الدولى الذى تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية ناتجًا مباشرًا لنقاء نوايا المنتصرين، بل جاء كمزيج من المصالح والمخاوف والتطلعات لمنع اندلاع حروب مماثلة فى المستقبل. فبعد مأساة النزاعين العالميين وفشل عصبة الأمم فى ردعها، جرى بناء نظام دولى جديد قائم على المؤسسات والتنسيق وفرض قواعد مشتركة للعلاقات بين الدول.
هذا النظام قام على ثلاث مستويات أساسية: سياسى، واقتصادى، واجتماعى/حقوقى. لكل منها مكونات رئيسية. فى المستوى السياسى، يُعتبر حفظ السلم والأمن الدوليين هو الركيزة الأبرز، وفى قلبه تقف منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن. ويستند فى القيام بدوره على منظومة تشريعية تشمل القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة وعدد من الاتفاقيات الدولية. لكن تطبيقه غالبًا ما كان انتقائيًا ومزدوج المعايير، والمؤسسات رغم قيامها بمهام الوساطة وفرض العقوبات وإرسال قوات حفظ السلام، فإن حق الفيتو وهيمنة القوى الكبرى قلّلا كثيرًا من فاعليتها. وفى هذا السياق، تحضر المنظمات الإقليمية كمنصات للدبلوماسية المتعددة، لكنها كثيرًا ما تكون مدخلًا لتأبيد الوضع القائم وتبييض التدخلات.
أما المستوى الاقتصادى فقام على تحقيق التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار، وكان ذلك وفق نموذجين دولة الرفاهة فى مقابل نموذج التخطيط المركزى، فى قلب هذا البُعد تقف منظمات التمويل الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولى والبنك الدولى، والمنوط بهما دعم الاستقرار والتنمية. إلا أنه مع سقوط الكتلة الشرقية سادت الأيديولوجية الليبرالية الاقتصادية، أى فتح الأسواق وتحرير التجارة وتقليص دور الدولة. ومنظمات التمويل تدخلهم بات مشروطًا بوصفات تقشفية وخصخصة وفتح الأسواق لصالح الشركات العالمية. أما منظمة التجارة العالمية بدورها فتسعى لإزالة الحواجز الجمركية، لكنها فى الواقع تخدم بدرجة كبيرة مصالح الشمال العالمى على حساب الجنوب، بما فى ذلك فرض قواعد صارمة لا تراعى الفوارق الهيكلية بين الاقتصاديات. والمؤتمرات الاقتصادية الكبرى مثل قمة العشرين أو منتدى دافوس، فتكشف التفاوت فى من يحكم الاقتصاد العالمى فعلًا، إذ تُمثِّل مصالح النخب المالية والاقتصادية أكثر مما تمثل شعوب العالم.
شعار المستوى الاجتماعى كان تعزيز حقوق الإنسان والتنمية المستدامة، وهو ما تجلى فى عدد من الأدوات والمؤسسات، مثل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الذى يصدر تقارير وتوصيات، كما توجد أيضًا اتفاقيات دولية مهمة مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقيات حقوق الطفل والعمال. لكن كثيرًا من هذه الاتفاقيات تبقى على الورق، وتعتمد على المصادقة والتنفيذ الطوعى من قبل الدول، فى مقابل مؤسسات فى هذا المستوى تفتقر للقدرة على فرض تنفيذ قراراتها، وكثيرًا ما تتأثر بتوازنات القوى السياسية.
تلعب المنظمات الحقوقية والإنسانية دورًا مهمًا فى الرصد والفضح، لكن تتهم أحيانًا بالتحيز أو التدخل فى السيادة، ما يحد من فاعليتها فى بعض السياقات. أما أهداف التنمية المستدامة، فهى أجندة طموحة تبنتها الأمم المتحدة، لكن تنفيذها بطىء وغير ملزم، وغالبًا ما يتم تجييرها لصالح «التجميل البيئى أو الجندرى» دون معالجة الجذور البنيوية للاختلالات.
وعليه هناك العديد من الملاحظات على هذه البنية، فالنظام قائم على هيمنة القوى الكبرى، لا سيما الولايات المتحدة، يليها تحالفات الغرب الصناعى. كما يظهر فيه فجوة صارخة بين المبادئ المُعلنة والواقع، سواء فى حفظ السلام، العدالة الاقتصادية، أو حقوق الإنسان. كما يتم استغلال أدوات النظام لإعادة إنتاج القوة: فرض نظام عالمى غير متكافئ، تبرير التدخلات، ومنح الشرعية لأنظمة استبدادية حليفة.
• • •
وهو ما قدنا إلى أن التطورات فى السنوات الخمس الأخيرة التى تنبئ بتصدعات شديدة فى المستويات الثلاثة للنظام، مما يوحى كما جاء فى مقال سابق لنا أننا نعيش مرحلة شبيهة بما بين الحربين حين انهار نظام عصبة الأمم واندلعت الحرب العالمية الثانية التى على آثارها تم بناء هذا النظام. وإذا كانت ألمانيا النازية وامتداداتها الفكرية وتحالفاتها السياسية لعبت دور المحفز فى سقوط النظام الدولى ما بين الحربين/ فيمكننا أن نرى إسرائيل وحالة التصهين العالمى فكريا أو سياسيا تلعب دورا مشابها حاليا فى العالم حيث تشارك إسرائيل كما أشارنا فى مقالات سابقة ليس فقط فى هدم النظام الدولى بل فى نخره من الداخل على غرار نخر السوس فى بيت خشبى لينهار البناء من ذاته ولا يعد صالح إعادة ترميمه. فإسرائيل ركن أساسى فى تصاعد النزاعات المسلحة، بما أظهرت العجز الكامل للنظام فى الردع أو الوساطة الفعالة، وضعف الأمم المتحدة أمام الفيتو الأوروبى أحيانا والأمريكى دوما لصالحها. تآكل مفهوم السيادة والشرعية الدولية بفعل التدخلات العسكرية (بدون تفويض أممى أحيانًا)، والانقلابات، ودعم أنظمة استبدادية كحلفاء. وصعود الاستبداد الشعبوي، وتراجعت الديمقراطية عالميًا، كل ذلك نجد البصمة الإسرائيلية حاضرة فيه.
اقتصاديًا، نعيش مرحلة الحرب كأداة بنيوية داخل الاقتصاد النيوليبرالى، فهى تُستخدم لخلق طلب صناعى فى أوقات ركود السوق، ولتبرير زيادة الإنفاق العام بما يخدم الشركات الكبرى، كما تُعيد ضبط عجلة الاقتصاد عبر دورة التدمير ثم إعادة الإعمار. وما يحدث فى غزة يكشف بوضوح هذا المنطق، حيث تؤدى إسرائيل دورها الوظيفى داخل النظام الرأسمالى العالمى، فتغدو الحرب وسيلةً للإنتاج وإعادة الإنتاج، لا مجرد مواجهة عسكرية عابرة.
وكمثال على المستوى الاجتماعى أزمة مناخ بفعل النمو الرأسمالى المدمر للطبيعة، مع بطء شديد فى السياسات البيئية، وغلبة الطابع الدعائى على الفعلى «الغسيل الأخضر» مثلا هو توظيف الخطاب البيئى والتقنيات المستدامة لتلميع صورة فاعلٍ سياسى أو اقتصادى وإخفاء ممارساته الاستغلالية أو العنيفة. فى هذا الإطار، قدّمت إسرائيل نفسها كـ«مختبر عالمى» للتكنولوجيا الخضراء فى مجالات المياه والطاقة الشمسية والزراعة الذكية، لكنها فى الواقع تستخدم هذه التقنيات لتبييض نظام استيطانى يقوم على نهب الموارد وحرمان الفلسطينيين من حقهم الطبيعى فيها. هذا التلاعب لا يقتصر على تحسين صورتها دوليًا، بل يؤثر على النظام العالمى ذاته: إذ يفتح الباب أمام شرعنة سياسات استعمارية عبر لغة البيئة، ويحوّل أجندة الاستدامة إلى غطاء لهيمنة سياسية واقتصادية، بدلًا من أن تكون مدخلًا لتحقيق عدالة كونية.
• • •
كما تمثل الحالة الإسرائيلية أحد أبرز مظاهر ازدواجية المعايير فى النظام الدولى لحقوق الإنسان؛ فبينما تواصل إسرائيل انتهاكات جسيمة بحق الفلسطينيين، غالبًا ما تحظى بدعم أو صمت من القوى الغربية التى تدّعى الدفاع عن القيم الكونية. هذه الازدواجية تقوّض مصداقية منظومة حقوق الإنسان برمّتها، إذ تُظهرها كأداة انتقائية تُستخدم سياسيًا لا كمعيار أخلاقى شامل. النتيجة أن التيارات الشعبوية والسلطوية فى بعض المناطق من العالم تجد فى هذا التناقض مبررًا للتشكيك فى جدوى حقوق الإنسان نفسها، بل وتوظيفه كخطاب ضد الديمقراطية والحرية، ما يُسهم فى تعميق التصدعات داخل النظام الدولى.
إذن أزمات النظام ليست مجرد تحديات خارجية، بل نتاج له نفسه، ما يجعل تغييره مرهونًا بإصلاح جذرى أو إعادة بناء شاملة. وأمام هذا المشهد المعقّد تبرز أسئلة مؤجلة: هل يمكن إعادة تشكيل النظام الدولى ليتناسب مع تعقيدات العصر، أم أننا نتجه نحو عالم بلا نظام جامع تحكمه المصالح والنفوذ كما تفعل إسرائيل؟ ما يجرى ليس أزمات عابرة، بل صراع على قواعد اللعبة، بين من يسعى لهدم النظام لفرض السيطرة بالقوة، ومن يريد إعادة إنتاجه بأدوات أكثر تجميلًا، ومن يطمح إلى تغييره جذريًا نحو نظام أكثر عدالة وفاعلية.
مدير منتدى البدائل للدراسات ببيروت