نشأ مفهوم العدالة الانتقالية مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وتطوّر بعد ذلك مع تتابع الصراعات الأهليّة والتحوّلات العالميّة. ثمّ تمّ تثبيته من قبل الأمم المتحدة، التى وضعته ضمن سياق الهدف 16 من أهداف التنمية المستدامة: «السلام والعدل والمؤسسات القويّة». إلّا أنّه يحتوى فى طيّاته على إشكاليّات كبيرة ترتبط بسياق الصراعات والانتهاكات المحليّة، ما أخذ النشاطات الخاصّة به إلى أبعاد مترابطة قانونيّة واجتماعيّة وسياسيّة.. وفى علم النفس، الفرديّ والمجتمعى.
هكذا تبرز إشكاليّات أساسيّة فى تسمية هذه الآليّة. فمن يُطبّق العدالة وبأيّة آليّات؟ علماً أنّ «دولة القانون» تضعُف فى فترات الصراع وبعدها. وعلى من تُطبّق العدالة؟ على الخاسرين وحدهم أم على جميع من ارتكب انتهاكات؟ وهل هناك انتقائيّة فى الضحايا وفيما تعرّضوا له؟ أهى الانتهاكات الجسديّة فقط أم الانتهاكات الاقتصاديّة والاجتماعيّة أيضاً؟ أمّا تعبير «الانتقالية»، فالانتقال إلى ماذا؟ واللافت، أمام هذه الإشكاليّات، أنّ أغلب الآليّات التى تمّ وضعها فى سياق «العدالة الانتقالية» اختارت تسميات مختلفة، على غرار «لجنة الحقيقة والمصالحة» فى جنوب إفريقيا.
وبالتالى، لا بدّ من التوضيح أنّ مفهوم «العدالة الانتقاليّة»، ومهما سُمّيت آليّاته، يتعارض جوهريّاً مع مفهوم «العدالة الثوريّة»، الذى يُمكِّن تصرّفات عشوائيّة «للمنتصِر» بحجّة أنّه يمثّل.. «ثورة» انتصرت. إذ إنّ أسمى ما جعل الثورة الفرنسيّة ثورةً هو إعلان حقوق الإنسان والمواطنة الذى صاغته، لكنّها لم تعُد لا ثورةً ولا عادلة ولا إنسانيّة عندما أطلق «الثوريّون» فترة ما سُمّى لاحقاً «الإرهاب»، وحيث جرت إعدامات بالجملة بالمقصلة. إلى أن قام الثوريّون بتصفية بعضهم بعضا (روبسبيير الذى أخذ دانتون إلى المقصلة)، لتنشأ من جديد عهود استبداد وأباطرة وملوك وحروب.
ومع صعوبات تحقيق عدالة قانونيّة شاملة بعد صراع، تهدف أصلاً إلى ترسيخ السلام وتجنّب تجدّد الصراعات، تبرُز «الحقيقة» محورا أساسيّا، إذ إنّها سبيلٌ لالتئام الجراح التى خلّفتها حالات القتل والتعذيب والاختفاء القسرى، وكذلك الاعتداءات على النساء. وذلك لمن عانى منها ولذويهم، كى لا يسود منطق الانتقام وعشوائيّته. لذلك يتضمّن محور «الحقيقة» أبعادا نفسيّة واجتماعيّة، كما أنّه لا يقتصر فقط على الانتهاكات الجسديّة، بل يشمل أيضا التعدّيات على الأرزاق وسبل العيش والملكيّات.
لكن هنا أيضا يُمكِن أن يتلاعب «المنتصِر» بالحقيقة، من خلال الآليّات التى يضعها «للعدالة الانتقالية»، والإعلام، والمناهج الدراسيّة، كى يُبرِز أجزاءً من هذه الحقيقة فقط وليس كلّها، بل كى يستخدم هذه الأجزاء ويوظّفها لمآربه، ولفرض سيطرته، ولخدمة مصالحه. كما أنّ التركيز على انتهاكات ومظالم فترة الصراع قد يُغطّى على انتهاكات ومظالم تُرتكَب بعد.. «الانتصار».
• • •
فى الواقع، لا معنى للبحث عن الحقيقة فى عدالة انتقالية تصنع سلاما مستداما، إلّا عبر آليّاتٍ تعمل كى تُطوى صفحة الماضى «المرير» بما عرفته من انتهاكات ومظالم لدى الأفراد والمجتمعات، وذلك عبر الحوارات المجتمعيّة، وليس التهييج الإعلامى، وعبر جبر الأضرار والتعويض، المعنوى والمادّى.
المحور الآخر هو.. المصالحة. مصالحةٌ بين ضحايا ومنتهِكين، يمكن أن يلعب القضاء دورا فيها، أو أجسامٌ يتمّ تصميمها خصّيصا تديرها فعاليّات يحترمها المجتمع. خاصّةً وأنّه نادرا ما يتمّ اللجوء إلى القضاء فى مجتمعاتنا العربيّة، ليس فقط فى المجتمعات القبليّة أو الريفيّة، بل أيضا فى خلافات كبار التجّار، حيث يتوافقون على محكّمين يقضون بينهم، بما يتجنّب ضعف المؤسّسات القضائيّة وبطء أعمالها عند تعدّد القضايا بشكلٍ كبير، وكذلك الفساد. حينها تُحال إلى القضاء فقط القضايا الكبرى، سواء تعلّق الأمر بمجرمين كبار أو بـ«أمراء حرب» كبار استغلّوا فترة الصراع لمكاسب كبيرة على حساب مجموع المواطنين، وذلك لما فى انتهاكاتهم من حساسيّة لدى المجتمع. بالتالى، تضحى «العدالة الانتقالية» مقلوبةً رأسا على عقب عندما تتمّ محاكمة صغار المنتهِكين قضائيّا، فى حين تُجرى.. «تسويات» أو عفو مع كبار المنتهِكين، خاصّةً إذا ما تمّت هذه التسويات والإعفاءات دون شفافيّة، أى دون إظهار.. للحقيقة خلال الصراع وبعده.
المصالحة هى أيضا بين المجموعات الاجتماعيّة التى تعتبِر بعضها أنّ لها مظالم جماعيّة، وأنّ الأخرى، كمجموعة وليس أفرادا، هى.. الظالمة. وربّما ليس الأمر مصالحةً بقدر ما هو استعادة وعى جماعى بالمواطنة المشتركة والمساواة الكاملة فيها، وبالتعريف على الخلفيّات الثقافيّة والتاريخيّة لكلّ فئة مجتمعيّة، التى يعمل الجهل بها دوره فى توتير الصراعات. كما أنّها إيجاد حلولٍ لخلافات اقتصاديّة واجتماعيّة على الصعيد المحلّى، بين أحياء وبين قرى متجاورة. وفى هذا السياق، هناك أهميّة كبرى لإعادة إحياء الذاكرة الجمعيّة المشتركة فى وجه التناقضات الشكليّة، وإبراز فعاليّات لدى كلّ فئات المجتمع كانت، وبقيت، لها أدوارٌ أساسيّة فى صنع ما هو مشترك عبر نضالاتها وجهودها.
بالتالى، لا يُمكن لهذه «المصالحة الاجتماعيّة» بالتحديد أن تبدو، فى المحصّلة، كنوعٍ من انتصارٍ لفئة اجتماعيّة على فئة اجتماعيّة أخرى، واستبدالاً لمظالم سابقة بمظالم جديدة.
• • •
فى الواقع، تُشكّل «المصالحة الاجتماعيّة» إحدى أكبر تحدّيات «العدالة الانتقالية»، إذ إنّها تستهدف الوعى الجمعى، مع ما يحتويه من موروثات، ومع ما يتمّ التلاعب به من خلال الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعى الحديثة، بالضبط لتمزيق المجتمع والهيمنة عليه. والتحدّى أكبر فى المجتمعات التى استمرّت فيها موروثات وهويّات اجتماعيّة لم تصهَرها حقّاً الدولة الوطنيّة ضمن هويّة المواطنة، كما فى لبنان وسوريا فى منطقتنا العربيّة (وكما فى إسبانيا فى أوروبا). فى هذه الحالات، يتمّ التلاعب بمفاهيم أغلبيّة وأقليّات، وبطوائف مفترضة، وبإثنيّات وخصوصيّات. وبالطبع، هدف هذا التلاعب فى النهاية هو «فرِّق تسُد»، سواءً من سلطات قائمة أو من دولٍ خارجيّة تسعى إلى إيجاد سبل للتدخّل وتأجيج الصراعات.
«المصالحة الاجتماعيّة» هى استعادة الثقة بأنّ المجتمع واحد، وبأنّ المصير مشترك. ثقةُ المجتمع بنفسه وبجميع أطيافه، وبين جميع مناطقه. لكنّها أيضا، وبشكلٍ جوهرى، استعادة الثقة... بالدولة، على أنّها نتيجة عقدٍ اجتماعى بين كل أطياف المجتمع، تعمل أساساً لخدمته، وليست حكرا على سلطة أو فئة.
فغاية العدالة الانتقالية هى الانتقال نحو.. الدولة، المؤسّسة العادلة والحياديّة تجاه جميع مواطنيها، والمؤسّسة التى تحمى أمنهم جميعا من التهديدات الخارجيّة وكذلك من الصراعات الداخليّة. لهذا، لا يمكن أن تكون الدولة حكرا على حزبٍ واحد أو فكرٍ واحد أو سلطةٍ مهيمنة واحدة. ولا معنى لأن يتمّ إخراج العدالة الانتقاليّة عن سياقها وأُسسها فى الحقيقة والمصالحة، للتلاعب بأمل الانتقال نحو الدولة العادلة.
ليست العدالة الانتقالية سوى مفهوم وآليّات، إلّا أنّ المجتمع، كلّ المجتمع، هو الجوهر. ولا فائدة من توحيد الأرض صوريّا تحت سلطةٍ واحدة، إذا بقى المجتمع متشرذما، وبقيت مظالم تهدّد المستقبل.