كانت زيارة القمة التى أجراها شى جين بينج لواشنطن متوافقةً مع التوقعات، مع الإشارة إلى أن سقف التوقعات لم يكن مرتفعًا جدًا؛ فزيارة رسمية تستمر ثلاثة أيام، كانت فى معظمها مراسم ولقاءات رسمية، لم تكن تهدف إلى حلّ التنافس بين القوتين العظميَين دفعة واحدة.
ومع ذلك، فإن مجرد اختيار الزعيمين توجيه العلاقات نحو قنوات للحوار ــ فى الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا، وحتى بين الجيشين ظظ يمثل إنجازًا بحد ذاته.
يمكن قراءة الاستقبال الاستثنائى بطريقتين متناقضتين؛ الأولى باعتباره بادرة احترام لزعيم قوة منافِسة، كبيرة وقوية، وربما حتى اعترافًا أمريكيًا بالمكانة المتنامية للصين؛ أما الثانية، وهى الأكثر إقناعًا بالنسبة إلىَّ، فهى أنه كان بمثابة رسالة قوة عسكرية.
ظهرت رسالة مشابهة فى قائمة المدعوين إلى مأدبة العشاء الرسمية؛ إذ جلس حول الطاولة كبار مسئولى التكنولوجيا والصناعة الأمريكية: سام ألتمان، من OpenAI، ومارك زوكربيرج، من Meta، وجنسن هوانج، من Nvidia، وإيلون ماسك، وليزا سو، من AMD، وجيف بيزوس، إلى جانب الرئيسات التنفيذيات لشركتَى Boeing وGeneral Motors.
لم تكن مجرد مأدبة احتفالية، بل كانت عرضًا لمصادر القوة الأمريكية: الذكاء الاصطناعى، والرقائق الإلكترونية، والبرمجيات، والطيران، والسيارات، ورأس المال.
أراد ترامب أن يُظهر لضيفه أنه حتى فى عصر صعود الصين، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك تركيزًا استثنائيًا من الابتكار والصناعة والقوة الاقتصادية.
هناك مجال يمكن رؤية اتجاه إيجابى فيه، وهو التنافس على الذكاء الاصطناعى، المجال الذى سبق للزعيمين أن عبّرا عن أهميته الاستراتيجية، بل ربطاه بمسألة التفوق المستقبلى للقوى العظمى. وهنا أيضًا شدّد كلّ طرف فى ملخصه على نقطة مختلفة قليلًا؛ شددت الولايات المتحدة على الاتفاق على استخدام مصطلح ترامب «الذكاء الفائق (Super-intelligence)»، بينما شددت الصين على أهمية إبقاء الذكاء الاصطناعى تحت السيطرة البشرية.
لكن بعيدًا عن الاختلافات، هناك نقطة مهمة هنا: يبدو كأن هناك اتفاقًا على الحاجة إلى قناة اتصال مخصصة بين القوتين العظميَين فى هذا المجال الحسّاس.
صحيح أننا لم نشهد اتفاقًا، أو آليةً للتنسيق والرقابة، شبيهة بالآليات التى عملت فى الماضى بين القوى العظمى فى مجال الأسلحة النووية. ومع ذلك، فإن مجرد حقيقة أن القوتين الرائدتين فى هذا المجال تتحاوران بشأن ضرورة إدارة التنافس بينهما تمثل تطورًا مهمًا. وفى ظل منافسة ستزداد حدّةً بمرور الوقت، ربما تكون القدرة على الحوار مهمة بقدر القدرة على التنافس.
وأخيرًا، هناك نقطة ربما تبدو هامشية، لكنها مهمة، فى رأيى: توقُّع عقد لقاءين إضافيَّين بين ترامب وشى خلال هذا العام؛ فمن المتوقع عقد اللقاء الأول خلال قمة APEC فى نوفمبر فى الصين. وسيكون من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كان ترامب سيحضر فعلًا، وخصوصًا فى ضوء الحضور المتوقع للرئيس الروسى فلاديمير بوتين؛ أمّا اللقاء الثانى، فمن المتوقع أن يُعقد على هامش قمة مجموعة العشرين (G20) فى ميامى فى ديسمبر، وإذا عُقد اللقاءان فعلًا، فسيكون ذلك عددًا استثنائيًا من الاجتماعات بين رئيسَى الولايات المتحدة والصين خلال عام واحد. وفى الواقع، أرى أن مجرد عقد هذه اللقاءات أهم من مسألة توقيع اتفاق من نوع أو آخر خلالها. وتكمن أهميتها فى مستويَين: الأول، أن اللقاءات تبعث برسالة للأجهزة الحكومية فى البلدين، مفادها بأن هناك رغبة فى اللقاءات والحوار، بل ضرورة، ولهذا أهمية خاصة فى النظام الهرمى الصينى، بحسب ما قال لى ذات مرة باحث صينى، تحاول المنظومة فهم إرادة الزعيم وتنفيذ الرسائل الآتية من أعلى الهرم بأفضل صورة ممكنة.
لكنها ربما تتيح للبلدين إدارة هذا التنافس بصورة أفضل، ويمكن أن تسمح لهما بخفض مستوى التصعيد وتوجيه الموارد والاهتمام إلى مجالات أُخرى ــ انتخابات التجديد النصفى والحرب مع إيران من الجانب الأمريكى، وتهدئة الجبهة مع القوة الأكثر تأثيرًا فى طموحات الصين المتعلقة بالتنمية والتقدم من الجانب الصينى؛ ربما لا تكون هذه بداية صداقة رائعة، بل هدنة موقتة لمواصلة التنافس.
عيدان مورج
يديعوت أحرونوت
مؤسسة الدراسات الفلسطينية