فرنسا المتدينة - سامح فوزي - بوابة الشروق
الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 8:39 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

فرنسا المتدينة

نشر فى : الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 - 7:00 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 - 7:05 م

فى زيارة أخيرة إلى فرنسا لاحظت إشارات عديدة للتدين، منها الوجود فى الكنائس المفتوحة، والتى يقبل عليها شباب من الجنسين، وتراجع الكثير من مظاهر التحرر الأخلاقى والاجتماعى، وحرص قطاع من النساء والفتيات على ارتداء الصليب، وجاءت زيارة بابا الفاتيكان، الأسبوع الماضى، لفرنسا لتظهر ذلك التدين العائد إليها.

يقول أحد الشباب، الذى يبلغ من العمر ٢٤ عامًا فى حديث صحفى إبان تلك الزيارة، إنه فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، كانت هناك جهود متزايدة ترمى إلى بناء مجتمع دون الله، مجتمع مختلف عن الله، الواضح أن الشباب اليوم لم يعودوا سعداء بذلك المجتمع، ونظرًا لكونى أحد هؤلاء الشباب، أؤكد أننا عطشى إلى معرفة الله.

حديث الشاب لخص حالة التدين المسيحى الجديدة التى تبزغ فى قلب العلمانية الأوروبية، ولعلنا نتذكر الاحتجاج ضد الإساءة إلى لوحة العشاء الأخير فى افتتاح دورة الألعاب الأولمبية، والذى قاد إلى تظاهرات ومسيرات ترفع شعارات مسيحية.
ويتسم التدين العائد إلى فرنسا بطابع اختيارى وليس وراثيًا، بمعنى أنه يعبر عن اختيارات شخصية حرة، وليس بسبب صدفة الميلاد، وهنا يبدو أن الفردية التى تتسم بها الثقافة الغربية باتت تقود إلى اختيارات التدين التى يقبل عليها الشخص. ولم يكن مفاجئًا أن يشارك ثمانية آلاف شاب وشابة فى صلوات مع البابا لاون، ويحضر نحو ستمائة ألف شخص قداس غطت الحشود فيه شارع الشانزليزيه الشهير، وتشير الإحصاءات إلى تزايد عدد المقبلين على المسيحية فى أوساط الشباب الذين لم تكن لهم صلة بالتدين، حيث استقبل نحو ثلاثة عشر آلاف شخص طقس المعمودية فى الكنيسة الكاثوليكية فى عيد القيامة هذا العام، ويزيد هذا العدد من المعمدين بنحو ٢٨% مقارنة بأعدادهم عام ٢٠٢٥، وخلال عشر سنوات تضاعف عدد المعمدين ثلاث مرات.

بالطبع يصعب التعميم أو الخروج باستنتاجات سريعة عن حالة التدين فى فرنسا بوجه عام، ولكن هناك مؤشرات دون شك تلفت الانتباه إلى وجود مزاج متدين يعود إلى الفرنسيين خاصة الشباب بعد عقود كنا نرى فيها الشباب ينصرف عن التدين، بينما يذهب كبار السن فقط إلى الكنائس.

ويعبر التدين العائد عن ظاهرة اجتماعية لها أسبابها، منها أن الشباب اليوم يبحث عن الثبات فى عالم مضطرب، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، حروب ونزاعات، وضغوط متزايدة، وقد وجد هؤلاء الشباب ملاذًا فى التدين، والابتعاد عن هموم الدنيا، يضاف إلى ذلك أيضًا أن المجتمع المادى الاستهلاكى وصل إلى ذروته، ولم يعد يجلب السعادة للإنسان، بل انزلق فى دروب من الشذوذ والممارسات المناهضة للطبيعة. من هنا قد يكون من أسباب موجة التدين الجديدة تصاعد المخاطر الأخلاقية التى تحيط بالمجتمعات، وكذلك التحديات الاجتماعية والاقتصادية وحاجة الشباب تحديدًا إلى الخلاص منها، وهو ما يمثله بالنسبة لهم مفهوم الخلاص المسيحى.

وقد نحتاج فى المستقبل إلى تتبع ظاهرة المتدينين الشباب لنرى علاقتها بقضايا عديدة منها صعود اليمين الأوروبى المتشدد الذى يعيد التأكيد على أوروبا المسيحية فى مواجهة المهاجرين من أديان وثقافات أخرى، وهناك سيل من التصريحات التى أطلقتها قيادات الأحزاب اليمنية فى هذا الاتجاه، وكما أن بعض المهاجرين واللاجئين جاءوا إلى فرنسا من أديان وثقافات أخرى، فإن جانبًا منهم جاء من مجتمعات كاثوليكية متدينة فى أمريكا اللاتينية وإفريقيا، مما شكل قوة دافعة لروح التدين الجديدة. وأظن أن حريق كاتدرائية نوتردام، وإعادة ترميمها وافتتاحها بالصورة المبهرة التى جاءت عليها له تأثير روحى خاص فى المجتمع الفرنسى.. وأطرح سؤالًا على الباحثين والخبراء الذين درسوا فى جامعات فرنسا، وكثير منهم له صلة وتواصل بالمجتمع الفرنسى حتى الآن: هل نتوقع فى السنوات المقبلة أن تظهر صيغة جديدة من العلمانية هناك؟

سامح فوزي  كاتب وناشط مدني
التعليقات