منذ فترة أراقب المشاعر التى تغلف المساجلات بين المسلمين والمسيحيين خاصة على الفضاء الرقمى، وأراها صاخبة أحيانا، تصل إلى حد التنابز بالعقائد، وأجدها تحمل المودة والفهم المتبادل أحيانا أخرى. تأكدت الأسبوع الماضى بوضوح من تلك الظاهرة. فقد أثير جدل واسع، انتقل إلى ساحة النيابة العامة على إثر تقليد عدد من الشباب والأحداث المسيحيين مشهدًا من أحد الأفلام السينمائية يتعلق بأداء الصلاة، اعتبره قطاع عريض من المسلمين يمس عقيدتهم، وأيًا كانت دوافع هؤلاء الشباب، والتى قد تكون عفوية، إلا أن السلوك ذاته غير مبرر، مثل أى سلوك مشابه يصدر عن شباب مسلم تجاه ممارسة العبادة المسيحية.
فى خضم المساجلات على مواقع التواصل الاجتماعى، التى لم تخل من آراء موضوعية غير متشنجة طرحها مسلمون ومسيحيون على حد سواء إزاء فتنة المشهد التمثيلى للصلاة، كان هناك خبر اهتمت به مواقع إلكترونية وهو إعلان إحدى كنائس المنيا عن بعض التوجيهات بشأن الزواج، تدعو فى مجملها إلى تخفيف الأعباء المالية عن كاهل الشباب، سواء بإلغاء ممارسات ليس لها سند دينى مثل ليلة الحنة، أو بعض العادات البالية، والمظاهر الخارجية فى الأفراح، والاكتفاء بالضروريات، والاحتشام فى الملابس بما يليق بتلك المناسبة. هذا البيان، أصدرته كنيسة، ومن الممكن أن يصدر بيان شبيه عن هيئة دينية إسلامية، أو مؤسسة اجتماعية. وقد لفت انتباهى أن جمهورًا عريضًا من المسلمين استقبل بيان الكنيسة بالترحاب والتأييد، وطلب كثير منهم تبنى تلك الإرشادات على مستوى المجتمع بأسره. لم أجد انتقادًا أو تعليقًا سلبيًا صادرًا عنهم فيما قرأت، لأن ذلك على ما أظن يمثل هما مجتمعيًا للمواطنين جميعًا، مسلمين ومسيحيين، نحو ترشيد الحياة، والتخلص من أنماط التفكير المعوقة، والممارسات الاجتماعية الضاغطة.
الخلاصة سجال واشتباك هنا، واتفاق وتناغم هناك، يحدث ذلك بالتزامن، وعلى نفس الصفحات الإلكترونية. ماذا يعنى ذلك؟ يعنى باختصار أن المشاعر تتحرك حسب الأسئلة المطروحة، فإذا كانت مساجلات، وشقاق، وتلاسن، وتنابز بالعقائد، تستنفر الناس، وتدفعهم إلى المواجهة فى غير محلها، وإذا كانت قضايا تهم كل الناس، وتمس عصب الحياة التى يعيشونها، ويتقاسمون همومها، نجدهم يتحدثون لغة المصلحة المشتركة، والاهتمام الواحد، والتفكير الإيجابى فى المستقبل.
تلك هى المشاعر المتحركة التى أتحدث عنها، وينبغى على المجتمع استثمارها، ليس فى الغضب الدينى الذى يحركه البعض أحيانا عن قصد، ولكن فى بناء نظرة مشتركة، والإفادة من رأس المال الدينى عميق الجذور فى المجتمع فى تطوير نوعية الحياة خاصة فى ظروف يواجه فيها المواطنون جميعا، مسلمون ومسيحيون ضغوطًا معيشية، وتحديات يفرزها واقع اقتصادى صعب، ينبغى أن نفكر فى حلول متغيرة للتعامل معه.
من هنا فإن ترشيد المساجلات الإلكترونية بين المسلمين والمسيحيين على السوشيال ميديا، لن تتحقق بالأمنيات، أو الوعظ والإرشاد، ولكن من خلال استنبات قضايا حياتية مشتركة، وما أكثرها، ينشغل الناس فى التفكير فيها، وابتكار حلول للتعامل معها، ويلقون خلفهم المساجلات العقائدية الحادة التى لا تفيد، بل تشحن النفوس، وتشيع خطابات الكراهية ورفض الآخر المختلف دينيا، فى حين أن القضايا الحياتية تشعر المواطنين جميعا بالهم المشترك، والحياة المشتركة.
ويحضرنى هذا التساؤل: لماذا لا تلتقى المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية على مساعدة الناس على مواجهة تحديات الحياة، ليس فقط بالمساعدات المادية أو الإرشادات الدينية، ولكن أيضا من خلال تمكينهم من التخلص من كثير من ممارسات الحياة الخاطئة التى تراكمت، وتشعبت، وصارت خانقة بالنسبة لهم، مثل المبالغة فى تكاليف الزواج، والاستعراض فى المناسبات الاجتماعية، والعادات الاستهلاكية التى تضغط على نفسية الناس، والتى قد تضطر بعضهم إلى الاستدانة لمجرد السير فى ركاب الآخرين. نحن بحاجة إلى تجديد الحياة الاجتماعية بمنظور إنسانى.