محمد القسوس.. حالة مختلفة - سامح فوزي - بوابة الشروق
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 7:43 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

محمد القسوس.. حالة مختلفة

نشر فى : الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 6:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 6:25 م

منذ أكثر من ثلاثة عقود، بينما كنت أبدأ خطواتى فى دنيا البحث الاجتماعى، التقيت فى عدة مؤتمرات وندوات بالدكتور مصطفى الحمارنة أستاذ العلوم السياسية الأردنى المعروف، رجل مثقف، باحث متمكن، له كتاباته القيمة، لم أشغل بالى بمعتقده الدينى، كنت أظن أنه «مسلم»، طالما أن اسمه «مصطفى»، ولكنى اكتشفت مصادفة أنه مسيحى، ليس هذا فحسب، بل ينحدر من عائلة مسيحية أردنية عريقة، لها أصولها العربية، من مدينة «مادبا»، وقد أنجبت تلك العائلة أكاديميين وسياسيين بارزين.

فى 19 أبريل الماضى صدر قرار رئيس مجلس الوزراء الأردنى رقم (7995) بالموافقة على تعيين الدكتور «مصطفى إبراهيم بطرس الحمارنة» رئيسًا للأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية برتبة وراتب الوزير العامل وامتيازاته. وكان الرجل قد شغل مناصب أكاديمية وعامة مهمة طيلة السنوات الماضية من بينها رئيس مجلس إدارة الإذاعة والتلفزيون، وقد شغل عضوية مجلس النواب الأردنى فى السابق.

وبعد زيارات وحوارات ممتدة مع الأصدقاء الأردنيين اكتشفت أن المسيحيين الذين ينحدرون من عائلات لها جذور عربية، تجد بين أبنائهم أسماء مثل «محمد» و«مصطفى»، و«عمر» وغيرها من الأسماء التى لها السمت الإسلامى الخالص فى المجتمعات العربية، ومبعث ذلك كما فهمت منهم أنهم ينظرون إلى تلك الأسماء ليس بوصفها إسلامية، بل عربية، انتشرت قبل الإسلام فى الجزيرة العربية، والدليل على ذلك أن نبى الإسلام سُمى «محمدًا»، قبل أن يُبعث نبيًا فى الإسلام، وفى تلك المراحل التاريخية كان هناك مسيحيون عرب يعيشون هناك، يحملون أسماء عربية، منهم تجار وشعراء، وبالتالى، فإن العائلات الأردنية التى تعود بجذورها إلى الأصول العربية، لا ترى غضاضة فى أن تطلق على أبنائها أسماء صارت حصريًا للمسلمين فقط.

تذكرت الدكتور مصطفى الحمارنة، والعائلات المسيحية العربية فى الأردن، حين طالعت نعى أحد شهداء مجزرة كنيسة القديس جاورجيوس بالأردن وهو الدكتور محمد القسوس، والده هو الدكتور يوسف عودة القسوس، وكان طبيبًا له دور اجتماعى مشهود له، إلى حد أنه وصف بطبيب الفقراء فى مدينة الزرقاء فى الأردن، آمن بالعروبة، وشارك فى تأسيس الحزب السورى القومى الاجتماعى، وعاش مدافعًا عن القضية الفلسطينية، واعتبرها قضية الضمير العربى، وعندما أنجب طفلًا ذكرًا، كان الثانى فى ترتيب أولاده بعد ابنته الأولى، سماه «محمد»، اعتزازًا منه بهويته العربية. وقد كبر محمد القسوس، وصار هو الآخر طبيبًا، تربى على قيم وسيرة والده، وفى النهاية، قُتل على يد إرهابيين، بدم بارد، بلا سبب سوى أنه ذهب لأداء واجب عزاء.

هل يستحق محمد القسوس، نجل يوسف عودة القسوس، أن يُقتل بهذه الطريقة البشعة، وهو الذى سعى أن يكون باسمه وعمله جسرًا للالتقاء بين المسلمين والمسيحيين، طالما يجمعهم انتماؤهم العروبى. هذه الجريمة هى موقف كاشف، أن هؤلاء الإرهابيين يقتلون المختلفين معهم على الهوية، وقد أعمتهم الكراهية، والحقد، والتعصب الأعمى، ولم يدركوا أن من يقتلونه برصاص غادر هو قريب من المسلمين، يحمل عنوانًا مهمًا للتعايش معهم.

لم أكتب هذا المقال كى أدعو المسيحيين أن يطلقوا على أبنائهم أسماء إسلامية، أو يسمى المسلمون أولادهم بأسماء مسيحية، لأن جوهر التعايش يكون بالمضمون الحقيقى القائم على التسامح، واحترام معتقدات الآخرين، وإعلاء المواطنة المتساوية، وليس بالأسماء أو المسميات، ولكنى قصدت أن أوضح أن رصاص الإرهاب يوجه ضد مواطنين أبرياء ليسوا متعصبين أو جهلاء أو كارهين للآخرين، ولكنهم أوفياء، أهل حوار، جسرًا للالتقاء، ولكن حين تكون الكراهية على الهوية تختفى الفروق، ويصبح المختلفون فى الدين جميعًا من الكفار فى نظر هؤلاء القتلة. تحية للمسلمين الذين عبروا عن وعى حقيقى بأن الإرهاب لا مكان له، لا فرق بين محمد المسيحى، ومحمد المسلم، لأن الرصاص لا يفرق، أما الذين لجأوا إلى التبرير والمماحكات على الفضاء الرقمى، فهم يسيئون إلى أنفسهم قبل غيرهم.

سامح فوزي  كاتب وناشط مدني
التعليقات