يحكى الإعلامى الأمريكى البريطانى مهدى حسن موقفًا طريفًا تعرض له... فى دورة مياه عمومية استوقفه أحد الأشخاص قائلًا: «أنا أعرفك، أنت ذلك الرجل الذى يظهر على ....» ثم مضت لحظات والرجل يحاول أن يتذكر أين رأى هذا الإعلامى من قبل.
كان حسن قد عمل مع العديد من كبرى وسائل الإعلام بما فيها بى بى سى والجارديان وسكاى، كما قدم برامج على شاشة الجزيرة الإنجليزية وقناة MSNBC، لذا فقد توقع أن يكون الرجل قد شاهده على أى منها... لكنه فوجئ بمحدثه يقول: لقد تذكرت، أنت ذلك الرجل الذى يظهر على Zeteo.
ومبعث الدهشة هو أن Zeteo ليست إلا مؤسسة إعلامية صغيرة أطلقها حسن قبل عامين وتبث محتواها عبر المنصات الرقمية، ولا مجال لمقارنة تاريخها أو مواردها بوسائل الإعلام التى عمل فيها حسن من قبل، ومع ذلك يبدو أنها حققت له شهرة أكبر مما حقق خلال 15 عامًا فى الإعلام التقليدى.
....
الأسبوع الماضى أعلنت مذيعة سى إن إن الأبرز كريستيان أمانبور أنها ستترك القناة التى أمضت فيها 43 عامًا، بينما ستستمر فى تقديم البودكاست المستقل الذى بدأته العام الماضى.
أمانبور وجه مألوف لملايين المشاهدين حول العالم منذ التسعينيات عندما لمعت أثناء تغطية حرب الخليج، وقد حاورت العشرات من الزعماء والمشاهير (وربما كان من أشهر لقاءاتها فى مصر ذلك الذى أجرته خلال ثورة 25 يناير مع اللواء عمر سليمان نائب الرئيس فى تلك الأيام)... وهى على الأرجح لا تحتاج إلى شهرة تدفعها لترك سى إن إن والاكتفاء بالبودكاست.
ومع ذلك فهى الحلقة الأحدث فى سلسلة من نجوم الإعلام الذين تركوا خلال السنوات الأخيرة المؤسسات الكبرى التى عملوا بها، واتجهوا نحو أشكال جديدة من الإعلام الرقمى.
من هؤلاء جارى لينيكير نجم الكرة الإنجليزية الذى قدم طوال سنوات على شاشة بى بى سى برنامج Match of the Day وهو البرنامج الرياضى الأشهر فى بريطانيا، قبل أن يغادر القناة العام الماضى ويتفرغ لشركة Goalhanger التى أسسها قبل أعوام وتنتج مجموعة من أنجح برامج البودكاست.
وقبل عامين قرر الإعلامى بيرس مورجان، الذى رأس تحرير بعض كبرى الصحف البريطانية وقدم برامجه على شاشات سى إن إن، وآى تى فى وغيرهما، أن يتوقف عن بث برنامجه Piers Morgan Uncensored تلفزيونيًا ويكتفى ببثه على يوتيوب.
ويقول مورجان إنه عندما أجرى حوارًا مع نجم الكرة كريستيانو رونالدو شاهد 600 ألف شخص الحلقة على التلفزيون، بينما شاهدها على يوتيوب 22 مليون مشاهد!
أمانبور، مثلها مثل مورجان، قد لا تكون بحاجة إلى المزيد من الشهرة، لكن طموح أى شخص يعمل بالإعلام هو أن يصل إلى أكبر قاعدة جماهيرية ممكنة، وواقع الحال هو أن الجمهور أخذ يهجر وسائل الإعلام التقليدية التى أطل عليه من خلالها هؤلاء النجوم على مدى سنوات، فبات عليهم أن يلحقوه إلى موطنه الجديد على شاشات الهواتف.
• • •
لكن ربما يوجد عامل آخر كذلك وراء هجرة النجوم تلك، بخلاف السعى وراء المشاهدات.
فرحيل مهدى حسن عن MSNBC وجارى لينيكر عن BBC تزامن مع توتر فى علاقة الرجلين بمؤسستيهما على وقع مواقف سياسية (فى الحالتين بالمناسبة بشأن مواقف مناهضة لحرب الإبادة الإسرائيلية على غزة).
ولا شك أن الانتقال من خانة الإعلامى العامل بمؤسسة كبيرة (حتى لو كان من نجومها) إلى خانة صاحب العمل (حتى لو كانت مؤسسة صغيرة نسبيًا)، منحهما قدرًا من الاستقلالية لم يكن يتمتعا به سابقًا، سواء بسبب القيود الوظيفية المرتبطة بالانتماء إلى مؤسسات كبيرة، أو بسبب الأجندات التحريرية التى تفرضها تلك المؤسسات.
وفى حالة أمانبور تحديدًا، يمكن أن نتكهن بشيء من ذلك. فقد تم الاستحواذ أوائل الشهر الجارى على شركة Warner Bros Discovery المالكة لسى إن إن، وذلك من قبل شركة Skydance التى استحوذت العام الماضى أيضًا على عملاق الإنتاج السينمائى Paramount وشبكة CBS التلفزيونية.
وقد سمحت إدارة ترامب بصفقات الاستحواذ هذه رغم العديد من الاعتراضات على الوضع الاحتكارى الذى قد ينشأ عنها، ومن المهم الإشارة هنا إلى أن Skydance مملوكة لعائلة إليسون التى تعد من كبار داعمى ترامب (ونتنياهو كذلك)، وهى العائلة التى تملك أيضًا منصة تيك توك فى الولايات المتحدة وشركة البرمجيات العملاقة Oracle.
وسجل العائلة غير مبشر، وقد عبرت أمانبور عن ذلك قبل بضعة شهور عندما قالت إنها تشعر بالقلق مما يجرى فى CBS بعد استحواذ عائلة إليسون عليها.
فقد عين الملاك الجدد بارى وايس رئيسة لقطاع الأخبار، وهى كاتبة محافظة مثيرة للجدل، لم يسبق لها العمل فى الصحافة التلفزيونية.
وحفلت الشهور الماضية بقصص مستمرة عن صراعات بين وايس ومن عينتهم من قيادات تحريرية جديدة من جهة، وبين كبار الصحفيين والمراسلين فى CBS من جهة أخرى، على وقع إملاءات تحريرية مثيرة للسخط (آخرها حذف جملة من تقرير بمناسبة ذكرى هجمات السابع من أكتوبر، تجرأت فيها الصحفية على ذكر أن الحرب التى شنتها إسرائيل بعد تلك الهجمات أودت بحياة 74 ألف فلسطينى!).
• • •
فى نفس المناسبة التى يحكى فيها مهدى حسن عن الرجل الذى تعرف عليه فى دورة المياه، يتحدث بفخر عن نجاح Zeteo خلال عامين من إنشائها فى النمو بشكل مطرد، معتمدة بشكل شبه تام على اشتراكات الجمهور. يقول حسن: «كرئيس للتحرير لست قلقًا من أن أتلقى رسالة فى الثانية صباحًا من مالك ملياردير يشكو من تغطية صحفية [قمنا بها.. أو] من معلن يقرر سحب إعلاناته لأنه مستاء من شىء [كتبناه]».
بطبيعة الحال لم يكن لحسن أن ينعم بهذه الاستقلالية لولا نجاح Zeteo تجاريًا وليس صحفيًا فحسب، وهو أمر ليس سهلًا ولم يتأت لكل من سعى إليه.
ولكن الاحتمال يبقى قائمًا... ومعه يبقى بريق الإعلام الرقمى الجديد جذابًا لنجوم مثل أمانبور وغيرها، يتوقون للوصول إلى جمهور أعرض ولاستقلالية أكبر.