فى حديثه مع الصحفى الأمريكى البارز عزرا كلاين، الأسبوع الماضى، عارض بشدة جنسن هوانج، مؤسس ورئيس شركة إنفيديا، الدعوات لفرض قيود على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى، وهى الدعوات التى زادت حدتها مؤخرًا مع ارتفاع المخاوف من انفلات عيار هذه التكنولوجيا وخروجها عن سيطرة البشر.
وحوار هوانج مع كلاين يستحق التوقف عنده، ليس فقط لأن إنفيديا هى التى تصمم الرقائق والبنية التحتية التى ترتكز عليها ثورة الذكاء الاصطناعى، ولا فقط لأن الرجل يتمتع بحظوة لدى إدارة ترامب، ومكانة مرموقة بين عمالقة التكنولوجيا والأعمال، ولكن كذلك لأن ما يقوله هوانج يعكس رؤية أوسع لدى بعض عمالقة التكنولوجيا لعلاقتهم بالمجتمع والدولة.
حجة هوانج الرئيسية هى أن الشركات المطورة للذكاء الاصطناعى قادرة على ضبط نفسها بنفسها، وأنها لن تغامر بإطلاق منتج غير آمن لأن فى ذلك إضرار مباشر بسمعتها ومصالحها التجارية.
لكن هذا المنطق يتجاهل أولًا أن المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعى لا تقتصر بالضرورة على المنتجات التى تطرحها الشركات فى الأسواق، بل قد تنشأ أيضًا خلال مراحل البحث والتطوير نفسها، كما أظهرت واقعة شركة Hugging Face.
والأهم أن حجة هوانج تفترض ضمنيًا أن مصالح الشركات تتطابق دائمًا مع المصلحة العامة، فى حين أن كثيرًا من مخاطر الذكاء الاصطناعى قد تقع على المجتمع من دون أن تتحمل الشركات المطورة أى عواقب مباشرة، سواء تعلق الأمر بتأثيره المحتمل على الوظائف وسوق العمل أو الأمن القومى أو التعليم. والتاريخ حافل، فى كل الأحوال، بشركات حققت أرباحًا طائلة من سلع وخدمات ثبت أن لها أضرارًا واسعة على الأفراد والمجتمعات، من السجائر والمشروبات الغازية، بل وحتى منصات التواصل الاجتماعى فى بعض الجوانب.
منطق هوانج بالتأكيد مرتبط برغبته فى الحفاظ على مصالحه، فأى تباطؤ فى قطاع الذكاء الاصطناعى من المحتم أن يؤثر سلبًا على «إنفيديا».
لكن بخلاف هذه المصلحة المباشرة، تقف خلف هذا المنطق أيضًا رؤية عمالقة التكنولوجيا لأنفسهم ولدورهم فى المجتمع.
فى حواره مع كلاين يقول هوانج:
«نحن ندفع عجلة التقدم فى كل مناحى التكنولوجيا وهناك الكثير من الصعوبات، ولكن هذه ليست مشكلة المجتمع، بل هى مشكلتى أنا. أما ما ينبغى أن يعرفه المجتمع فهو الآتى: نحن ماضون فى بناء شركتنا وتطوير تكنولوجيتنا، وسأواصل أداء عملى بتفانٍ وجدية بالغة، بحيث يكون ما يجنيه المجتمع ويستمتع به هو «تفاؤلى». وهذا هو النهج ذاته الذى أتبعه مع أطفالى ومع عائلتى».
يجلس هوانج خلال الحوار مرتديًا سترته الجلدية المميزة التى تمنحه إطلالة متبسطة غير متكلفة - مثله فى ذلك مثل مارك زوكربرج وإيلون ماسك وغيرهم من عمالقة التكنولوجيا.
ولكن هذا التبسط لا يمكنه أن يخفى التعالى الفج الذى تحمله عبارة هوانج.. فالمجتمع فى نظره قاصر كالأطفال، عليه أن يسلم ركابه إلى قيادات شركات التكنولوجيا واثقًا من أنهم يعملون بتفانٍ وجدية، وما عليه إلا أن يستمتع بثمرة جهودهم.. متناسيًا بعض السموم التى حملتها تلك الثمار على مدى العقدين الماضيين أو السموم الأخطر التى تلوح فى الأفق.
وربما ليس غريبًا أن يتولد هذا الشعور بالاستحقاق لدى رجل أسس بنفسه شركة بلغت قيمتها السوقية حوالى 5.5 تريليون دولار، أى أنها أكبر من حجم كامل اقتصاد ألمانيا (وهى ثالث أكبر دولة اقتصاديًا فى العالم) وتبلغ نحو 15 أمثال الاقتصاد المصرى، ويعلم جيدًا أن منتجاتها لا غنى للعالم عنها، وأنه هو وأقرانه هم من يقفون وراء الابتكارات التى غيرت حياة البشر بشكل متسارع فى العقدين الماضيين.
«بروفايل» هوانج لا يختلف كثيرًا عن باقى قيادات شركات التكنولوجيا العملاقة، ولا عجب فى أن يخالج الكثير منهم اعتقاد بأنهم الأقدر والأجدر على قيادة البشر نحو مستقبل أفضل.. كيف لا وهم الأذكى والأنجح والأغنى فى العالم؟
لكن ربما لحسن الطالع فإن هوانج فيما يخص تحديدًا مسألة التقليل من مخاطر الذكاء الاصطناعى يقف موقف الأقلية (ومعه زوكربرج)، بينما عبر الكثير من قيادات هذه التكنولوجيا عن قلقهم من مخاطرها المحتملة ودعوا إلى قدر من الرقابة عليها- ربما فى محاولة لتخفيف مسئوليتهم عما قد ينجم عنها.
هذه الدعوة لرقابة مجتمعية أكبر تكتسب زخما سياسيا هذه الأيام، وقد بدا ذلك واضحًا مثلًا خلال اجتماعات الأمم المتحدة، الأسبوع الماضى، ناهيك عن أن ملف الذكاء الاصطناعى صار يتصدر اهتمام وسائل الإعلام وتصريحات الكثير من رجال السياسة.
وقد يكون هذا أمرًا مبشرًا، ولكن الأسئلة الأصعب هى تلك التى تتعلق بطبيعة الرقابة المنشودة، ومن هو المجتمع الذى سيراقب.
لدينا أسوة سيئة فى التشريعات التى صدرت فى الولايات المتحدة فى التسعينيات مع بزوغ فجر الانترنت، وخوف المشرعين الأمريكيين من تقييد الانتعاش الاقتصادى الذى صاحبها، فتركوا الحبل على غارب إلى حد بعيد لمقدمى الخدمات لكى يراقبوا أنفسهم رقابة ذاتية، أفضت فى النهاية إلى الكثير من مساوئ وسائل التواصل الاجتماعى التى نعانى منها حاليًا.
ومن الوارد جدًا أن يتكرر الأمر الآن بتشريعات تمنح الأولوية لمصالح شركات الذكاء الاصطناعى، بسبب نفس الاعتبارات الاقتصادية، مدعومة هذه المرة بـ«لوبى» تلك الشركات الذى صار مجموعة الضغط الأكثر تمويلًا فى واشنطن.
ناهيك بطبيعة الحال عن كل الاعتبارات الجيوسياسية والاقتصادية والثقافية المتعلقة بانفراد دولة واحدة - أو دولتين إذا أضفنا الصين للمعادلة - بالسيطرة على تكنولوجيا تتحول سريعًا إلى واحد من أهم مصادر القوة فى العالم، ولا تكاد تترك مجالًا من مجالات الحياة إلا وتؤثر عليه.
فى النهاية، من المرجح أننا نتجه - رغم اعتراضات السيد هوانج - إلى قدر ما من الرقابة على الذكاء الاصطناعى، لكن الصراع الحقيقى سيكون حول حدود هذه الرقابة ولصالح من تتم.