ربما لم يستوعب فريق قناة NBC ما يحدث إلا بعد فوات الأوان، فالأمر كله لم يستغرق إلا 15 ثانية.
سيارة فضية اللون تعود مسرعة إلى الخلف باتجاههم ويقفز منها فجأة شبان ملثمون يحملون عصى غليظة فيهاجمون الطاقم الصحفى وسيارة أخرى إلى جوارهم.
السبب؟
فريق NBC كان بصدد إجراء مقابلة مع سيدة فلسطينية أجبرها المستوطنون على ترك منزلها، وبالطبع لم يلقَ الأمر ترحابًا كبيرًا من المستوطنين فعبروا عن ضيقهم بهذا النقد البناء.
الحادثة التى وقعت يوم السبت عند بلدة جلود بالقرب من نابلس أسفرت عن إصابة السيدة الفلسطينية وطاقم NBC، وهى بمقاييس ما يحدث فى الضفة الغربية ليست إلا مناوشة عادية، فالإصابات معظمها ليس خطيرًا ولم يفقد أحد حياته ــ على عكس 76 فلسطينيا على الأقل لقوا حتفهم خلال العام الجارى على يد المستوطنين أو الجنود الإسرائيليين فى الضفة الغربية وفقا للأمم المتحدة.
ومع ذلك فقد خرج بنيامين نتنياهو مساء ذلك اليوم «يندد بشدة» ــ على حد تعبيره ــ بـ«أعمال العنف الإجرامية» التى وقعت فى جلود وفى قرية قصرة التى شهدت فى نفس اليوم هجومًا لعشرات المستوطنين على منزل فلسطينى نال اهتمامًا من وسائل الإعلام الدولية كونه يحمل أيضا الجنسية الأمريكية.
وليس من عادات السيد نتنياهو أن يندد بشدة أو بدون شدة بهجمات المستوطنين، فهؤلاء هم أحد الأعمدة الرئيسية لحكومته، وخلال الشهور الماضية تحديدًا شنوا مئات الهجمات على فلسطينيى الضفة، وطردوا نحو أربعة آلاف فلسطينى من بيوتهم، فى حماية كاملة من قوات الاحتلال.
فما الذى دفعه لهذا الموقف غير المألوف؟
•••
على مدى ما يقرب الآن من ثلاثة أعوام منعت إسرائيل الصحافة الأجنبية بالكامل من دخول غزة بشكل مستقل، وسمحت فقط لبعض المراسلين بمرافقة جنود جيش الاحتلال فى القطاع.
كان هذا قرارًا لا يخلو من مخاطرة.. فمنع الإعلام الدولى قد يثير سخطه، ويجلب للدولة العبرية التى تقدم نفسها كواحة الديمقراطية فى المنطقة اتهامات بالرقابة والتضييق على حرية الصحافة، كما أن أثره قد يكون محدودًا فى ظل إمكانية الوصول للمعلومات والمواد المصورة من خلال المصادر الفلسطينية المحلية.
ومع ذلك أصرت السلطات الإسرائيلية على المضى قدما فى هذا القرار، وفى الحقيقة يبدو أن رهانها كان ناجحا.
فرغم حرمان الصحافة الدولية من تغطية أحد أهم أحداث القرن الحادى والعشرين طوال نحو ثلاث سنوات، جاءت احتجاجاتها خافتة ومترددة.
فعلى سبيل المثال، حاولت منظمة «مراسلون بلا حدود» تنظيم يوم عالمى فى 1 سبتمبر 2025 للاحتجاج على قتل الصحفيين الفلسطينيين ومنع الصحفيين الأجانب من دخول غزة، فدعت القنوات لقطع بثها المعتاد والصحف لتسويد صفحتها الأولى فى ذلك اليوم.. إلا أن كبرى الصحف والقنوات الغربية لم تستجب لتلك الدعوة.
كما لم تستجب وسائل الإعلام تلك للمناشدات الداعية إلى مقاطعة أنشطة الحكومة الإسرائيلية حتى تسمح للصحفيين بدخول القطاع، ولا للدعوات المطالبة بأن يتضمن كل تقرير تبثه عن غزة إشارة إلى منعها من الدخول والقيام بمهمتها.. تماما كما تضمن BBC على سبيل المثال فى كل تقرير يذكر أعداد الضحايا الفلسطينيين، العبارة التى تفيد بأن مصدر هذه الأعداد هو «وزارة الصحة التى تخضع لسيطرة حماس»، فى تشكيك مخل بأعداد القتلى والمصابين رغم تأكيد جهات دولية محايدة أن الأرقام المعلنة أقل من الأرقام الحقيقية بسبب صعوبة الحصر!
فى المحصلة لم يؤد منع إسرائيل للصحافة الدولية من دخول غزة إلى رد فعل عنيف من قبل وسائل الإعلام، ومن ناحية أخرى كان هذا المنع مفيدا لتل أبيب.
صحيح أن أخبار وصور الإبادة وجدت طريقها فى النهاية إلى الشاشات والصحف، ولكن غياب المراسلين الأجانب كان له أثر ملموس، بل ربما لا يكون من المبالغة القول بأنه كان من بين العوامل التى مكنت إسرائيل من الاستمرار فى المقتلة طوال هذا الوقت.
فمهما أخلص الصحفى لمهمته يبقى هناك اختلاف هائل بين تقرير لصحفى يجلس فى غرفة أخبار مكيفة ويتلقى مادته على جهاز الكمبيوتر أمامه ثم ينصرف بعد ذلك إلى بيته، وبين تقرير آخر يعده صحفى ميدانى يعيش ويرى ما يجرى من حوله رؤى العين، فيتعرض بجسده للأهوال التى يواجهها أبطال قصته، ويشم بأنفه رائحة القتل والدمار، ويسمع بأذنه صراخ الضحايا ودوى الانفجارات.
الاختلاف فى الدفقة العاطفية بين الحالتين قد يمثل الفارق بين تقرير يشعر من يشاهده بالاستياء فحسب، أو بأن هذا الوضع لا يجب السكوت عليه، وإذا كان المراسل الميدانى من كبار نجوم الإعلام الغربى الذين يتمتعون بمكانة داخل دوائر صنع القرار والتأثير على الرأى العام فى بلادهم، فإن حكومات تلك الدول ربما كانت ستتصرف بشكل أقل صلفًا مبكرًا.
• • •
أواخر مارس الماضى بثت CNN تقريرا (هو بالمناسبة من أفضل التقارير التى شاهدتها مؤخرا من الضفة الغربية) لمراسلها جيريمى دايموند يتعرض فيه هو وفريقه لاعتداء من بعض الجنود الإسرائيليين خلال تغطيتهم لنشاط المستوطنين فى الضفة.
لم يتعرض دايموند أو فريقه لإصابة جدية خلال الاعتداء، وتم إطلاق سراحهم بعد التحفظ عليهم بعض الوقت فى موقع الحدث.
بعد 48 ساعة من بث التقرير على القناة، قام الجيش الإسرائيلى بتعليق جميع الأنشطة العملياتية للكتيبة التى تعرضت لفريق CNN وقام بتسريح أحد جنودها.
• • •
فى يناير 2024 لقيت هند رجب ذات الخمسة أعوام حتفها بعد أن بقيت عالقة لساعات داخل سيارة يطلق الجنود الإسرائيليون النار عليها بينما كانت تستغيث على الهاتف بالهلال الأحمر.
فى أغسطس 2026 (بعد عامين ونصف) أعلن الجيش الإسرائيلى أنه «سيفتح تحقيقا» فى الأمر.
• • •
غياب الصحافة الدولية يجعل التنكيل بالفلسطينيين أمرًا سهلًا ومأمون العواقب، أما حضورها فلا يمنع الاعتداء عليهم، ولكنه على الأقل يجعل له بعض التكلفة.
فوجود صحفيين أجانب فى الضفة الغربية جعلهم هم أنفسهم ــ وبشكل متزايد مؤخرا ــ عرضة لبعض المخاطر التى يعيشها الفلسطينيون، فقد هاجمت مجموعة من المستوطنين جيريمى دايموند وفريقه مرة أخرى الشهر الماضى (وتم إلقاء القبض على المهاجمين)، كما تعرض فريق وكالة الأنباء الفرنسية لاعتداء من المستوطنين بالقرب من بيت لحم قبل نحو أسبوع.
هذا الاقتراب الإعلامى من المعاناة الفلسطينية فى الضفة ربما كان من أسباب اتخاذ بعض المسئولين الأمريكيين مواقف أكثر حزمًا، فعلى سبيل المثال استخدم السفير الأمريكى فى إسرائيل مايك هاكبى ــ وهو المعروف بتأييده المفرط للدولة العبرية ــ تعبير «الإرهابيين» فى وصف بعض مجموعات المستوطنين مؤخرا، وهو تعبير لطالما اقتصر المسئولون الأمريكيون فى استخدامه لوصف الفلسطينيين.
فى هذا السياق يمكننا أن نفهم موقف نتنياهو يوم السبت الماضى بعد اعتداءات جلود وقصرة.
فالرجل يدرك المخاطر التى تواجه صورة حكومته ومستقبلها كلما حدث تماس مباشر بين أتباعها من المستوطنين وبين الصحافة الأجنبية، وأنه كلما اقتربت منهم دائرة الضوء الإعلامى، تكشفت أوجه القبح فى المجتمع الإسرائيلى أكثر فأكثر.