محضر سري قبل التأميم بأربعة أشهر... عندما قررت لندن معاقبة عبد الناصر - خالد عز العرب - بوابة الشروق
الأربعاء 29 يوليه 2026 11:51 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

محضر سري قبل التأميم بأربعة أشهر... عندما قررت لندن معاقبة عبد الناصر

نشر فى : الأربعاء 29 يوليه 2026 - 10:45 م | آخر تحديث : الأربعاء 29 يوليه 2026 - 10:45 م

الأربعاء 21 مارس 1956... في تمام الحادية عشر والنصف صباحا يتخذ الوزراء مقاعدهم حول طاولة الاجتماعات في 10 داوننج ستريت (مقر رئيس الوزراء البريطاني) ليبدأوا اجتماعهم برئاسة انتوني إيدن.
على أجندة الاجتماع بنود متعددة... فعاليات الأسبوع في مجلس العموم، معرض الصناعات البريطانية المقرر إقامته الشهر المقبل، بيانات التضخم... إلخ.
سيضم محضر الاجتماع الرسمي مجمل نقاشاتهم حول هذه البنود... إلا بندا واحدا بعنوان "الشرق الأوسط" سيسجل في ملحق سري، لن يتم الإفراج عنه إلا لاحقا.
وتكشف قراءة هذا البند في وثائق الأرشيف الوطني البريطاني، أن هذا الاجتماع كان مفصليا في تحديد مسار الأحداث التي أدت بعد شهور إلى تأميم قناة السويس، المناسبة التي نحتفل اليوم بذكراها السبعين.
فخلال الاجتماع تم الاتفاق على "إعادة توجيه" السياسة البريطانية في الشرق الأوسط، بحسب نص المحضر، وتم وضع الملامح الرئيسية لتلك السياسة الجديدة.
كان هذا هو الاجتماع الأول منذ عودة وزير الخارجية سيلوين لويد من جولة خارجية شملت مصر والتقى خلالها جمال عبد الناصر، ووصل – بتأييد وربما إلحاح من إيدن – إلى نتيجة مفادها أنه "أصبح من الواضح الآن أنه لا يمكننا إقامة علاقة صداقة مع مصر".
وبناء على ذلك يطرح وزير الخارجية مجموعة من الإجراءات التي يقترح أن تتخذها الحكومة للتصدي لمصر.
تشمل هذه الإجراءات دراسة تجميد الأرصدة المصرية بالجنيه الإسترليني، وكذلك السعي لدى الولايات المتحدة للضغط على مصر اقتصاديا عن طريق تقليل المساعدات الأميركية ووقف تمويل السد العالي، وهو ما تحقق كما هو معلوم بعد أربعة أشهر في 19 يوليو وكان السبب المباشر في تأميم القناة بعد ذلك بسبعة أيام.
كما تشمل الإجراءات المقترحة عزل القاهرة عن حلفائها في المنطقة وأبرزهم آنذاك الرياض ودمشق، فيقترح وزير الخارجية البريطاني "فصل السعودية عن مصر من خلال توضيح طبيعة طموحات ناصر للملك سعود"، التعبير الديبلوماسي لوصف إحداث وقيعة بين الزعيمين، وهو ما تكلل بالنجاح فعلا وإن استغرق الأمر حتى العام التالي.
أما دمشق، فسيكون مسارها أكثر خشونة حسب نص الاجتماع، إذ سيتم "السعي إلى إقامة حكومة أكثر وداً للغرب" – أو بمعنى آخر أكثر دقة: تدبير انقلاب للإطاحة بالحكومة السورية والإتيان بحكومة موالية، وهو ما تمت ترجمته خلال الشهور التالية من خلال العملية "ستراجل" STRAGGLE التي تعاون فيها جهازا المخابرات الخارجية البريطانية MI6 والأمريكية CIA مع عملائهما في سوريا والعراق لتنفيذ انقلاب عسكري في دمشق، وقد كانت هذه العملية قوب قوسين من النجاح قبل أن تكتشفها أجهزة الأمن السورية.
ومن الأمور ذات الدلالة في محضر اجتماع مجلس الوزراء البريطاني، تكليف وزير الخارجية بأن يبحث مع واشنطن إمكانية إمداد إسرائيل بطائرات مقاتلة جديدة إذ "قد يؤدي تعزيز القوة العسكرية الإسرائيلية في وقت مبكر إلى ردع تهديدات مصر العدوانية".
هذه النقطة لافتة إذ أن الحديث هنا ليس عن تسليح إسرائيل "للدفاع عن نفسها" كما جرت العادة في تبرير الدعم الغربي للدولة العبرية، وإنما يأتي هذا الحديث في سياق خلاف بين بريطانيا ومصر، أي أنه بمثابة إقرار صريح بالدور المنوط بتل أبيب كحارس لمصالح المستعمر القديم – وهو على أية حال دور تتحمس له إسرائيل أيما حماس كما سيتضح من مشاركتها في العدوان الثلاثي بعد شهور.
على كل حال، إذا كان هذا هو الاجتماع الذي رسمت فيه السياسة التي أدت في نهاية المطاف لأزمة السويس، فمن المفيد البحث في طياته عن الأسباب التي أدت إلى رسم هذه السياسة الجديدة.
فما الذي دفع بريطانيا لهذه الرغبة الشديدة في معاقبة مصر؟
بحسب محضر الاجتماع فإنه "تبين من نقاش وزير الخارجية مع الكولونيل ناصر أنه غير مستعد للعمل مع القوى الغربية أو التعاون في مهمة إحلال السلام في الشرق الأوسط. من الواضح أنه يسعى لزعامة العالم العربي، وأنه من أجل ذلك مستعد لقبول مساعدة الروس، وأنه غير مستعد للعمل على تسوية الصراع العربي مع إسرائيل. وعلى الرغم من المحادثات في القاهرة، فإن الدعاية المصرية ضد المواقف البريطانية في الشرق الأوسط لم تهدأ".
حسنا... بالنسبة للتسوية مع إسرائيل، فقد كان عبد الناصر قد قبل من حيث المبدأ المساعي الأميركية والبريطانية خلال الشهور السابقة للوصول إلى صيغة تفاهم مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن جوريون، ولكن المفاوضات فشلت في نهاية المطاف نتيجة رفض كلا الرجلين شروط الآخر.
وأما عن قبول مصر لمساعدة الروس، فهي إشارة لصفقة الأسلحة التشيكية قبل أشهر. وناهيك عن أنه من حق أي دولة ذات سيادة أن تشتري سلاحها من حيث تشتهي، فإن تلك الصفقة لم تأت إلا نتيجة رفض الدول الغربية طلبات التسليح المصرية بعد الهجوم الإسرائيلي الواسع على الجيش المصري في غزة والذي أودى بحياة ثمانية وثلاثين جنديا.
في حقيقة الأمر لم يكن النظام الجديد الذي تولى مقاليد السلطة في مصر بعد 23 يوليو يتصرف مع البريطانيين بشكل غير رشيد... لقد دخل معهم في مفاوضات جادة انتهت إلى عقد اتفاقية الجلاء، واحترم التزاماته بشأن حق تقرير المصير في السودان، وحافظ على سلامة ومصالح الجاليات الأجنبية المقيمة في مصر (لم تبدأ عمليات التمصير والتأميم إلا بعد العدوان الثلاثي).
أما الدعاية المصرية العدائية تجاه بريطانيا فلا شك أنها كانت حاضرة، وربما يعود ذلك في جزء منه إلى سعي عبد الناصر لتوطيد أركان حكمه الجديد بخطاب شعبوي، ولكن كذلك لا يمكن فصل الأمر عن مشاعر سخط حقيقية (على المستوى الشخصي لعبد الناصر وعلى المستوى الشعبي في مصر والعالم العربي) تجاه الاستعمار الممتد منذ عقود.
وإذا كانت وسائل الإعلام المصرية تهاجم السياسة البريطانية في المنطقة، فالعكس أيضا صحيح. وسائل الإعلام البريطانية لم تكن تألو جهدا في الهجوم على عبد الناصر، ومنها ما كان ستارا لجهاز المخابرات MI6 ويعمل مباشرة تحت أمرته مثل إذاعة الشرق الأدنى ووكالة الأنباء العربية.
هل كان بإمكان عبد الناصر أن يخفف من دعايته ضد بريطانيا؟ وهل كان من شأن ذلك أن يمنع تحول السياسة البريطانية في ربيع 1956 إلى السعي جديا لمعاقبته وصولا إلى العدوان الثلاثي؟
ربما... في التاريخ الافتراضي ما لا يمكن حصره من سيناريوهات محتملة.
ولكن الأرجح أن دعاية عبد الناصر في حد ذاتها لم تكن هي المشكلة الرئيسية... مربط الفرس هو ارتباط تلك الدعاية بعبارة أخرى واردة في محضر الاجتماع: "أنه يسعى لزعامة العالم العربي".
من المفهوم ضمنا أن هذا السعي ليس كسعي رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد مثلا لدور قيادي في المنطقة تحت مظلة النفوذ البريطاني... مشكلة الحكومة البريطانية في ذلك الوقت مع عبد الناصر هي أنه يسعى لدور قيادي لا يؤدي فروض الولاء والطاعة للغرب، فيتصدى لحلف بغداد، ويرفض استمرار القوات البريطانية في عدن والخليج، ويتجرأ على شراء سلاح من السوفيت.
باختصار، لم تكن مشكلة بريطانيا مع مصر في مارس 1956 أن القاهرة أعلنت الحرب عليها، ولا أنها صادرت مصالحها، ولا أنها أغلقت باب التفاهم معها. المشكلة الحقيقية، كما توحي وثائق الاجتماع، كانت أن مصر أرادت أن تتصرف كدولة مستقلة في منطقة اعتادت لندن النظر إليها باعتبارها تابعة لها.
ولعل هذا هو الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في وثيقة مارس 1956. فهي لا تكشف فقط عن جذور أزمة السويس، بل تكشف أيضاً عن المنطق الحاكم لسلوك حكومات القوى الكبرى، فهي مستعدة للتسامح مع الطموحات الإقليمية ما دامت تعمل داخل النظام الذي رسمته هي، لكنها تصبح أقل تسامحاً حين يقترن ذلك الطموح بإرادة مستقلة ورغبة في انتزاع حق القرار السيادي بعيداً عن وصايتها. ولذلك لا تبدو أزمة السويس، بعد سبعين عاماً، مجرد حادثة تاريخية، وإنما أشبه بفصل مبكر من قصة ما زال العالم يشهد فصولاً جديدة منها حتى اليوم.

خالد عز العرب أستاذ مساعد ممارس بقسم الصحافة والإعلام ومدير برنامج دراسات الشرق الأوسط في الجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات