لسنوات طويلة ونحن نردد أن الخديوى إسماعيل أراد أن يجعل القاهرة الخديوية نسخة من باريس، وأنه حين ذهب إلى العاصمة الفرنسية أعجب بما فعله هوسمان، فعاد ليصنع «باريس الشرق».
تبدو الحكاية بسيطة ومقنعة، خصوصًا إذا نظرنا إلى الشوارع الواسعة والميادين والحدائق والمبانى التى ظهرت فى القاهرة فى عهده.
لكن كلما اقتربنا من تفاصيل ما حدث، تبدو الحكاية مختلفة.

خلال عملى على مشروع عن القاهرة والعمارة وعلاقتها بباريس، بدأت أسأل نفسى سؤالًا آخر: لماذا تظل أبحاثنا حول كيف قلد إسماعيل باريس؟ لماذا لا نسأل ما الفكرة التى أراد إسماعيل أن يستلهم منها؟
قبل أن نصل إلى القاهرة، علينا أن نعرف من هو هوسمان الذى لقبت باريس باسمه لفترة من الزمن (جورج - أوجين هوسمان) هو مسئول فرنسى كُلّف بإعادة تشكيل باريس فى عهد نابليون الثالث وفى عام 1853م بدأ مشروعًا ضخمًا غيّر شكل العاصمة تماما، شوارع واسعة بدلًا من الأزقة الضيقة، ميادين جديدة، حدائق، مياه وصرف صحى، وتنظيم لمرور افضل لحركة السير.
ولم يكن الأمر مجرد تجميل للمدينة، الشوارع الجديدة غيرت حركة السكان وقيمة الأراضى، وفتحت مناطق جديدة للبناء والاستثمار.
وفى عام 1867م، أثناء زيارة إسماعيل باريس لحضور المعرض العالمى، التقى بهوسمان وشاهد أعمال إعادة تشكيل العاصمة الفرنسية ثم استعان بخبرات فرنسية فى مشروع تحديث القاهرة.

لكن هل أخذ إسماعيل باريس ووضعها فى القاهرة؟
عندما ننظر إلى الخريطة نجد شيئًا مهمًا. هوسمان كان يعمل داخل باريس القائمة بالفعل، ويفتح شوارع جديدة فى أحيائها القديمة، أما إسماعيل فاتجه جزء كبير من مشروعه إلى الأراضى والبساتين الواقعة غرب القاهرة التاريخية، وأراد أن يوسع المدينة ويصنع لها مركزًا جديدًا.
ظهرت منطقة الإسماعيلية، وتطورت مناطق عابدين والأزبكية والتوفيقية والفجالة، وامتد العمران غربًا، مع تطوير الطرق والجسور وشبكات المياه والصرف.
أى أن إسماعيل لم يكن يهدم القاهرة القديمة ليضع مكانها باريس بل كان يضيف إليها قاهرة أخرى.
فالقاهرة القديمة ظلت موجودة بحاراتها وأسواقها ومساجدها وبيوتها وحرفها. وفى الوقت نفسه بدأت تظهر مدينة جديدة لها شوارع وميادين ومبانٍ وأماكن للحياة العامة بشكل مختلف.
ومع المدينة الجديدة جاء سكان وأنماط حياة جديدة.

ظهرت مبانٍ حديثة، وفنادق، ومقاهٍ، ومسارح، ومحال، وحدائق. تغيرت طريقة قضاء الناس لوقتهم، وطريقة انتقالهم، وحتى نظرتهم إلى المدينة نفسها. لم يعد الشارع مجرد طريق يصل بين مكانين، وأصبحت الحديقة والميدان والمسرح والمقهى أماكن للحياة الاجتماعية.
وفى الدراسة العامة للمؤرخ الفرنسى جان-لوك أرنو فى كتابه «Le Caire, mise en place d’une ville moderne, 1867-1907: Des intérêts du prince aux sociétés privées، القاهرة: تشكّل مدينة حديثة، 1867-1907: من مصالح الأمير إلى الشركات الخاصة» ــ يوضح أرنو كيف تشكلت القاهرة الحديثة ومن شارك فى بنائها وتمويلها. واللافت فى عنوان الكتاب عبارة «من مصالح الأمير إلى الشركات الخاصة». فالقاهرة الجديدة بدأت مرتبطة بمشروع إسماعيل، ثم أصبحت الأرض والعقارات والاستثمار جزءًا من حركة أوسع، دخلت فيها شركات وأصحاب مصالح ومستثمرون. أى أن القاهرة الجديدة لم يصنعها الخديوى وحده. كان هناك مجتمع جديد يتشكل حولها.
والتغيير لم يكن فى الحجر فقط. تغيرت أنماط السكن والعمل والتعليم وقضاء الوقت. بدأت فئات من المجتمع تتعامل مع المدينة بطريقة مختلفة، وتظهر أمامها فرص جديدة ومن العلامات المهمة على ذلك تعليم الفتيات. شهد عهد إسماعيل توسعًا فى التعليم الحديث للبنات، ومن أبرز الخطوات إنشاء مدرسة السيوفية للبنات سنة 1873، ثم مدرسة السنية.
قد يبدو هذا بعيدًا عن قصة الشوارع والمبانى، لكنه فى الحقيقة جزء منها. فالمدينة الحديثة لم تكن تحتاج إلى مبان جديدة فقط، وإنما إلى مجتمع يتغير معها. المدرسة تفتح بابًا جديدًا أمام الفتاة، والمسرح يفتح مجالًا جديدًا للحياة العامة، والشارع الواسع يغير طريقة الحركة، والمبنى الجديد يقدم أسلوبًا مختلفًا للسكن. وهكذا أصبح التغيير الذى بدأ فى العمران جزءًا من تغيير أكبر فى المجتمع.
وهذا ما يجعل مجموعة أعمال مرسيدس فوليه مؤرخة الفن والعمارة الفرنسية ومتخصصة فى تاريخ العمارة والفنون فى مصر فى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مهمة جدا لفهم هذه الفترة
ففى كتابها Architectes et architectures de l’Égypte moderne, 1830-1950: Genèse et essor d’une expertise locale، معماريو وعمارة مصر الحديثة، 1830-1950: نشأة وتطور خبرة محلية، تتابع فوليه تطور العمارة الحديثة فى مصر، وتوضح أن ما ظهر لم يكن مجرد طراز فرنسى نُقل كما هو وإنما بمشاركة معماريين ومهندسين من خلفيات مختلفة فى بناء المدن المصرية الحديثة.

وفى Le Caire-Alexandrie: Architectures européennes, 1850-1950، القاهرة - الإسكندرية: العمارة الأوروبية، 1850-1950، تظهر تعددية التأثيرات الأوروبية فى المدن المصرية الحديثة وليست العمارة الفرنسية فقط تمتزج الطرز والفنون فى مبنى واحد. والأهم أن التأثير لم يكن يسير فى اتجاه واحد. وفى كتابها بعنوان Fous du Caire: Excentriques, architectes et amateurs d’art en Égypte, 1863-1914، مفتونو القاهرة: غريبو الأطوار والمعماريون وهواة الفن فى مصر، 1863-1914، نرى أوروبيين جاءوا إلى القاهرة وانشغلوا بالمدينة القديمة وعمارتها وفنونها الإسلامية. وهذا يعنى أن الأوروبى الذى جاء إلى القاهرة لم يكن دائمًا يأتى ليضع أوروبا مكان مصر؛ أحيانًا كان يعيش فى القاهرة، فيكتشفها ويتأثر بها ويأخذ منها. وتظهر هذه العلاقة أيضًا فى Maisons de France au Caire، أى بيوت فرنسا فى القاهرة، حيث تظهر عناصر من العمارة المحلية داخل مبانٍ أقامها أوروبيون فى القاهرة.إذن التأثير كان متبادلًا أكثر مما توحى به عبارة «باريس الشرق».
أما ديفيد هارفى، ففى كتابه Paris, Capital of Modernity، باريس: عاصمة الحداثة، ينظر إلى مشروع هوسمان باعتباره جزءًا من تغيير أكبر فى باريس، مرتبط بالسلطة والاقتصاد وحركة الأموال وتغير حياة السكان. وهذا يساعدنا على فهم أن الشوارع الجديدة لم تكن مجرد شوارع جميلة. وراءها سياسة واقتصاد ومجتمع يتغير. وفى القاهرة كانت هناك أهداف أخرى: تحديث الدولة، وتوسيع العاصمة، وإنشاء مركز جديد، وتطوير الطرق والمياه والصرف، وفتح المدينة على العالم.لذلك، عندما نقول إن إسماعيل «قلد هوسمان»، نكون قد اختصرنا قصة طويلة فى كلمة واحدة. نعم، إسماعيل تأثر بما رأى فى باريس، واستعان بخبرات أوروبية، وبعض ما فعله فى القاهرة يذكّر بما فعله هوسمان فى باريس. لكن التشابه لا يعنى التطابق.
باريس كانت تعيد تشكيل مدينة قائمة من الداخل، بينما كانت القاهرة تتوسع نحو أراضٍ جديدة وتبنى مركزًا جديدًا إلى جوار المدينة القديمة. والأهم أن التغيير لم يتوقف عند الشوارع والمبانى، بل امتد إلى المجتمع نفسه.

لذلك أرى أن معنى (الاستلهام) هو أكثر دقة وشمولاً من (التقليد).
إسماعيل لم يأخد باريس كما هى ويضعها على ضفاف النيل، وإنما أخذ منها أفكارًا وخبرات، ثم أعاد استخدامها بما يناسب القاهرة وظروفها.
وبذلك فالقاهرة لم تكن باريس أخرى، وإنما استلهمت منها لتصنع شكلًا جديدًا لها وحدها.