حين تستيقظ اللوحة على الشاشة - رشا عدلي - بوابة الشروق
الثلاثاء 18 أغسطس 2026 8:07 م القاهرة

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

حين تستيقظ اللوحة على الشاشة

نشر فى : الثلاثاء 18 أغسطس 2026 - 6:45 م | آخر تحديث : الثلاثاء 18 أغسطس 2026 - 6:45 م

 

خرجت من مشاهدة «الأوديسة» وفى ذهنى صور لم تكن كلها من الفيلم، كنت أحاول أن أندمج مع المشاهد التى أراها على الشاشة، وأن أترك نفسى للحكاية كما تقدمها السينما، لكن شيئًا آخر كان يحدث لى فكلما ظهر مشهد جديد، استدعت ذاكرتى لوحة رأيتها من قبل فى متحف بعيد.

 أرى السيرينات فأفكر فى لوحة، يظهر الوحش فتعود إلىَّ صورة أخرى، يمر البحر أو السفينة أو حصان طروادة، فأجدنى أبحث فى ذاكرتى عن اليوم الذى وقفت أمامه وتصورت معه.

 أحاول أن أصفى ذهنى من هذه الصور كى أتابع الحكاية، فإذا بمشهد آخر يعيدنى إلى لوحة جديدة وهكذا بدأت أشعر أننى أشاهد فيلمين فى وقت واحد، ما يجرى أمامى على الشاشة، وما يتحرك خلفها فى ذاكرتى من صور رسمها فنانون قبل أن تصل هذه الأسطورة إلى السينما.

ومن هنا بدأ السؤال يلح علىَّ: هل كان نولان يعيد اختراع صور «الأوديسة» من الصفر، أم أن وراء بعض ما نراه اليوم تاريخًا طويلًا من الفنانين الذين رسموا هذه الشخصيات والمخلوقات قبل أن تتحول إلى صور متحركة. 

فى حالة بوليفيموس، لدينا إجابة واضحة، نولان وفريقه لم يبدءوا من فراغ فى بناء صورة السيكلوب. المخرج بنفسه كشف أن لوحة فرانسيسكو غويا «زحل يلتهم ابنه» كانت مصدر إلهام مباشر لصورة بوليفيموس، وأنها ظلت حاضرة أمام فريق العمل أثناء تطوير الشخصية واختبار التقنيات الخاصة بها. أما مصممة الإنتاج روث دى جونج فتحدثت عن الاستعانة بأعمال غويا، إلى جانب لوحة «جزيرة الموتى» لأرنولد بويكلين، فى بناء عالم كهف السيكلوب.

وهنا تصبح المسألة أكثر إثارة من مجرد اقتباس لوحة. فغويا لم يرسم بوليفيموس لقد رسم زحل، الإله الذى يلتهم ابنه، فى واحدة من أكثر الصور قسوة ورعبًا فى تاريخ الفن. لكن نولان وجد فى هذه الصورة شيئًا يحتاج إليه ربما هو الجسد الوحشى، الفم المفتوح، الافتراس، الخوف، والقوة التى تبدو وقد فقدت حدودها الإنسانية.

وهذا هو تاريخ الأسطورة فى جانب كبير منه، هوميروس أعطى العالم الكلمات، ثم جاء الفنانون ليعطوا تلك الكلمات أجسادًا ووجوهًا وألوانًا. لم تكن السيرينات، مثلًا، صورة ثابتة عبر التاريخ لو تتبعنا أثرها سنجد أنها فى الفن اليونانى القديم ظهرت فى هيئة مخلوقات هجينة تجمع المرأة بالطائر، ثم تغير شكلها فى المخيلة الأوروبية حتى استقرت فى العصر الحديث تقريبًا على صورة المرأة الساحرة ذات الذيل السمكى أو كما نطلق عليها (عروس البحر) وفى القرن التاسع عشر عاد جون وليام ووترهاوس إلى الشكل الطيرى القديم فى لوحته (أوديسيوس والسيرينات) عام 1891، بينما قدم هربرت جيمس درابر فى 1909 واحدة من أكثر الصور إثارة للمشهد، فجعل السيرينات تقتحم فضاء السفينة وتحيط بأوديسيوس المقيد إلى الصارى.

لوحة (درابر) تحديدًا تبدو اليوم كأنها صُممت للسينما ومن قبل اختراع السينما هناك حركة بها فى كل شىء، البحر، الأجساد، الشعر، الأذرع، الحبال، وأيضا البحارة الذين يحركون المجاديف لمواصلة الرحلة ولكن فى الوقت نفسه لا تتعدى كونها لوحة تحمل سكون اللوحات؛ تلك اللحظة التى لا تتحرك والتى يستطيع الفنان أن يحتفظ بها أمامنا إلى الأبد.

فى الأسطورة أوديسيوس يعرف أنه ضعيف أمام أغنية السيرينات، ولذلك يطلب من رجاله أن يقيدوه وفى رأيى هى واحدة من أكثر لحظات الأوديسة دلالة، فهو هنا لا ينتصر على الإغراء لأنه أقوى منه، وإنما لأنه يعرف ضعفه ويطلب من الآخرين أن يمنعوه من الاستجابة له ولذلك أصبح هذا المشهد مادة خصبة للفن لأنه وإن كان يحمل فى ظاهره أنه مجرد حكاية عن كائنات سحرية ولكنه فى حقيقته الكامنة هو صورة تعبر عن تحدى الانسان.

ولعل هذا الحضور المتجدد للمخلوقات الأسطورية يفسر شيئًا من العودة الحالية إلى الوحوش والمخلوقات الأسطورية فى الدراسات الفنية والأدبية، ففى السنوات الأخيرة لم تعد هذه الكائنات تقدم ككائنات خرافية تظهر فى النهاية لينتصر عليها البطل وإنما أصبحت موضوعا للدراسة لأنها تعبر عن مكمن الانسان نفسه وتكشف فيه ما لا يمكن تصوره فى ذاته، ففى 2024 صدر The Oxford Handbook of Monsters in Classical Myth، وهو عمل أكاديمى كبير يضم دراسات متعددة عن الوحوش فى الأسطورة الكلاسيكية، من السيرينات والسيكلوب إلى سكيلا والغورغون و أبو الهول وغيرها، ويدرس استمرار هذه المخلوقات فى الأدب والفن والثقافة الحديثة. يطرح الكتاب أسئلة هامة جدا (لماذا نصنع الوحش؟ لماذا نضع بعض الصفات الحيوانية على جسد الإنسان؟ لماذا نخلط بين المرأة والطائر، أو الإنسان والحيوان، أو الجمال والخطر؟ وماذا تقول هذه المخلوقات عن الحدود التى نضعها بين ما نعتبره طبيعيًا وما نعتبره غريبًا؟ وهل حقيقى أن كل عصر يعيد رسم وحوشه).

فالسيرينة يمكن أن تكون صورة للرغبة حين ترتدى شكل الجمال. السيكلوب يمكن أن يصبح صورة للقوة حين تنفصل عن القانون. سكيلا تجسد الخطر الذى لا يمكن مواجهته من موقع آمن، أما حصان طروادة فيقدم لنا شكلًا مختلفًا من الخطر، الخطر الذى لا يبدو مخيفًا.

وربما لا توجد صورة فى ذاكرة حرب طروادة أكثر قدرة على إثارة الخيال من حصان طروادة نفسه، وقد زرت هذا الحصان فى مدينة جناق قلعة التركية (Çanakkale) فى المكان الذى ارتبط بمدينة طروادة القديمة، حيث يقف اليوم مجسم ضخم للحصان ويصبح واحدًا من أبرز معالم المكان ومزاراته السياحية.

كنت أعرف، وأنا أقف أمامه، أننى لا أقف أمام الحصان الذى دخل المدينة فى الحكاية القديمة، إنما مجسم يعيد تجسيد حصان لم نملك أصلًا دليلًا على وجوده التاريخى. ومع ذلك، وقفت أمامه مثل كثير من الزائرين، أتأمله وألتقط صورة معه، وأتخيل الجنود مختبئين فى داخله، وأتساءل كيف أمكن لأهل طروادة أن ينظروا إلى هذا الحصان من دون أن يروا الخديعة المختبئة بداخله!.

وكأن معرفتنا بأنه أسطورة لا تمنعنا من أن نصدقها قليلًا، وهنا تحديدًا تصبح الأسطورة أكثر إثارة من الحقيقة. نحن لا نذهب إلى المدينة التى شهدت الحرب لأننا نملك يقينًا بأن الحصان الخشبى كان هناك، وإنما لأن الخيال استطاع أن يجعلنا نتصرف كأنه كان هناك. يقف المجسم أمامنا، فتتحول الحكاية التى قرأناها فى كتاب إلى شىء يمكن أن نراه ونقف بجواره. وفى اللحظة التى نلتقط فيها صورة معه، نكون قد دخلنا، ولو لثوانٍ، فى اللعبة نفسها التى لعبتها الأسطورة معنا، نعم وبكل تأكيد نعرف أنها حكاية، ومع ذلك نريد أن نصدقها قليلًا.

وربما لهذا السبب كانت علاقتى بحرب طروادة تتجاوز الحكاية المكتوبة. أتذكر أيضا كتاب الإلياذة الذى اشتريته من تاجر كتب مستعملة فى أثينا؛ طبعة قديمة مترجمة عن اليونانية القديمة، تتخلل صفحاتها صور ورسوم لفنان يونانى غير معروف لتعيد تشكيل عالم الحرب والأبطال والآلهة. كان الكتاب نفسه يبدو كأنه يحمل حياة أخرى للأسطورة؛ مرّ بين أيدٍ لا أعرفها، واحتفظ داخل صفحاته بصور جعلت الكلمات تتحول إلى مشاهد. 

ورغم ذلك وسط عالم مزدحم بالآلهة والوحوش والسفن والمعارك، تتوقف الأوديسة فجأة أمام كائن بسيط يعرف صاحبه عند عودته بعد سنوات طويلة، الكلب يتعرف إليه، ثم يموت لنجد أن فى هذه اللحظة القصيرة تصبح الملحمة كلها تقريبًا رحلة حول سؤال واحد، ماذا يبقى فى العالم عندما نغيب عنه؟ هناك شىء من الوفاء والانتظار والتعرف إلى الوجه الذى غاب طويلًا، شىء يجعل هذه اللحظة أكثر إنسانية من كثير من المعارك التى يخوضها البطل.

ومن هنا تبدو الأوديسة أكبر من مجموعة مغامرات، إنها مستودع ضخم للصور التى أعاد الفنانون تفسيرها جيلًا بعد جيل. كل فنان يضيف إلى الأسطورة شيئًا من زمنه. اليونانى القديم لم يرَ السيرينة كما رآها ووترهاوس. ووترهاوس لم يرها كما رآها درابر. غويا لم يرسم بوليفيموس أصلًا، ومع ذلك أصبحت لوحته جزءًا من الطريقة التى صنع بها نولان وحشه.

وهكذا نجد هنا أن السينما تضع المشاهد أمام تاريخ الفن، لتصنع من هذه الأعمال العظيمة لقطات متحركة. 

فاللوحة توقف الزمن، بينما السينما تحركه. اللوحة تجعلنا نحدق فى لحظة واحدة؛ الفيلم يأخذ تلك اللحظة ويمنحها صوتًا وحركة وموسيقى وفضاءً.

أوديسيوس فى لوحة درابر يظل مربوطًا إلى الصارى، أما فى الفيلم فيتحرك البحر من حوله، وتتحرك السفينة، ونسمع الأصوات ونرى الخطر يقترب. وبالرغم من ذلك، عندما نرى المشهد السينمائى، قد نبحث فى ذاكرتنا عن الصورة الساكنة التى سبقته. وهنا تكمن واحدة من أجمل علاقات السينما بالفن التشكيلى، الفيلم يستطيع أن يعيد الجمهور إلى اللوحة وقد يدخل شخص إلى السينما لمشاهدة الأوديسة، فيخرج منها وهو يريد أن يعرف من رسم السيرينات بهذه الطريقة، يبحث عن ووترهاوس يكتشف أعمال درابر، يرى غويا للمرة الأولى، يصل إلى بويكلين، يقرأ الإلياذة وربما يذهب بعد ذلك إلى متحف.

تبدأ الرحلة من هوميروس، ثم تصل إلى الفنان، ثم إلى المخرج، ثم إلى المشاهد، ومن المشاهد تعود مرة أخرى إلى الفنان.

وهنا تصبح عودة الناس إلى اللوحات أثرًا جميلًا للفيلم. فالفن التشكيلى الذى يبدو أحيانًا بعيدًا عن الجمهور، معلقًا على جدران المتاحف، يمكن أن يستعيد حضوره من خلال صورة سينمائية. قد يرى المشاهد لوحة للمرة الأولى لأنه رأى مشهدًا أعادها إلى ذاكرته، وقد يبحث عن اسم فنان لم يكن يعرفه، وقد يكتشف أن الصورة التى ظن أنها وُلدت فى الفيلم لها حياة تمتد إلى قرون.

 

رشا عدلي كاتبة وروائية مصرية
التعليقات