فوكو ونشرات الأخبار - سيد محمود - بوابة الشروق
الثلاثاء 18 أغسطس 2026 8:08 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

فوكو ونشرات الأخبار

نشر فى : الثلاثاء 18 أغسطس 2026 - 6:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 18 أغسطس 2026 - 6:55 م

الزيارة التى قام بها الفيلسوف الفرنسى البارز ميشيل فوكو (1926-1984) لإيران، عشية انتصار ثورة الخمينى الإسلامية عام 1979، كانت لغرض صحفى، لكنها أثارت كثيرًا من الجدل فى أوروبا، بسبب اتهامه بالتعاطف مع ثورة الخمينى. 

يسلط كتاب «فوكو فى إيران»، الذى كتبه عالم الاجتماع الإيرانى بهروز قمرى تبريزى الضوء على ما جرى فى تلك الزيارة لكن قراءة الكتاب تكتسب أهمية استثنائية فى أيامنا التى تشهد مواجهة عسكرية بين الغرب، ممثلًا بالولايات المتحدة الأمريكية، وإيران، ويتورط فيها خبراء ومحللون بإعادة إنتاج ما طرحه فوكو حول ثورة الخمينى التى أدى حماسه لها إلى اتُّهامه صراحة بـ«عمى الألوان». 

وقد صدرت مؤخرًا ترجمة جديدة للكتاب عن دار البحر الأحمر فى القاهرة.

ويعد مؤلف الكتاب، بهروز قمرى تبريزى، أحد أبرز المؤرخين الإيرانيين المعاصرين، وهو من مواليد عام 1960، ويعمل فى الولايات المتحدة الأمريكية أستاذًا للتاريخ والعلوم الاجتماعية فى جامعة إلينوى. 

ترجم الكتاب عن الإنجليزية المترجم المصرى ربيع وهبة، المتخصص فى ترجمة الكتب التى تبحث فى الحركات الاجتماعية، وصدَّره بمقدمة مهمة قدم فيها قراءة لثلاث عشرة مقالة كتبها فوكو فى عامى 1978 و1979، أثارت وقت نشرها جدلًا واستفزازًا احتدم فى بعض الأوساط الثقافية، وصل إلى التوبيخ والإدانة والمعاداة.

كان نجاح ثورة الخمينى كما يوضح الكتاب أشبه بكابوس جاء على غفلة من الجميع، حتى وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، وأوجد شبحًا مهد لمختلف صور المد الأصولى الإسلامى فى منطقة تمثل سوقًا رائجة لتجارة الأسلحة، من بين تجارات شبيهة.

وعلى الرغم من هذا كله، فإن فوكو كتب مقالاته على أمل أن تشكل اللحظة الخمينية خطوة جديدة لتحقيق عالم يتحرر من أسر حركة التنوير الأوروبى، ومصير الحداثة المحتوم، والمفروض فرضًا على العالم، فى رأيه.

لذلك يلح المؤلف كثيرًا على أهمية مواجهة السردية الأوروبية التى تصور وقائع التاريخ انطلاقًا من تصوراتها الجاهزة، أو مما يسميه «النظرة الغائية للتاريخ»، كما يواجه الفكرة القائلة بأن التحول الاجتماعى يُقاس دائمًا بالرجوع إلى مدى اقتراب المجتمعات «المتخلفة» من العالم المتقدم.

يفند بهروز الكثير من الحجج التى روج لها فوكو وهوً يشهد من طهران مولد علاقة جديدة بين السياسى والدينى، تستند إلى بُعد روحانى أسماه فوكو «الروحانية السياسية».

قد ينتبه قارئ الكتاب إلى أن ما نعانى منه فى متابعة ملف الحرب الدائرة اليوم يعود لفهم معظم الخبراء الأوروبيين والأمريكيين للثورة الإيرانية بالإشارة إلى تلك الافتراضات الغائية، وكأن فوكو يحضر اليوم فى نشرات الأخبار فقد لمس فى الثورة الإيرانية «ممارسة جديدة لبناء الذات»، كما أنه شكل من أشكال التعبير، وطريقة لبناء علاقات اجتماعية على مستوى واسع، وطريقة للوجود الجماعى، وللتحدث والاستماع، وهو شىء يتيح للمرء أن يكون مسموعًا لدى الآخرين.

فتن فوكو، ولو بعض الشىء وبصورة مؤقتة، بزعيم مثل الخمينى، واستجاب لنفس الأفكار عشرات المفكرين العرب واليوم بعد مرور ما يقرب من نصف قرن أصبحت بعض الحجج التى قدمها صاحب فوكو حججًا هشة فى ظل ما حدث بعد الثورة من عهد الإرهاب الذى مورس فى طهران بمبررات ومزاعم مختلفة؛ فقد أضفى نظام الملالى، بعد الثورة، قدسية على حكمه بوصفه محصلة الثورة التى لا ريب فيها، محولًا الطقوس الدينية والعالم الرمزى الذى تجلت من خلاله مطالب الثورة إلى أساس رسمى وفقهى ومذهبى لدولة دينية. بعدما تم الاستيلاء على المُثل الثورية تحت راية السياسة الواقعية.

وجه منتقدو فوكو تحذيراتهم إليه من أن فكرته عن الروحانية السياسية، التى أضفى عليها طابعًا رومانسيًا بوصفها طريقة جديدة للتعبير الثورى، ليست سوى أساس أيديولوجى لطغيان دينى. وشددوا على أن الثورة الإيرانية، على عكس ما تخيله، لم تقف عند «عتبة حداثة»، بل إنها تورطت فى قفزة عملاقة إلى الوراء، نحو خلق ثيوقراطية وحشية.

وبحسب المترجم، فإن ما جرى بعد الصراع على الثورة، حسم فى طريق الأصولية الدينية المتطرفة.

لذلك يقارن بهروز قمرى تبريزى بين ما جرى فى ثورة الخمينى والاحتجاجات التى شهدتها دول عربية كثيرة عام 2011 وساهمت فى وصول الإسلاميين إلى السلطة.

إن أهمية هذا الكتاب لا تقف عند تلك المقارنة لكنها تأتى من مقدرته على القيام بتجربة فريدة فى النقد الذاتى.