ملوخية ودِمعة ورز - أسامة غريب - بوابة الشروق
الجمعة 2 أكتوبر 2026 8:43 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

ملوخية ودِمعة ورز

نشر فى : الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 6:50 م

وقفت المرأة تتلفت حولها فى حيرة وهى لا تدرى ماذا تفعل. كان مظهرها بالجلباب البسيط والطرحة الشعبية يشير إلى موقعها تحت بير سلم المجتمع. عندما لمحت جمعًا من الجنود وفى أيديهم سندوتشات الفول والطعمية التى اشتروها قبل عودتهم للمعسكر نادت عليهم: قل لى يا ابنى إنت وهو.. أريد أن أدخل لابنى حتى أطمئن عليه وأعطيه الأكل الذى أحضرته له. قال أحد العساكر: لا شأن لنا بموضوع الزيارات هذا، لكن يمكنك أن تذهبى للبوابة وتتفاهمى مع المسئولين هناك، فهم المطلعون على مواضيع الزيارات ومواعيدها. قالت فى انكسار: ذهبت إليهم فصرفونى بحجة أن اليوم ليس يوم زيارة مع أنى أعرف أن هناك زيارة استثنائية بمناسبة المولد النبوى.

على القهوة القريبة كان هناك رجل يتابع فى هدوء الحديث بين المرأة وعساكر السجن ثم لم يلبث أن نهض من على كرسيه واقترب منهم.. كان يرتدى بدلة رخيصة مكوية بعناية وربطة عنق عليها صور قطط وكلاب، ويمسك بيده شنطة سامسونايت.

قال: ما الموضوع يا ست؟.. أنا محامى وأعرف الجميع هنا من أول مأمور السجن حتى أصغر عسكرى. نظرت إليه المرأة فى لهفة قائلة: الله يعمر بيتك يا أستاذ، أنا فى محنة ويبدو أن الله قد أرسلك اليوم لتساعدنى.. ولدى محبوس بالداخل وقد أحضرت له الطعام. قالت هذا ثم أخرجت من السَبَت الذى تمسكه عمود الطعام الشعبى المصنوع من الألمونيوم والمكون من عدة طوابق، كل طابق يوضع به صنف من أصناف الطعام.

أكملت المرأة: طبختُ له الأرز بالشعرية الذى يحبه والملوخية الخضرا وعملت له مع الملوخية دمعة.. ابنى يحب الملوخية بالدمعة.

نظر المحامى إلى العمود وبدا أن لعابه يفكر فى أن يسيل فى الوقت الذى تسمّر فيه الجنود وأنظارهم تخترق السلة التى تحملها المرأة والتى آمنوا أنها تضم بين جناحيها ما لذّ وطاب من طعام شهى.

صرخ المحامى فى الجنود طالبًا منهم الانصراف حتى يتفرغ للقضية التى سيباشرها. تفرق الجنود فى تلكؤ واضح وهم ينظرون نحوه فى غيظ وغضب، بينما سارعت المرأة قائلة: القضية انتهت يا أستاذ وابنى نال ثلاث سنوات بعد أن فشل محاميه فى إثبات أنه برىء.

قال المتر: كيف تقولين إنه لا توجد قضية؟..القضية الآن هى أن تدخلى لزيارة ابنك.. أليس كذلك؟ قال هذا ثم أردف وهو يتكئ على الحروف: هل أنت جاهزة بالأتعاب؟. قالت فى فزع: أتعاب إيه كفى الله الشر؟ أنا بعت كل ما يمكن بيعه أثناء نظر القضية وأعطيت الفلوس لجدع محامى يشبهك ويتكلم مثلك.. هل تصدق أننى شعرت بالراحة بعد صدور الحكم لأنه أعفانى من بيع السرير والبوتاجاز.. لقد كان السرير والبوتاجاز آخر ما تبقى من عفش الشقة بعد أن بعت كل شىء.

قالت هذا ثم أجهشت بالبكاء وهى تناجى ابنها: سامحنى يا ابنى.. سامحنى يا نور عينى. كان الرجل واضحا وهو يقول: اسمعى يا حاجّة.. بدون فلوس لن أستطيع أن أفعل شيئًا.. هاتى أى حاجة. قالت فى انكسار: ليس معى سوى ثمن الميكروباص الذى سأعود به، أما المعاش فلن أصرفه قبل أسبوع. رد فى استياء: وماذا عن الغويشة التى فى يدك.؟ قالت فى أسى: الغويشة قشرة ويمين المصطفى، ولا تساوى شيئا.

نظر إليها وخيبة الأمل تكسو وجهه ثم قال حانقًا: ولماذا لم تجلسى فى بيتك حتى صرف المعاش، أم حسبتِ أن الأمور يمكن أن تمشى بلوشى؟ قالت: أوحشنى ابنى، عملت له لقمة وجئت لأزوره.

أخذ الأفوكاتو يردد نظره بينها وبين عمود الطعام والسلة ثم سألها فى صفاقة: وهذه السلة تمتلئ طبعًا باللحوم والأسماك والطيور..أليس كذلك؟ قالت: ليتها كانت كذلك.. والله ما بها سوى العيش والجرجير.

قال فى استنكار وكأنه يستفظع كلامها: عيش وجرجير؟.. يعنى لا يوجد معك غير هذا العمود؟ قالت نعم. بدا مترددا قليلا ثم نظر حوله فى حيرة وكأنه يطلب المدد من آلهة النطاعة قبل أن يمد يده ويمسك بعمود الطعام. استسلمت المرأة وتركته له.

فتح الطابق العلوى وأخرج الأرز ونزل على الطابق التالى وأخرج الملوخية وعرج على الأسفل وخلط الدمعة مع الملوخية، وصار يأخذ حفنة أرز فى يده ويقذف بها فى جوفه ثم يشرب ملوخية ودمعة. كان يأكل فى لهفة كالمجنون ومن الواضح أن الطعام راقه جدا.

بعد أن أكل وشبع مسح فمه بظهر يده وأعاد إليها الأوانى ممسوحة، ثم مضى بخطوات وئيدة إلى القهوة فجلس على الكرسى وطلب واحد شاى كشرى. مضت المرأة الملهوفة إليه تسأله فى جزع: والآن بعد أن أكلت ما فى العمود، هل تأخذنى لأدخل وأرى ولدى؟. قال لها فى صدق: وبماذا تفيد الزيارة بعد أن ضاع الطعام وفرغ العمود؟ ردت والدموع تغرق خديها: عاوزة أشوفه بس، الله يخليك لعيالك. يبدو أن حالها قد أثر فى الرجل بعض الشىء فطلب لها كوبًا من الشاى وسألها أن تجلس إلى جانبه ريثما يشرب شايه ويفكر فى طريقة لجعلها تدخل وتحظى بالزيارة.


فى نفس اللحظة كانت سيارة سوداء فارهة مسدلة الستائر تعبر الفناء وبها الهانم والدة المجرم وأخوه المجرم.. ومن الأكيد أن أحدا لم يأخذ من الهانم ملوخيتها أو دمعتها!

أسامة غريب روائي وكاتب ساخر
التعليقات