أسماء وأصداء وأنواء - أسامة غريب - بوابة الشروق
الجمعة 30 أكتوبر 2026 7:29 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

أسماء وأصداء وأنواء

نشر فى : الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 6:10 م | آخر تحديث : الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 6:10 م

أسماء البشر هى عالم غريب وممتع طالما تأملته وسرحت فى تفاصيله. ومع السفر ومخالطة البشر فى بلاد الله اكتشفت أن أسماء الناس فى كل مكان تتشابه، ذلك أن الإنسان هو الإنسان ودوافعه فى اختيار الأسماء هى هى تقريبًا..أن يضفى على ذريّته صفات الحُسن والقوة والشرف. وليس جديدًا أن عائلات بأسماء النجار والحداد والسايس والصائغ والجزار موجودة بكل اللغات، كذلك اسم مثل «نصر» بتنويعاته المختلفة ناصر ومنتصر ومنصور ونصرى نجد نظيرًا له فى الأسماء الأجنبية فيكتور وفيكتوريا وفيكتورينو. وليست الرغبة فى التبرّك بأسماء الأنبياء والقديسين وأولياء الله الصالحين قاصرة على شعب دون شعب.. فى الغرب يسمون كريستيان وكريستين وكريستيانو وكريستوفر وخريستو وكريستينسين كتنويعات على اسم كرايست (السيد المسيح)، كذلك مارى ومريم وماريا وميريام وماريكا على اسم السيدة العذراء، كما يسمون جون وجونى وجونسون ويوهان ويوهانسون وكلها مشتقة من اسم يوحنا.. وفى عالمنا العربى تشيع أسماء محمد وأحمد ومحمود كما تشيع أسماء الصحابة واَل البيت وأشهرها حسين وحسن وعلى وعمر وعثمان وأبوبكر وزينب وفاطمة وخديجة وعائشة.


ومن الأشياء الجديرة بالملاحظة أن أسماء القديسين تشكل أكثر من خمسين بالمائة من أسماء الشوارع بعواصم الغرب العلماني! كما أن لقب قديس قد أطلق دون وجه حق على بعض القتلة والسفاحين ممن أوغلوا فى دماء العرب فى فترة الحروب الصليبية وفى معارك الإسبان مع العرب فى الأندلس ومن أشهرهم السفاح فرناندو الذى أصبح سان فرناندو على سبيل المكافأة! وبهذه المناسبة أود أن أسأل الذين أطلقوا اسم «ألبرت الأول» على أحد الميادين فى منطقة سموحة بالاسكندرية، والرجل كان ملكًا على بلجيكا فى ذروة الوحشية التى مورست بحق الأفارقة وبالذات فى الكونغو.. كذلك اسم ادموند فريمون على شارع بنفس المنطقة، وهو شخص لا أحد يعرفه باستثناء موظف الحى أو المحافظة الذى اختار اسمه! تساؤلنا يأتى من باب الخشية أن يكون الرجلان لا سمح الله من الأعداء ونحن لا ندرى! وإذا اتضح أنهما من الحبايب فلماذا نكتفى بألبرت الأول فقط ولا نخلد ذرية ألبرت كلها؟.. ونفس الأمر بالنسبة لآل فريمون الطيبين!


هذا وقد كشفت الأيام لى عجائب فى دنيا الأسماء، فعندما كنت أقضى فترة التجنيد التقيت بأكثر من زميل يحمل اسم عطيتو، وكانوا كلهم صعايدة يتسمون بالصلابة والرجولة، وبعد فترة التجنيد لم أصادف الاسم فى أى مكان، كما افتقدت جدعنة أصحابه!. ونعرف جميعًا أن المتحدث الإسرائيلى الذى يوجه البيانات للعرب اسمه «أفيخاى أدرعى».. الولد بصراحة رغم إجرامه ودفاعه عن أهله الوحوش شكله لطيف، لهذا فقد استهولت أن يكون اسمه «أفيخاى»، وهو يصلح كاسم دواء لعلاج الناسور الشرجى أو ماركة لشربة الدود! الولد يستحق أن يكون تامر أو هيثم أو على الأقل لؤى، لكن ظروف النشأة فى اسرائيل جعلت منه «أفيخاى».. وربما من حُسن حظ اسرائيل أن أفيخاى لم يتهرب من التجنيد على العكس من تامر وهيثم بتوعنا!


وعندما كنت أعيش فى كندا، كان ابنى الصغير يأتى إلى البيت بعد المدرسة وفى صحبته نصف الفصل تقريبًا، ولدى رؤيتى لهم للمرة الأولى سألته فى دهشة: أليس فى فصلكم كنديون على الإطلاق؟ فرد فى دهشة أشد: كلهم كنديون يا بابا! سبب السؤال أن الأولاد والبنات كانوا خليطًا من الزنوج والهنود والصينيين واللاتينيين والعرب، وكان هؤلاء الأطفال يحبون المجىء إلى بيتنا، حيث اكتشفوا أن هذا البيت على غير العادة فى مونتريال يقدم للضيوف طعامًا وشرابًا بدون مناسبة! وكنت أحب أن أجلس بالقرب منهم أتأمل العالم الذى أتوا منه قبل أن تستقبلهم كندا. لكن أغرب ما وجدته لديهم هو أسماؤهم، بعضهم حمل أسماء طبيعية عندما كان الأب والأم من نفس البلد، والبعض الًاخر كان اسمه مزيجًا بين الأم والأب، والنتيجة بالنسبة لى كانت مثيرة للضحك فعلى سبيل المثال.. أماندا أبوالوفا.. لم أتخيل يومًا أن أسمع اسمًا كهذا، لكن فى كندا كل شىء ممكن.. كانت طفلة جميلة من أب مصرى مهاجر وأم كندية. كذلك هناك بدرية جوناثان، طفلة حلوة الملامح، الأم جزائرية وقد أصرت على تسمية ابنتها على اسم أمها، والأب الأيرلندى لم يعارض. كنت أفهم بدرية حين تحدثنى بالفرنسية ولا أفسر جملة واحدة من حديثها العربى! ومن الملاحظ أن اعتبارات الدين والعرق قد تلاشت إلى حد كبير فى المجتمع هناك وصار أى أحد يتزوج من أى أحد! وهذه كانت ولا تزال إحدى مشكلات المهاجرين العرب والمصريين الذين تركت بعض هذه الزيجات جراحًا غائرة فى نفوسهم عندما تركت البنت البيت وتزوجت أو عاشت مع من أنست إليه!. كذلك كان هناك صديقى الصغير الذى يهوى الغناء مروان رودريجوز.. طفل رائع، أمه فلسطينية وأبوه مكسيكى، كنت أحبه وأردد معه أغنيات فيروز التى يسمعها فى بيتهم. ولا يمكن أن أنسى أبدًا صديقى السمين زيليان أيوب، وهو طفل صينى الملامح أمه سنغافورية وأبوه من أصل يمنى، كان يحب الطعام المصرى ويأكل بشراهة، وكانت والدته تأتى لاصطحابه فيأبى الذهاب معها إلا بعد أن تعده بأن تسمح له أن يأتى فى الغد ليأكل كفتة ومحشى!
ترى كيف هم الاَن أصدقائى الصغار زيليان أيوب وبدرية جوناثان ومروان رودريجوز؟

أسامة غريب روائي وكاتب ساخر
التعليقات