تعرضت منصة "بينانس"، أكبر بورصات تداول العملات المشفرة في العالم، في وقت متأخر من مساء أمس الخميس، لعملية اختراق إلكتروني تُعد الأكبر في تاريخها؛ إذ نجح قراصنة في سرقة أكثر من 6 مليارات دولار من محافظ عملاء المنصة، قبل أن تتمكن الشركة من تجميد نحو 3 مليارات دولار من الأموال المسروقة، في محاولة للحد من تداعيات الهجوم، وسط سباق مع القراصنة لتحديد أماكن الأموال الرقمية والسيطرة عليها، بحسب ما أوردته شبكة "سي إن إن" الأمريكية.
وذكر التقرير السنوي للمنصة لعام 2025 أنها تضم 335 مليون مستخدم مسجل على مستوى العالم وبلغت قيمة الأصول المودعة لديها حوالي 162.8 مليار دولار. وتتيح للمستخدمين شراء الأصول الرقمية وبيعها وتداولها.
وقالت بينانس في بيان "أموال المستخدمين لا تزال بأمان... كإجراء احترازي، تم تعليق جميع عمليات الإيداع والسحب مؤقتا بينما تقوم فرق الأمن بإجراء الفحوص وتأمين البنية التحتية للمحافظ وتتبع الأصول المتأثرة بدعم وثيق من شركائنا في أجهزة إنفاذ القانون والقطاع".
* بعد ضربة بينانس ..كيف تأثر سوق العملات المشفرة؟
وانخفضت عملة بيتكوين بأكثر من 3% إلى أدنى مستوى لها في ستة أسابيع عند 76,368 دولارًا، كما تراجعت عملة الإيثر بأكثر من 3% إلى أدنى مستوى لها في شهرين عند 2,178 دولارًا.
وهبطت عملة "بي إن بي"، التي أُطلقت في الأصل باسم "باينانس كوين" ويمكن استخدامها لسداد رسوم التداول على منصة "بينانس"، بنسبة 5% خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية إلى 709.70 دولار، وفقًا لمنصة تجميع بيانات العملات الرقمية "كوين جيكو".
كما تراجعت أسهم منصة تداول العملات الرقمية "كوين بيس غلوبال" بنسبة 4.8%، بينما انخفضت أسهم شركة "ستراتيجي"، التي تشتري البيتكوين، بنحو 6% خلال التداولات الأمريكية الممتدة.
* تجارب المبكرة لفكرة العملات المشفرة؟
وفقًا لدراسة بحثية نشرها معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات (IEEE) عام 2015، وأعدها ستة باحثين من جامعات ومؤسسات بحثية أمريكية وكندية، تعود جذور العملات المشفرة إلى عام 1983، عندما طرح عالم التشفير الأمريكي ديفيد تشاوم تصورًا لنظام للمدفوعات الإلكترونية غير القابلة للتتبع، يقوم على إصدار البنوك وحدات نقدية رقمية موقعة تشفيريًا، يمكن تداولها بين المستخدمين والتجار، مع الحفاظ على خصوصية أصحابها، بحيث لا يستطيع البنك الربط بين المستخدم والعملة التي يتداولها، على غرار التعامل بالنقود النقدية التقليدية.
وخلال تسعينيات القرن الماضي، تطورت هذه الفكرة عبر مقترحات متعددة استهدفت تجاوز بعض القيود التقنية، مثل إتاحة استخدام النقود الإلكترونية دون الحاجة إلى اتصال البنك لحظة الشراء، وإمكانية تقسيم العملة إلى وحدات أصغر، وتحسين كفاءة عمليات الدفع.
كما حاولت شركات ناشئة، من بينها "ديجي كاش" (DigiCash) و"بيبر كوين" (Peppercoin)، تحويل هذه الأفكار إلى أنظمة نقد إلكتروني قابلة للاستخدام التجاري، لكنها لم تنجح في تحقيق انتشار واسع، ولم تتمكن أي من مشروعات هذه المرحلة من الوصول إلى تطبيق واسع النطاق.
وتشير الدراسة إلى أن أحد المكونات التقنية التي ساعدت لاحقًا في بناء بيتكوين ظهر أيضًا خلال التسعينيات، وهو مفهوم "إثبات العمل"، الذي طُرح في البداية كوسيلة لمكافحة الرسائل الإلكترونية المزعجة، عبر مطالبة المرسل بتنفيذ مهمة حسابية تتطلب قدرًا من المعالجة الحاسوبية قبل إرسال الرسالة.
وتطورت الفكرة لاحقًا في مشروع "هاش كاش" (Hashcash)، الذي قدمه آدم باك، وأصبح هذا المفهوم أحد العناصر الأساسية في آلية تشغيل شبكة بيتكوين والتحقق من المعاملات وإضافة كتل جديدة إلى سجلها.
وفي عام 1998، ظهر مقترح "بي موني" للباحث وي داي، الذي قدم تصورًا لنظام نقدي تُبث فيه المعاملات علنًا مع الحفاظ على إخفاء هوية أطرافها، وهو ما اعتبرته الدراسة أول تصور لنظام تُعلن فيه جميع المعاملات على نطاق عام مع بقائها مجهولة الهوية.
وفي الفترة نفسها، طُرحت أفكار أخرى، من بينها "بيت جولد" (Bit Gold) للباحث نيك زابو، كما ظهرت فكرة العقود الذكية في أوائل التسعينيات، وهي اتفاقات يمكن تحديد شروطها وتنفيذها باستخدام أدوات التشفير، لتصبح لاحقًا من المفاهيم المهمة في تطور تطبيقات العملات المشفرة.
*بيتكوين.. الأزمة المالية العالمية تمهد لظهور سوق العملات المشفرة
لم يكن ظهور بيتكوين عام 2008 مجرد تطور تقني، بل جاء بالتزامن مع الأزمة المالية العالمية التي هزت الثقة في المؤسسات المصرفية، عقب انهيار مؤسسات كبرى واضطرار الحكومات إلى إنقاذ البنوك. وفي ظل هذه الاضطرابات، تصاعدت التساؤلات بشأن الاعتماد على المؤسسات المالية في إدارة الأموال والتحويلات، وبرزت تصورات لبدائل لا تحتاج إلى وسيط مصرفي.
وفي 31 أكتوبر 2008، نشر شخص أو مجموعة مجهولة باسم "ساتوشي ناكاموتو" ورقة بحثية بعنوان "بيتكوين: نظام نقد إلكتروني من نظير إلى نظير"، طرحت نظامًا يسمح بتحويل الأموال مباشرة بين المستخدمين، اعتمادًا على التشفير وشبكة موزعة تسجل المعاملات وتتحقق منها، دون الحاجة إلى مؤسسة مركزية. واستهدف النظام معالجة مشكلة إنفاق العملة الرقمية نفسها أكثر من مرة، وفقًا للورقة البيضاء الأصلية لبيتكوين.
ولم يقتصر ارتباط العملة بالأزمة على توقيت ظهورها؛ إذ تضمنت الكتلة الأولى في شبكتها، التي جرى تعدينها في 3 يناير 2009، رسالة تشير إلى عنوان بصحيفة "ذا تايمز" البريطانية عن استعداد وزير الخزانة لتقديم حزمة إنقاذ ثانية للبنوك. ووفقًا لتقرير خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي، أُدرج العنوان ضمن بيانات الكتلة الأولى، في إشارة إلى الظروف المصرفية التي أحاطت بولادة العملة.
وفي 12 يناير 2009، سُجلت أول معاملة موثقة لبيتكوين، عندما أرسل ناكاموتو 10 وحدات إلى المبرمج هال فيني. وظلت العملة محدودة التداول في سنواتها الأولى، قبل ظهور منصات متخصصة واتساع قاعدة مستخدميها، لتتحول تدريجيًا إلى أصل رقمي قابل للاستثمار والتداول، وفقًا لموسوعة جينيس وبنك الاحتياطي الأسترالي.
وشهدت بيتكوين قفزة كبيرة عام 2017، عندما ارتفع سعرها من أقل من 4 آلاف دولار إلى نحو 19.5 ألف دولار في ديسمبر، وربط تحليل لبنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو هذا الصعود ببدء تداول العقود الآجلة للعملة في بورصة شيكاغو التجارية، ما أتاح أدوات جديدة للمراهنة على تحركات أسعارها.
وفي يناير 2024، وافقت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية على تداول صناديق استثمار فورية مرتبطة ببيتكوين، بما أتاح للمستثمرين التعرض لتحركات سعرها دون امتلاكها مباشرة، في خطوة عززت ارتباط سوق العملات المشفرة بالأسواق المالية التقليدية.
حجم سوق العملات المشفرة.. اقتصاد بتريليونات الدولارات
لم تعد العملات المشفرة سوقًا هامشية تقتصر على تداول بيتكوين، بل تحولت إلى منظومة مالية رقمية تضم آلاف العملات والأصول والمشروعات ومنصات التداول، وتستقطب مستثمرين أفرادًا ومؤسسات حول العالم.
ووفقًا للتقرير السنوي لصناعة العملات المشفرة لعام 2025، الصادر عن منصة "كوين جيكو"، بلغت القيمة السوقية الإجمالية للأصول الرقمية ذروتها عند نحو 4.4 تريليون دولار في أكتوبر 2025، قبل أن تتراجع إلى قرابة 3 تريليونات دولار بنهاية العام، بانخفاض سنوي بلغ 10.4%.
وتعني القيمة السوقية إجمالي القيمة التقديرية للعملات المتداولة، وتُحسب بضرب سعر العملة في عدد الوحدات المتاحة منها، بينما يقيس حجم التداول قيمة عمليات البيع والشراء خلال فترة زمنية محددة. وبلغ متوسط التداول اليومي في سوق العملات المشفرة نحو 161.8 مليار دولار خلال الربع الأخير من 2025، بحسب التقرير، وهو ما يوضح حجم السيولة التي تتحرك بين منصات التداول والمستثمرين، ومدى تأثر السوق بالتغيرات السريعة في الأسعار.
ولا تقتصر هذه السوق على بيتكوين، التي تمثل العملة الرئيسية فيها، بل تضم إيثريوم، والعملات المستقرة المرتبطة بأصول تقليدية مثل الدولار، فضلًا عن آلاف العملات الأخرى ومشروعات التمويل اللامركزي.