إبراهيم المعلم يستعيد مع لميس الحديدى أسرار علاقاته بعمالقة الفكر ويقدم شهادة توثق أكثر من 60 عاما فى قلب صناعة الوعى: الحرية أهم أسس الثقافة والنشر - بوابة الشروق
الجمعة 30 أكتوبر 2026 7:15 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد اقتصار الدراسة بالمدارس على الفترة الصباحية؟ -

إبراهيم المعلم يستعيد مع لميس الحديدى أسرار علاقاته بعمالقة الفكر ويقدم شهادة توثق أكثر من 60 عاما فى قلب صناعة الوعى: الحرية أهم أسس الثقافة والنشر


نشر في: الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 6:01 م | آخر تحديث: الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 6:16 م

- التعليم هو أساس الثقافة وأهم شىء فيه اللغة لأننا بها نفكر ونتعامل ونتكلم 
- مصر تملك مقومات القوة الثقافية لكنها تحتاج إلى تنميتها وقياسها لحمايتها وتطويرها 
- الشاعر صلاح عبد الصبور أعظم رئيس لهيئة الكتاب.. واستقال حتى لا يسمح بمشاركة إسرائيل فى معرض الكتاب
- معرض القاهرة للكتاب فريد من نوعه.. وهو أكبر وأهم معرض للكتاب العربى والكتاب الإسلامى
- عرضت على جمال حمدان عقد نشر كتابيه فرفض وقال إنت بتهينى فى بيتى؟ انشرهم الأول ثم نتفق على حقوق المؤلف
- قابلت هنرى كيسنجر 3 مرات فقال لى: من أكبر غلطاتنا إننا ما خدناش أنور السادات جد.. ومرة قال: إنتوا بلد قديمة جدا وليكوا تاريخ كبير وتقدروا تتغلبوا على المصاعب وتعودوا تانى دولة كبيرة

 

شهادة استثنائية تمتد لأكثر من ستة عقود من العمل فى صناعة النشر والثقافة، قدمها الناشر المهندس إبراهيم المعلم، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الشروق، مع الإعلامية لميس الحديدى، تحدث فيها عن أسرار وكواليس علاقاته بعدد من أبرز رموز الفكر والأدب والسياسة فى مصر والعالم، مستعيدًا مواقف إنسانية وفكرية مع نجيب محفوظ وعباس محمود العقاد وصلاح عبد الصبور وجمال حمدان ومحمد حسنين هيكل، فضلًا عن لقاءاته مع وزير الخارجية الأمريكى الأسبق هنرى كيسنجر.

وخلال حواره فى بودكاست «موعد مع لميس»، قدم المعلم رؤية شاملة لواقع الثقافة المصرية ومستقبل صناعة النشر، محذرًا من مخاطر القرصنة وانتهاك حقوق الملكية الفكرية، ومؤكدًا أن مصر تمتلك مقومات قوة ثقافية كبرى، لكنها تحتاج إلى سياسات جادة لحماية هذه القوة وتنميتها. ننشر فى السطور التالية مقتطفات من هذا الحوار الشامل الذى تضمن جوانب فكرية وثقافية ورياضية عديدة.

● بعد أكثر من 60 عامًا فى عالم الثقافة والنشر.. هل ما زلت مؤمنًا بالحرية والتنوع وحرية الرأى؟

– بالتأكيد، فالثقافة والنشر لهما أسس، أهمها الحرية، وهى مفهوم واسع لا يشترط أن يتحقق بنسبة 100%، لكنه لا يمكن أن يكون منعدمًا. وتشمل الحرية حق الرأى والتعبير، والوصول إلى المعلومات، واستيراد الكتب وتصديرها، وضمان سلامة القارئ والناشر والمؤلف، وكلها ضرورية للإبداع والبحث العلمى وإنتاج المعرفة.

وهناك أيضًا حقوق الملكية الفكرية، وقبل ذلك كله التعليم، لأنه أساس الثقافة، وأهم عناصره اللغة، فنحن نفكر ونتعامل ونتحدث باللغة.

● هل تراجع إتقان اللغة العربية لدى الأجيال الجديدة يمثل أزمة ثقافية؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعى تعويض هذا الضعف؟

– بالتأكيد يمثل مشكلة، وهناك اعتقاد بأن الذكاء الاصطناعى سيعوض ضعف اللغة، بينما الحقيقة أن أهميتها تزداد فى عصره؛ فمن لا يمتلك حصيلة لغوية جيدة لن يستطيع طرح الأسئلة بصورة صحيحة، أو فهم الإجابات والاستفادة منها.

والأساس هو إتقان اللغة الأم، ثم تعلم لغات أخرى، لأن ضعف اللغة يؤدى إلى ضعف التفكير والتواصل والقراءة والتعلم والتعبير عن النفس.

● وصف وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى الحالة الثقافية فى مصر بأنها تعانى من «الوهن».. هل تتفق معه؟ وكيف يمكن لمصر استعادة ريادتها الثقافية؟

– أتفق مع جانب كبير مما قاله، أن مصر تمتلك مقومات هائلة تؤهلها لتكون قوة ثقافية كبرى، دون أن يعنى ذلك أنها تستطيع الحفاظ على مكانتها بمجرد الاعتماد على تاريخها أو الحديث عن ريادتها؛ فالقوة الثقافية لا تتحقق بالأمنيات، وإنما بالعمل على تنميتها وحمايتها ورعايتها حتى تزدهر، وإلا فإنها تتراجع.

لدينا تاريخ عريق وكوادر متميزة وميزات نسبية هائلة، لكن الثقافة، مثل أى مجال آخر، تحتاج إلى قياس وتقييم موضوعى لمعرفة حجم تأثيرها ونقاط قوتها وضعفها؛ فما لا نعرف حجمه ولا نقيسه بصورة صحيحة، لن نستطيع تقديره أو تطويره. وهناك مؤشرات ومعايير عالمية لقياس مختلف جوانب النشاط الثقافى، ولا يصح أن نخدع أنفسنا بالمبالغة فى أرقام الزوار والحضور، فالأهم أن نبدأ بقول الحقيقة.

● لكن معرض القاهرة للكتاب يستقطب أعدادًا هائلة من الزوار سنويًا.. ألا يعكس ذلك قوة مصر الثقافية؟ وما أبرز التحديات التى تهدد صناعة النشر؟

– معرض القاهرة للكتاب حالة فريدة، وأحد أبرز تجليات القوة الناعمة المصرية، وأكبر وأهم معرض للكتاب العربى والإسلامى، وتزداد أهميته بإقامته فى القاهرة، إحدى أبرز العواصم الثقافية. ولا تقتصر قوته على أعداد زواره، بل تمتد إلى تنوع جمهوره، خصوصًا الشباب، فمنهم القادر على شراء الكتب، ومنهم من يحلم باقتنائها ولا يستطيع، لكنه يحرص على زيارة المعرض تقديرًا للثقافة والمعرفة، كما شهد المعرض العام الماضى حضور ما لا يقل عن 500 مؤلف يوميًا لعرض كتبهم ولقاء القراء، وهو ما يعكس مكانته الثقافية الاستثنائية.

والناشرون المصريون والعرب يستحقون تحية كبيرة لجهودهم فى خدمة الثقافة رغم تحديات التعليم والرقابة والحريات والظروف الاقتصادية، فقد تراجع متوسط مبيعات الكتاب من 3 آلاف نسخة سابقًا إلى ألف أو 500 نسخة حاليًا، ما دفع بعض الناشرين إلى مضاعفة إصداراتهم السنوية من 50 إلى 100 كتاب لتعويض انخفاض المبيعات. وإذا لم تُحل مشكلاتهم ويُقدم لهم الدعم اللازم، فإن صناعة النشر فى العالم العربى بأكملها ستكون مهددة.

● كيف يمكن الحديث عن عصر ذهبى جديد للنشر فى ظل هذه التحديات؟

- الذكاء الاصطناعى يفتح أبوابًا مذهلة أمام النشر والطباعة وإتاحة المعرفة، لكنه يحمل أيضًا مخاطر شديدة، أبرزها التضليل وتزوير الحقائق والاعتداء على حقوق المؤلفين والناشرين. ولذلك فإن الاستفادة من هذه الثورة تتطلب حماية حقيقية للملكية الفكرية.

●    بالعودة إلى الحرية كيف ظهر عمالقة مثل العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ فى فترات لم تكن تتمتع بحرية كاملة؟

ــــ معظم هؤلاء نشأوا فى أجواء المحاولات الليبرالية التى أعقبت ثورة 1919، وكانت هناك مساحات من الحرية رغم القيود، فالحرية ليست دائمًا كاملة أو منعدمة، ويمكن للإبداع أن يستمر وفقًا للمساحات المتاحة.

والعقاد كان يرى أن الفن هو الحرية، كما كان لطه حسين موقف مشابه، إلى جانب أن هؤلاء امتلكوا مكانة كبيرة حتى فى فترات الاختلاف مع السلطة، وأذكر أن الرئيس جمال عبد الناصر قال عند تكريم العقاد: «الشعوب عندما تكرم النابهين من أبنائها فهى تكرم نفسها».

● هل يمتلك الجيل الحالى من الأدباء مواهب قادرة على ترك أثر يشبه كبار الكتاب والمفكرين؟

- لدينا مواهب كبيرة بالفعل، لكن لا يمكن أن نطلب ظهور شكسبير جديد أو متنبى جديد بقرار. العبقريات تحتاج إلى مناخ يساعدها على النمو.

لقد عاصرت شخصيات استثنائية مثل العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ وزكى نجيب محمود وصلاح عبد الصبور ويوسف إدريس ومصطفى محمود، لكننى أرى أيضًا مواهب مهمة فى الأجيال التالية، منها نورا ناجى وريم بسيونى وعمرو العادلى وأحمد مراد، فضلًا عن أسماء كثيرة تستحق الاهتمام.

● لماذا أصررت على أن يمثل نجيب محفوظ الثقافة العربية فى معرض فرانكفورت عام 2004؟

 
المعلم مع عمرو موسى وأعضاء اتحادات الناشرين  خلال تجهيزات المشاركة العربية فى معرض                                                             فرانكفورت الدولى للكتاب

 

- عندما اختيرت الثقافة العربية ضيف شرف للمعرض، كان المطلوب تحديد شخصية تلقى كلمة باسم الثقافة العربية، اقترحنا نجيب محفوظ، لكن ممثلى وزارات الثقافة طرحوا اسم الفنان عمر الشريف، واندهش رئيس المعرض الألمانى بشدة، وقال لى كيف يكون نجيب محفوظ موجودا وحاصلا على نوبل، ولا يكون هو المتحدث باسم الثقافة العربية؟، وحينها تواصلت مع عمرو موسى، الأمين العام لجامعة الدول العربية وقتها، وحُسم الأمر لصالح نجيب محفوظ، وألقى الكاتب محمد سلماوى كلمته.

وكانت المفاجأة أن كبار الناشرين الألمان تحدثوا بإعجاب شديد عن إنسانية محفوظ، وقالوا إنهم يتعلمون منها، وليس فقط من أدبه. وهذا جانب لم نعطه الاهتمام الكافى فى نقدنا العربى.

● ما قصة تقبيل الروائى العالمى باولو كويلو يد نجيب محفوظ؟

 

                                                                                                                                                                                      المعلم مع نجيب محفوظ

 

ــ عندما اصطحبت باولو كويلو لزيارة نجيب محفوظ، وفور فتح الباب فوجئت به ينحنى ويقبل يده، قائلًا: «أنا ببوس الإيد اللى علمتنى الأدب والإنسانية».

كان الموقف مفاجئًا لدرجة أن نجيب محفوظ نفسه ارتبك وسحب يده. وأدركت من هذه الواقعة، ومن أحاديث الناشرين العالميين، أن إنسانية محفوظ تمثل أحد أهم أسباب تأثيره العالمى.

● متى بدأت علاقتك بنجيب محفوظ؟ وما حكاية رواية «ثرثرة فوق النيل»؟

ــ شاهدته لأول مرة عندما كنت فى العاشرة أو الحادية عشرة من عمرى، وكان يسير فى شارع الجبلاية. أردت أن أسلم عليه لكن والدى رفض حتى لا نقطع عليه لحظة تأمله، وبعد سنوات، قرأت «ثرثرة فوق النيل» وأنا طالب بالجامعة، وفوجئت بما تتضمنه من معانٍ وإشارات خطيرة. تحدثت مع والدى، فنقل ملاحظاتى إلى محفوظ، وكان رده أنه كتب الرواية معتمدًا على ذكاء القارئ وغباء الرقابة والنقاد.

● لماذا كان نجيب محفوظ متخوفًا من إعداد أعمال أدبية للأطفال؟

ــ عندما عرضنا عليه تبسيط بعض أعماله للأطفال، أبدى خوفًا شديدًا، لأنه كان يدرك أن الكتابة للطفل لها معايير خاصة تختلف باختلاف المراحل العمرية.

وكان يخشى أن يؤدى التبسيط إلى تقديم عمل غير مناسب، ولذلك وضع شروطًا دقيقة، وقال لوالدى: «أنا ماليش دعوة.. إنت المسئول»، حتى إن والدى تولى عملية التبسيط بنفسه ليطمئن محفوظ إلى النتيجة.

● لماذا لجأ إليك نجيب محفوظ فى أزمة نشر «أولاد حارتنا»؟

ــ فوجئت باتصاله بى بعدما قررت بعض الأحزاب والمجلات نشر الرواية رغمًا عنه، بحجة أن العمل الأدبى ملك الجماهير وإبداع ملك الشعب مش ملكه، ومش مهم رأيه ولا مهم قراره!

كان غاضبًا للغاية، وقال لى: «أنا بلجأ إليك.. بيكسروا إرادتى وأنا عايش؟ أومال لما أموت هيعملوا إيه؟. ورغم أننى لم أكن ناشره، فإننى كنت رئيس اتحاد الناشرين المصريين والعرب وخضت معركة للدفاع عن حقه فى اتخاذ القرار بشأن نشر مؤلفاته فاحترام إرادة المؤلف جزء أساسى من حقوق الملكية الفكرية.

● عرفت أيضًا المفكر الكبير جمال حمدان، صاحب موسوعة «شخصية مصر».. كيف كانت شخصيته عن قرب؟

ــ راجل عبقرى، وحالة خاصة جدًا، يعيش فى عزلة وببساطة كبيرة. وكان ترتيب موعد معه يحتاج إلى مراسلات مسبقة والتزام دقيق.

ذهبت إليه لنشر كتابيه «استراتيجية الاستعمار والتحرير فى مصر» و«من خريطة مصر الزراعية»، وعندما عرضت عليه توقيع عقد وتقديم مبلغ تحت حساب حقوقه غضب وقال: «إنت بتهينى فى بيتى؟».

وأوضح أنه يريد نشر الكتابين أولًا، وإذا نجحا وحققا عائدًا يمكن مناقشة حقوق المؤلف بعد ذلك.

وتحدث معى أيضًا عن رؤيته للصراع العربى الإسرائيلى، ومشروعات فكرية جديدة كان يعتزم كتابتها، منها عمل موسوعى إسلامى ودراسة عن العلاقة بين اليهودية والصهيونية وإسرائيل

● هل تسببت علاقتك بمحمد حسنين هيكل فى مشكلات؟ وكيف تقيم مكانته؟

ــ كانت هناك بعض الحساسيات، لكن لم يتحدث معى أى مسئول رسمى بشأنها. وهيكل أحد أهم رموز القوة الناعمة الجبارة المصرية فى القرن العشرين. قد تتفق معه أو تختلف، لكنه امتلك قلمًا استثنائيًا وقدرات بحثية وتحليلية فذة، ومكانة دولية كبيرة.

وأذكر أنه طُلب منى التوسط لدى إحدى الصحف الإنجليزية، فتواصلت مع رئيس تحريرها، الذى حدد مبلغًا باعتباره الحد الأقصى للأجر. فقلت له إن محمد حسنين هيكل يتقاضى نحو 20 ضعف هذا المبلغ، فرد قائلًا: «الأستاذ هيكل من أهم الصحفيين فى العالم، سواء اتفقت معه أو اختلفت».

● كيف تتذكر أحمد كمال أبو المجد بعيدًا عن مكانته القانونية والدستورية؟

ــ كان يمتلك موهبة أدبية وشعرية فذة، وكان إنسانًا مرهفًا ورومانسيًا ومنفتحًا بدرجة كبيرة. وأذكر أن أحمد بهجت قال لى إن من نعم الله علينا أن أحمد كمال أبو المجد ومحمد حسنين هيكل لا يكتبان الأدب، وإلا لكانا منافسين شديدين للأدباء. وقد تعرض أبو المجد لشائعات واتهامات متناقضة، لكنها لم تعكس حقيقة شخصيته وقدراته.

● لو طلبت منك تحديد أبرز ثلاثة إنجازات وثلاثة إخفاقات فى مسيرتك.. ماذا تختار؟

ــ أعتبر تطوير كتاب الطفل من أهم إنجازاتى؛ فقد كان والدى يريد إنتاج كتاب طفل مصرى بالمستوى العالمى، وسافرت للاطلاع على التجارب الدولية، ثم بدأنا تقديم إصدارات تنافس عالميًا وتحصد الجوائز.

والمفارقة أن بعض الكتب التى حققت نجاحًا دوليًا لم تحقق النجاح نفسه محليًا، لأن بعض المسئولين عن شراء الكتب للمكتبات والمدارس لا يمتلكون المعايير المناسبة للاختيار، بينما يستطيع الأطفال أحيانًا اختيار الكتب الأفضل بأنفسهم.

وخلال مسيرتنا أصدرنا أكثر من 12 ألف عنوان، وبعنا أو وزعنا ما بين 60 و80 مليون نسخة، وطبعنا مئات الملايين من النسخ لصالح دور نشر ومؤسسات تعليمية أخرى. لكن الإنجاز الأهم ليس الأرقام، وإنما الجودة والتنوع واحترام القارئ والانفتاح على مختلف الاتجاهات الفكرية والثقافية.

● لماذا تأسست جريدة «الشروق»؟ وما الفكرة التى أردتم تقديمها؟

ــ أسسنا «الشروق» لتقديم صحافة مهنية وموضوعية وحرة، تقوم على احترام القارئ والتنوع والانفتاح على الأفكار المختلفة.

وهذه الفلسفة امتدت إلى النشر، حيث حرصنا على تقديم أعمال من ثقافات واتجاهات متعددة، وترجمة كتب من دول مختلفة، دون حصر المعرفة فى اتجاه فكرى واحد.

● ما أبرز إخفاقاتك المهنية؟

ــ من أكثر الأمور التى حاولت تحقيقها ولم أنجح فيها تطوير معرض القاهرة ليصل إلى مكانته الدولية التى يستحقها. كنت نائبًا لرئيس اتحاد الناشرين الدولى، وترأست لجنتى العضوية والمعارض، وحاولت الاستفادة من خبرات معرض فرانكفورت.

واستقبلنا رئيس المعرض الألمانى، الذى عرض التعاون وتقديم الاستشارات مجانًا، بل أكد أن القاهرة يمكن أن تصبح المعرض الأول للدول النامية. ورغم حماس وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى، فإن مقاومة التطوير من بعض الأطراف عطلت المشروع.

● هل تحتاج صناعة النشر المصرية إلى إصلاح تشريعى ومؤسسى؟

ــ بالتأكيد. اتحاد الناشرين المصريين تأسس عام 1951، ثم صدر قانون لتنظيمه عام 1965، فى ظل ظروف اقتصادية وسياسية مختلفة تمامًا.

ومنذ عام 1995 نحاول تطوير القانون دون نجاح كافٍ، رغم أن صناعة النشر المصرية تمتلك تاريخًا يمتد إلى القرن التاسع عشر، وكان الكتاب المصرى من أقدم الصادرات المصرية الحديثة وأكثرها انتشارًا، ووصل إلى مناطق بعيدة فى إفريقيا وآسيا.

● ما القضية التى تعتبر أنك لم تنجح فى حسمها رغم سنوات من العمل؟

ــ حماية حقوق الملكية الفكرية. لقد بذلنا جهودًا كبيرة داخل اتحادات الناشرين المصريين والعرب لمواجهة تزوير الكتب، لكننا نحقق نجاحًا ثم نتراجع عنه.

وما زالت الكتب المزورة موجودة ورقيًا وإلكترونيًا، دون إجراءات حاسمة تتناسب مع خطورة المشكلة.

المؤلف يقضى سنوات فى البحث والتعلم والكتابة، ثم يأتى من يسرق جهده وعائده الأدبى والمادى. وإذا لم نحمِ المؤلف، فكيف ننتظر منه الاستمرار فى الإبداع؟

مصر بلد عظيم، ولا يصح أن تظل صناعة النشر فيها مهددة بالتزوير والقرصنة، وحماية المؤلف ليست دفاعًا عن شخص واحد، وإنما دفاع عن مستقبل الثقافة والإبداع كله.

● هناك صورة شهيرة تجمعك بوزير الخارجية الأمريكى الأسبق هنرى كيسنجر.. ما قصتها؟


                                                                                                                                                                                       المعلم وهنرى كيسنجر

 

ــ بدأت القصة خلال وجودى فى مقر شبكة «CNN» لإجراء حوار مع فريد زكريا، نحو عام 2010، حيث التقيت هنرى كيسنجر فى غرفة الضيوف، وعرّفنى به الدكتور نواف سلام وزوجته سحر. وعندما علم أننى ناشر نجيب محفوظ ومحمد حسنين هيكل، قال إنه قرأ لمحفوظ، وإن هيكل صديقه رغم اختلافه مع بعض ما يكتبه عنه.

وقلت له إن لدينا اعتقادًا بأنه لم يكن موضوعيًا معنا فى الاتفاقات، فاعترف قائلًا: «ارتكبنا أخطاء، ومن أكبر أخطائنا أننا لم نأخذ أنور السادات على محمل الجد». وأوضح أن السادات أبلغ الإدارة الأمريكية باستعداده للسلام العادل، وإلا فإنه سيحارب، لكنهم استبعدوا قدرته على خوض الحرب.

وأضاف أن السادات أرسل مستشاره للأمن القومى حافظ إسماعيل برسالة مكتوبة وأخرى شفوية، وأنه كان يدوّن ملاحظات ساخرة إلى الرئيس نيكسون أثناء عرض الرسالة، قبل أن يفاجأ الأمريكيون بطرد الخبراء السوفيت ثم اندلاع حرب أكتوبر.

وأشار كيسنجر إلى أن مصر حققت نجاحًا فى بداية الحرب، قبل ظهور مشكلات الثغرة والحصار، وأن موقف نيكسون كان قد ضعف بسبب بدايات فضيحة ووترجيت، معتبرًا أنه لم يكن يستطيع التوصل إلى اتفاقات أكثر مما حققه.

والتقيت كيسنجر مجددًا فى معرض فرانكفورت للكتاب، خلال احتفال بصدور كتاب له عن الصين، بحضور كبار الناشرين فى العالم. وأثار دهشتى عندما قال إن حدود دول الشرق الأوسط رُسمت منذ أكثر من قرن، ولم تعد تتفق مع الجغرافيا والتاريخ والواقع الجديد، وإنها لا بد أن تتغير.

وعندما لاحظ انفعالى، قال لى إن مصر مختلفة، لأنها دولة عريقة ذات حدود ثابتة عبر التاريخ، وإنها قد تواجه أزمات كبرى، لكنها تتغلب عليها وتعود دولة كبيرة.

● عرفتَ كبار رموز الفكر والأدب، لكن ماذا عن الشاعر صلاح عبد الصبور؟ وكيف كانت علاقتك به؟

ــ جمعتنى بالشاعر صلاح عبد الصبور صداقة حميمة، ونشرنا مؤلفاته الكاملة، وأعتبره أعظم من تولى رئاسة هيئة الكتاب.

ومن المواقف غير المعروفة للكثيرين أنه تقدم باستقالته خلال أزمة مشاركة إسرائيل فى معرض القاهرة للكتاب وما صاحبها من مظاهرات، لكنه تراجع عنها بعدما أقنعه وزير الثقافة آنذاك منصور حسن بأن استمرارهما فى منصبيهما يتيح لهما الدفاع عن موقفهما.

واتفقنا وقتها على إنشاء مركز متخصص لنشر مختارات الشعر العربى القديم والحديث ودراساته النقدية، وكان يعمل على مسرحية شعرية جديدة بعنوان «عنتر بن شداد»، ووعدنى بتسليم مخطوطتها يوم الجمعة.

لكن فى الليلة السابقة، وخلال عشاء جمعه بعدد من الأدباء فى منزل الشاعر أحمد عبد المعطى حجازى، تعرض لاتهامات حادة بالخيانة بسبب موقفه من التطبيع مع إسرائيل، فانفعل بشدة وشعر بإعياء وصعوبة فى التنفس. وبدلًا من نقله فورًا إلى طبيب أو مستشفى، حاول الحاضرون مساعدته بالمشى فى الشارع، لكن حالته لم تتحسن، فنقلوه إلى مستشفى هليوبوليس، حيث توفى بعد وصوله ووضعه على السرير.

وفى اليوم التالى، ذهبت مع مصطفى حسين للبحث عن مخطوطة «عنتر بن شداد»، لكننا لم نعثر عليها، كما حاول آخرون، من بينهم الدكتور عز الدين إسماعيل، وفاروق خورشيد، لكننا لم نجده، رغم أن الشاعر عنتر مصطفى أكد أنه شاهده على مكتبه لكننا لم نتمكن من العثور عليه.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك