إعلان إثيوبيا عن حصولها على صفقة أسلحة روسية نوعية ومتطورة لحماية أمنها القومى وتعزيز قدراتها الدفاعية، يرفع بلا شك من منسوب تعنتها وتهربها من التوصل إلى اتفاق قانونى ملزم بشأن تشغيل سد النهضة، الذى يمثل خطرا وجوديا حقيقيا على مصر.
الصفقة الروسية التى تتضمن تسليم إثيوبيا الدفعة الأولى من 12 مقاتلة من طراز «سو-35»، وأربع بطاريات من منظومة الدفاع الجوى «إس-400»، تأتى بعد شهرين فقط من إبرام الولايات المتحدة وإثيوبيا اتفاقًا على رفع علاقاتهما الثنائية إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» فى مجالى الدفاع والأمن، بهدف توسيع التعاون المؤسسى وتعزيز التنسيق الاستراتيجى وتطوير العلاقات العسكرية والدبلوماسية لتشمل مجالات التدريب والتنسيق والاستخبارات.
رئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد، قال خلال الإعلان عن الصفقة الروسية على هامش مشاركته فى القمة الروسية الإفريقية فى موسكو، إن «هذه الخطوة تأتى فى إطار جهود بلاده لتعزيز قدرات قوات الدفاع الإثيوبية ورفع مستوى جاهزيتها، بما يسهم فى ردع التهديدات وتعزيز الأمن الوطنى»، معربا فى الوقت ذاته عن «تقديره للرئيس الروسى فلاديمير بوتين لتسليم موسكو الطائرات قبل الموعد المحدد فى الاتفاق بعام كامل».
فجرت صفقة الأسلحة الروسية الحديثة لإثيوبيا فيضا من الأسئلة والتكهنات وأيضا علامات التعجب بشأن الأسباب التى دفعت موسكو إلى أن تدير ظهرها إلى مصر ومصالحها الإستراتيجية رغم العلاقات الاقتصادية الهائلة والنووية الصاعدة التى تربطهما بالإقدام على مثل هذه الخطوة التى تقوى «عضلات» أديس أبابا فى مواجهة القاهرة، التى تتعمق لديها يوما بعد يوم المخاوف الوجودية حول أمنها المائى، نظرا لرفض إثيوبيا كل المحاولات الرامية إلى التوصل لاتفاق ينظم عمل سد النهضة.
لا شك أن الدول الكبرى مثل روسيا والولايات المتحدة لا تعتمدان فى علاقاتهما الخارجية على العواطف أو المجاملات أو تطييب الخواطر لأى طرف من الأطراف، وإنما تحركهما فى الأساس مصالحهما السياسية والاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية، وبالتالى فإن توطيد وتعميق وتوسيع تلك العلاقات مع إثيوبيا، خصوصا من جانب روسيا، يستهدف فى المقام الأول تعزيز دورها وحضورها كقوة دولية كبيرة فى القارة الإفريقية من أجل مواجهة ومحاصرة النفوذ الغربى المتزايد.
ثانيا.. إن الحديث عن موسكو أدارت ظهرها إلى القاهرة فى غير محله تماما، ويكفى للتدليل على ذلك تصريحات الرئيس بوتين خلال اجتماعه مع الرئيس السيسى فى موسكو على هامش القمة الروسية الإفريقية، حيث أكد أن مصر «من أهم شركاء روسيا الاستراتيجيين فى إفريقيا»، مشددا على أن «العلاقات التاريخية بين البلدين قائمة على الاحترام المتبادل والمنافع المشتركة» وأنها «تنمو بوتيرة متسارعة وتظل مستقرة رغم التوترات الدولية».
ثالثا.. هناك تقارير كثيرة تتحدث عن أن مقاتلات «سو-35» الروسية التى تستلمها إثيوبيا كانت جزءا من صفقة أبرمتها مصر مع روسيا قبل سنوات، لكنها عادت وتراجعت عنها، إما لكونها غير ملائمة ومناسبة وقادرة على تلبية الاحتياجات المصرية مثل طائرات الرفال، أو تجنبا وتفاديا للضغوط الأمريكية، التى يمكن أن تصل إلى تطبيق قانون «كاتسا»، الذى يفرض عقوبات على الدول أو الجهات التى قد تتعامل مع أطراف تعتبرهم الولايات المتحدة أعداءً لها.
هل معنى ما سبق أن صفقة الأسلحة الروسية لإثيوبيا غير مهمة؟ بالتأكيد لا.. فحصول أديس أبابا على مثل هذه القدرات المتطورة سوف يساهم فى زيادة تعنتها وصلفها فى سعيها نحو الاستفراد بنهر النيل، حيث تعتقد إثيوبيا أن الظروف مواتية لها لإحكام قبضتها وسيطرتها على النهر، والتصرف فيه كما لو كان مجرد «بحيرة داخلية»، وليس نهرا دوليا تحكمه القواعد والقوانين المنظمة لعمل الأنهار الدولية، كما ستحاول أديس أبابا إجبار القاهرة على القبول بالأمر الواقع والتعايش مع الألم والمخاطر التى يسببها سد النهضة لمصر، التى توجد على رأس قائمة الدول القاحلة بوصفها الدولة الأقل على الإطلاق من حيث معدل الأمطار بين جميع دول العالم.
القاهرة أعلنت عن مواقفها بوضوح وحزم الأسبوع الماضى، حيث قال الرئيس السيسى إن الرهان على قبول مصر بفرض الأمر الواقع، أو التفريط فى أمنها المائى «رهان خاسر»، وهو ما يؤشر إلى أن صفقة الأسلحة الروسية لإثيوبيا لن تمنع مصر من العمل على حماية حقوقها فى نهر النيل، الذى يعد شريان الحياة لشعبها، وأنها مستعدة لكل السيناريوهات فى المرحلة المقبلة، ليس فقط لإشعار إثيوبيا بأنه لا يمكن لها الإفلات ببناء سد النهضة من دون اتفاق قانونى ملزم ينظم عمله ويعالج شواغلها وقلقها الوجودى، ولكن أيضا وهذا هو الأهم قمع شهيتها المفتوحة لبناء سدود جديدة على النيل الأزرق بشكل أحادى، لأن المسألة تتعلق هنا بمصير ووجود الشعب المصرى.