يعتقد البعض أن الحكومة لا تحتاج إلى التركيز على سرد إنجازاتها فى «منتدى مصر» المزمع عقده خلال الشهر الجارى، بقدر ما يجب عليها طرح رؤية واقعية ومتكاملة ومتماسكة لآليات التعامل الجاد مع قضيتين أساسيتين تشكلان هاجسا حقيقيا للجميع، وهما طرق الخروج من الأزمة الاقتصادية الطاحنة التى تدهس المواطنين بقسوة، وكذلك الحفاظ على حقنا القانونى والتاريخى فى مياه نهر النيل من الشطط الإثيوبى.
حال اكتفاء الحكومة فقط بالحديث عن الإنجازات فإن ذلك لن يجدى نفعا لإقناع الناس مهما تم دعمه بالأرقام والإحصاءات والمعلومات الرسمية، طالما لم يشعر المواطن بانعكاساتها وتأثيراتها الإيجابية والصريحة والواضحة على مستوى معيشته وقدرته على تلبية احتياجاته الأساسية والمتطلبات الضرورية لحياته اليومية.
المستشار محمد عادل، المتحدث الرسمى باسم رئاسة مجلس الوزراء، قال الأربعاء الماضى إن «عدد المواطنين المسجلين على الموقع الإلكترونى للمنتدى تجاوز 50 ألف مواطن»، مشيرا إلى أنهم «طرحوا أكثر من 10 آلاف فكرة ومشاركة، جرت مراجعة ونشر ما يزيد على 2500 منها على موقع المنتدى، موزعة على 19 قطاعًا»، مشددا على أن هذه المقترحات تعكس اهتمامًا واضحًا من المواطنين بملفات قطاعات التعليم، والشباب والرياضة، والثقافة والإعلام ، وسوق العمل، وقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات».
أمر إيجابى أن تولى الحكومة الرأى العام أهمية قصوى، وأن تتفاعل مع شواغله وتساؤلاته بقدر واسع من المكاشفة والرؤية المستقبلية، لكن حصر النقاش فى هذه الملفات على الرغم من وجاهتها، وغياب أى حديث - حتى الآن - عن وضع الاقتصاد وعجز الموازنة وجذب الاستثمارات الأجنبية والديون المتراكمة ونهر النيل، يضيّع فرصة مهمة للتعامل الجاد مع جوهر الأزمة الحقيقية التى يعانى منها المواطنون، ويحول المنتدى إلى «مكلمة» بدلا من وسيلة للوصول إلى خريطة طريق للخروج من «عنق الزجاجة» الذى تعيش فيه البلاد منذ عقود من دون أى تغيير يذكر.
الرئيس السيسى، خلال كلمته الأسبوع الماضى فى ذكرى انتصارات أكتوبر المجيد، حدد بشكل كبير أهم القضايا التى تشغل بال المواطنين، خصوصا تداعيات الأزمة الاقتصادية وانعكاساتها الصعبة على الحياة المعيشية للناس، وكذلك الخطر الذى يحيق بمياه نهر النيل جراء محاولة إثيوبيا التلاعب بالحقوق التاريخية والقانونية لمصر، وتحويل هذا النهر إلى وسيلة تهديد لوجودها.
فالرئيس قال: «أعلم يقينا أن الأعباء المعيشية تثقل كاهل الأسر المصرية، وأقدر صبركم وتحملكم.. وأقول لكم بكل وضوح وصراحة إن الدولة لم ترتض الاكتفاء بإدارة المشكلات المتراكمة، عبر عقود طويلة دون حلها، وإننا رفضنا هذا النهج، واخترنا الطريق الأصعب والأشرف، بأن نتحمل مسئولية الإصلاح، وأن نواجه التحديات، ونضع الحلول الجذرية لها».
أما فيما يتعلق بنهر النيل؛ فقال إن «النيل هو شريان الحياة لمصر، وأساس وجودها عبر آلاف السنين، وحصتها المائية حق تاريخى راسخ، لا يقبل الانتقاص منه أو المساس به، وأن مصر لن تسمح بأى إجراء يمس أمنها المائى، وستواصل الدفاع عن هذه الحقوق، بكل الوسائل التى يكفلها القانون الدولى».
إذا كانت مؤسسة الرئاسة «تقدّر» صبر وتحمل المواطنين للظروف الاقتصادية والمعيشية القاسية التى تواجههم، وتستشعر الخطر الوجودى جراء سعى أديس أبابا للتحكم فى مياه نهر النيل، فإن الحكومة مطالبة بالعمل الجاد والحقيقى لوضع «خريطة طريق» واضحة تعلى من شأن فقه الأولويات الغائب منذ سنوات، وتحدد مهامها ومسئولياتها وترسم ملامح الخروج من دوامة التحديات الحالية بكل شفافية، وهو ما يعول عليه الكثيرون من عقد هذا المنتدى المزمع عقده هذا الشهر.
ينتظر الجميع خلال هذا المنتدى رسالة واضحة من الحكومة بالتقشف الحقيقى وترشيد الإنفاق وتعديل المسار والحد من الإنفاق على المشروعات التى لا تدر عائدا على المدى القصير، وتوجيه كل الطاقات لزيادة الصادرات وتعظيم مشاركة القطاع الخاص فى الاقتصاد وعدم منافسته أو التضييق عليه، والتوقف عن الاقتراض من الخارج ومعالجة أزمة الديون الحالية ورفع الأعباء الاقتصادية والمعيشية التى تثقل كاهل المواطنين ووقف سياط الأسعار التى تلهب ظهورهم، خصوصا وأن قدرتهم وطاقاتهم على الاحتمال قاربت على النفاد بعد سنوات من الصبر على تداعيات برنامج الإصلاح الاقتصادى.
ليس هذا فحسب، بل يجب أن تطرح الحكومة رؤية محددة وموقفا واضحا لإشعار إثيوبيا بأنه لا يمكن لها الإفلات ببناء سد النهضة من دون اتفاق قانونى ملزم ينظم عمله ويعالج شواغلها وقلقها الوجودى، وكذلك قمع شهيتها المفتوحة لبناء سدود جديدة على النيل الأزرق بشكل أحادى.