قتامة الروح والفردوس المنتظر - أسامة غريب - بوابة الشروق
السبت 17 أكتوبر 2026 7:56 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

قتامة الروح والفردوس المنتظر

نشر فى : السبت 17 أكتوبر 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : السبت 17 أكتوبر 2026 - 6:30 م

فى الطائرة العائدة من سنغافورة كنت أجلس مع زميلى بعد أن حضرنا مؤتمر الأياتا للطيران. إلى جوارنا جلس شاب أسيوى ممسكا بكتاب، كان يفتحه من وقت إلى آخر ثم يغلقه ويرنو إلى الأمام متطلعا إلى اللاشىء. همس لى زميلى بأن الكتاب بحوزة الشاب الآسيوى هو تعاليم بوذ.. قالها وهو يضحك وكأنها نكتة! لم أشاركه الضحك فلم يتأثر ثم باغتنى ووجه حديثه لجارنا قائلا: أراك تمسك بكتاب عن بوذا.. هل هذا صحيح؟ التفت الأسيوى إليه ثم أجاب: نعم. قال زميلى فى تبجّح: وهل يا ترى تؤمن بالأشياء الموجودة فى الكتاب؟ رد الشاب: هذا كتاب يدفع للتأمل ويبعث على الصفاء النفسى. بنفس الجليطة قال زميلى: ولكنه ليس كتابا سماويا، فكيف تفضله وتتأثر به فى وجود الكتب السماوية القادمة من عند الله .رد الأسيوى فى أدب: وهل تؤمن أنت بهذه الكتب التى تقول إنها سماوية؟ قال: أنا أؤمن بالقرآن وهو الكتاب الوحيد الذى لم يلحقه التحريف، أما الإنجيل والتوراة فرغم أنها من عند الله لكن تم تحريفها ثم أتى الإسلام ليضع الأمور فى نصابها. ثار فضول الشاب الأسيوى فتساءل: وهل يا ترى يؤمن المسيحيون واليهود بهذه الأديان السماوية؟ قال زميلى مرتبكًا: المسيحيون يؤمنون بالإنجيل والتوراة وينكرون القرآن وهذا طبيعى وإلا لأصبحوا مسلمين، واليهود يؤمنون بكتابهم فقط ولا يرون المسيحية والإسلام إلا هرطقات، وهذا أيضا طبيعى. قال الشاب الآسيوى مبتسما: وهل هناك فى رأيك فرق بين أمم استمعت إلى حكمة شيوخها الصالحين فتبعت تعاليمهم واهتدت بهديهم دون أن يزعم الحكماء أنهم رسل من عند الله، وبين أمم أخرى اضطر الإله ليتدخل بنفسه ويرسل إليها الرسل الذين نقلوا للناس تعليمات محددة بنصوص واضحة؟. كنت أتابع الحوار فى صمت دون أن أتدخل عندما وجدت زميلى يتصبب عرقا وهو يقول: أنا لا أقول إن الإله كرمنا بكثرة الرسل، ربما يكون كثرة الأطباء سببه استفحال الداء (كانت الجملة الأخيرة منقولة من الشيخ الشعراوى الذى كان زميلى يعشقه) قال الشاب الآسيوى: ربما يكون الإله قد أودع الحكمة لدى بوذا وغيره من الصالحين ثم تركهم يسعون مع قومهم بالهداية والنصح، وهذا نهج قد لا يعجبك لأنى أظنك من أنصار التدخل المباشر للإله برسائل محددة عن طريق رسل لا يخرجون عن كونهم سعاة بريد! هنا وجدت وجه زميلى يحتقن وردوده تأخذ منحى أقرب للوقاحة. قابل الآسيوى هذا بابتسامة معتذرا بأنه قصد التوصيف ولم يقصد الإهانة، لكن زميلى مضى يوبخه ويعيّره بأنه ينتمى لدين أرضى من تأليف رجل لم يبعثه الله، بينما هو (زميلى) ابن دين سماوى أتت كل تعاليمه عن طريق الملائكة من السماء مباشرة.
انصرف الآسيوى عن زميلى وفتح كتابه معاودا المطالعة والنظر للأفق بينما زميلى لم يتوقف عن محاضرته عن السماوى والأرضى وكيف أنهما لا يستويان.
سرحت مع نفسى فى الحوار الذى دار بجوار أذنى بين شخص فى غاية الهدوء وآخر فى غاية الهمجية الروحية إذا جاز استخدام التعبير. أنا أعلم أنه من المريح للإنسان أن يؤمن بالحياة الأخرى وبالجنة والنار.. هذا من شأنه أن يمنحه بعض الرضا ويساعده على احتمال قسوة الحياة، وأنه لأمر محبط أشد الإحباط أن يتصور الإنسان أن الشقاء فى الدنيا لا يتبعه بعد الموت سوى العدم.. هذا من شأنه أن يحول الفقراء والتعساء إلى مجرمين يسعون لنيل نصيبهم من الدنيا بالقوة مهما كانت العواقب ومهما بلغت شدة القوانين التى يضعها السعداء لحماية أسباب سعادتهم! من الأفضل إذا الاعتقاد بأن أيامًا جميلة تنتظر المرء عوضًا عن أيامه السيئة، وبأن حياة حالكة السواد تنتظر الذين ظلموه ثم لم يستطع أن يثأر منهم فى الدنيا. ومن الطبيعى أن أتباع كل دين يرضعون مع حليب أمهاتهم أنهم ذاهبون إلى الفردوس وحدهم باعتبارهم قد اتبعوا الهدى وآمنوا بالدين الصحيح، على العكس من الآخرين الذين اختاروا الإلحاد أو الشرك بالله. يؤمن المسلمون إذن بالآخرة وبالثواب والعقاب كما بشرهم الله فى كتابه العزيز، كذلك يؤمن المسيحيون واليهود. غير أن بعض أصحاب الديانات الأخرى فى آسيا بالذات لا يعتقدون بآخرة واحدة يجتمع فيها الخلق جميعا لينالوا حسابهم وإنما يعتقدون بتناسخ الأرواح وبأن الإنسان الواحد يمكن أن يعيش أكثر من حياة فى أكثر من عصر، ويجوز أيضا طبقا لمعتقداتهم أن يعود الكائن للحياة من جديد على أكثر من هيئة فمرة يكون إنسانا بشريًا ومرة يكون على شكل فيل وثالثة يكون ضفدعا وهكذا.. لذلك فإنهم يتعاملون مع الحيوانات والحشرات بتقدير ملحوظ ولا يقدمون على المساس بها خشية أن تكون روح شخص عزيز عليهم وقد حلت فى طائر مثلا! طبعا هى أفكار تبدو صادمة لأول وهلة، غير أن التأمل واستدعاء التواضع يجعل النظرة تميل إلى إنصاف هؤلاء الناس واحترام خصوصيتهم والنظر إلى اجتهاداتهم فى هذا الأمر باعتبارها جهدا بشريا نحترمه وإن لم نؤمن به. ولعل من مستوجبات احترام عقائد الآخرين وحياتهم الروحية أنها فى المجمل جزء من الرصيد الروحى للبشرية من شأنه أن يبعد بنا عن توحش المادة وغلظة سيطرة المحسوسات على حياتنا.
اللافت للانتباه لدى أصحاب هذه الحضارات المؤمنة بالتناسخ أنهم لم يدّعوا اتصال رموزهم بالسماء وإنما قنعوا بأن رجالا مثل بوذا وكونفوشيوس هم مجرد حكماء يساعدون الناس على الوصول للفضيلة والحياة الخالية من الضغينة التى تتلف الروح وتلوث الفكر. لم أستطع منع نفسى من عقد مقارنة فى خيالى بين زميلى الذى يتيه ويزهو على الآخرين بدينه السماوى رغم أنه لا يعرف جوهره ولا يعمل بتعاليمه على الإطلاق، وبين الآخر الهادئ الرشيد الذى لم يدّع اتصال حكمائه بالسماء ومع ذلك تعلم منهم الأدب والذوق على الأقل.. ولم تكن المقارنة فى صالح الزميل الذى سافرت معه لحضور اجتماع فى بلاد جميلة نظيفة يشفق زميلى على أهلها من جهنم التى تنتظرهم!

أسامة غريب روائي وكاتب ساخر
التعليقات