نميل فى حديثنا اليومى إلى تصنيف علاقاتنا ضمن ثنائية، هى: إما صحية أو سامة، مرضية أو محبطة. غير أن الواقع الإنسانى أكثر تعقيدًا؛ فمعظم العلاقات الإنسانية المهمة تحمل نفس القدر من الإيجابية والسلبية فى وقت واحد. بمعنى أوضح، يمكن للفرد أن يحب شريك حياته وينزعج فى نفس الوقت من عدم تحمله للمسئولية.
فى إطار علمى حديث أطلقه باحثون فى علم النفس لتقييم العلاقات عبر أربع صفات (إيجابى، سلبى، محايد، ومزدوج)، تسلط الدراسات الضوء على ما يُعرف بـ«العلاقات مزدوجة المشاعر» (Ambivalent Relationships). وتتميز هذه العلاقات بوجود مشاعر إيجابية وسلبية قوية تتصارع فى الوقت نفسه، وهو ما يختلف جذريًا عن "اللامبالاة" التى تغيب فيها المشاعر وتصبح العلاقة محايدة عاطفيًا. الازدواجية تعنى باختصار: «أنا أهتم كثيرًا، لكننى متمزق».
تقول كاتبة المقال فرانشيسكا ريجيتى بأن -أحيانًا- تكون بعض العلاقات مزدوجة المشاعر منذ بدايتها، حيث يرافق الدفء والترابط طباعٌ وتعقيدات لا تختفى بسهولة. وفى حالات أخرى، تتطور الازدواجية بمرور الوقت؛ فمع تغير الظروف وتزايد المسئوليات وضغوط الحياة، تتراكم المشاعر السلبية فوق الرصيد الإيجابى القديم دون أن تلغيه، ما يخلق حالة من التجاذب والتمزق العاطفى فى آن واحد.
تؤكد الأبحاث أن الوجود فى علاقة مزدوجة يسبب إجهادًا كبيرًا؛ فالإنسان لا يرغب فى الشعور بالشد فى اتجاهين متعاكسين نحو شخص يهمه. هذا التوتر لا ينعكس فقط على تقويض جودة العلاقة والرفاه النفسى، بل يمتد إلى الجسد؛ حيث ترتبط ازدواجية المشاعر بارتفاع ضغط الدم وزيادة المؤشرات المبكرة لمخاطر أمراض القلب.
ولأن الشخص المتردد يظل مشغولًا بـ«حل» هذه الازدواجية، فإنه يدخل فى دوامة من التفكير الذى يتأرجح يوميًا بين أفكار بناءة للإصلاح وأخرى مدمرة تركز على العيوب. هذا التذبذب يتجلى فى سلوكيات متناقضة: التودد فى يوم، والانسحاب أو الانتقاد فى اليوم التالى.
لا تقتصر أضرار الازدواجية على صاحبها، بل تتعداه إلى المتلقى. إن تعريض الشريك لإشارات مختلطة وتحولات مفاجئة من الدعم إلى الجفاء يسلبه الشعور بالأمان والاستقرار، ويجعله يرى شريكه شخصًا غير متوقع وصعب الفهم. ونتيجة لذلك، يواجه متلقو الازدواجية مستويات أعلى من التوتر، ومزاجًا أكثر سوداوية وانخفاضًا عامًا فى الرضا عن الحياة.
رغم هذا التوتر، تحمل الازدواجية فى طياتها خبرًا إيجابيًا: فهى دليل على أن العلاقة لا تزال مهمة وذات معنى؛ إذ لو كانت بلا قيمة لتحولت المشاعر إلى لا مبالاة وتلاشى الاستياء والتأثر تمامًا.
خلاصة القول، تمثل الازدواجية «ضوءًا أصفر يرتعش»؛ فهى ليست إشارة للانفصال ولا لاستمرار العلاقة، بل دعوة صريحة للتأمل والانتباه. وما دام أن هناك رصيدًا إيجابيًا يمكن البناء عليه، ورغبة حقيقية فى الإصلاح، فإن إدراك هذه المشاعر المختلطة يعد الخطوة الأولى لإعادة ضبط العلاقة، وتوضيح الاحتياجات، وإنقاذها قبل أن تنزلق نحو القاع المظلم لـ«اللا مبالاة».
فرانشيسكا ريجيتى
موقع Psyche
مرجعة وتحرير: وفاء هانى عمر
النص الأصلى:
https://tinyurl.com/2st2uvnj