مهرجان الإسكندرية يعود.. لكن أى مهرجان نريد؟ - خالد محمود - بوابة الشروق
الجمعة 2 أكتوبر 2026 8:43 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

مهرجان الإسكندرية يعود.. لكن أى مهرجان نريد؟

نشر فى : الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 7:10 م

عودة مهرجان الإسكندرية السينمائى الدولى لدول البحر المتوسط إلى خريطة المهرجانات المصرية ليست مجرد خبر عن استئناف فعالية توقفت، فالمهرجان الذى ارتبط طوال عقود بمدينة الإسكندرية وبالسينما المتوسطية، أصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية للمدينة، ومن تاريخ المهرجانات السينمائية المصرية

لذلك فإن إعلان الدكتور عبدالعزيز قنصوة، وزير التعليم العالى والقائم بأعمال وزير الثقافة، خلال اجتماع اللجنة العليا للمهرجانات بتشكيلها الجديد، عودة المهرجان بتنظيم من وزارة الثقافة، يفتح الباب أمام نقاش يتجاوز فكرة العودة ذاتها، إلى سؤال أكثر أهمية: أى مهرجان نريد أن يعود؟

هذا هو السؤال الحقيقى، فالقرار يأتى بعد أزمة مر بها المهرجان خلال الفترة الأخيرة، وعدم إقامة دورته الثانية والأربعين، وما صاحب ذلك من ملاحظات ومناقشات حول إدارته ومستقبل، ومن الطبيعى، فى هذه الحالة، أن تكون العودة فرصة لإعادة النظر فى التجربة وليس فقط استئناف ما توقف.

لكن أكثر نقاط القرار إثارة للنقاش هى انتقال تنظيم المهرجان من الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما إلى وزارة الثقافة.

فهذه الجمعية ارتبط اسمها بالمهرجان على مدى سنوات طويلة، وكانت تتولى تنظيمه تحت رعاية وزارة الثقافة، وبالتالى فإن الصيغة الجديدة تطرح سؤالًا مشروعًا حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل نحن أمام تدخل مؤقت من الوزارة لإعادة المهرجان إلى مساره بعد الأزمة أم أمام تغيير دائم فى الجهة التى تتولى تنظيمه؟


.. الفرق بين الاحتمالين كبير.

فإذا كان الهدف هو توفير الدعم والاستقرار وضمان عودة المهرجان، فمن الطبيعى أن يكون للدولة دور واضح، خصوصًا أن المهرجانات السينمائية أصبحت جزءًا من القوة الناعمة للثقافة المصرية. أما إذا كان الأمر يتعلق بتغيير دائم فى نموذج الإدارة، فإننا أمام قضية تحتاج إلى نقاش أوسع حول العلاقة بين الدولة والكيانات المهنية فى إدارة المهرجانات.

ولا أعتقد أن القضية ينبغى أن تتحول إلى سؤال من نوع: الوزارة أم الجمعية؟

السؤال الأهم هو: أى صيغة تستطيع أن تقدم مهرجانًا أكثر استقرارًا وتطورًا واستقلالًا فى قراره الفنى؟

فالوزارة تمتلك إمكانات مؤسسية ومالية يمكن أن تمنح المهرجان قدرًا أكبر من الاستقرار، لكن المهرجان السينمائى ليس مجرد ميزانية وتنظيم وضيوف، هناك اختيار الأفلام، والبرامج، ولجان التحكيم، والاتجاهات الفنية، والعلاقة مع السينمائيين والنقاد والجمهور، وكلها تحتاج إلى رؤية وخبرة سينمائية ومساحة واضحة للقرار الفنى.

وفى المقابل، فإن ارتباط المهرجان بجمعية مهنية لا يعنى أن الصيغة السابقة يجب أن تستمر بالضرورة كما هى.. فالأزمة التى مر بها المهرجان تفرض مراجعة حقيقية لطريقة الإدارة، وآليات اتخاذ القرار، وكيفية التقييم والمحاسبة.
ولهذا ربما تكون الفرصة متاحة الآن لصياغة علاقة جديدة بين الوزارة والجمعية، تقوم على وضوح المسئوليات بدلًا من الصراع على الاختصاصات: الدولة توفر الدعم والرعاية والاستقرار المؤسسى، بينما تحظى الإدارة الفنية للمهرجان بالمساحة اللازمة لاتخاذ قراراتها وفق معايير سينمائية واضحة.

لكن قضية الإدارة ليست وحدها التى تحتاج إلى مراجعة.

مهرجان الإسكندرية فى حاجة أيضًا إلى استعادة خصوصيته، فكونه مهرجانا لدول البحر المتوسط يجب ألا يبقى مجرد عنوان، وإنما ينبغى أن يتحول إلى هوية فنية واضحة، من خلال اكتشاف سينمات المنطقة، والتعريف بمواهبها الجديدة، وفتح حوار حقيقى حول القضايا المشتركة، وربط السينما المصرية بالفضاء المتوسطى.

كما أن المهرجان يحتاج إلى علاقة أقوى بمدينة الإسكندرية نفسها، فمن المهم أن يشعر جمهور المدينة بأن المهرجان جزء من حياتها الثقافية، وليس مجرد حدث يقام فيها، ويمكن أن تمتد فعالياته إلى الجامعات والمراكز الثقافية والمساحات السينمائية المختلفة، مع اهتمام أكبر بالشباب والجمهور الجديد.

وهنا يصبح اختيار رئيس المهرجان المقبل قضية مهمة، لكن الأهم من الاسم هو أن تكون هناك رؤية واضحة وصلاحيات محددة.

من يضع السياسة الفنية؟ من يختار الأفلام؟ من يشكل لجان التحكيم؟ ما دور الوزارة؟ وما دور الجمعية؟ وكيف تتم المحاسبة والتقييم؟

الإجابة عن هذه الأسئلة منذ البداية يمكن أن تمنع عودة الخلافات نفسها فى المستقبل.

ومن هنا، فإن عودة مهرجان الإسكندرية يمكن أن تكون أكثر من مجرد استعادة لدورة غائبة.. يمكن أن تكون فرصة لإعادة بناء التجربة على أسس أكثر وضوحا، والاستفادة من الدروس التى كشفتها الأزمة الأخيرة.
المهرجان لا يحتاج فقط إلى أن يعود، وإنما يحتاج إلى أن يعود بفكرة جديدة عن نفسه.

أن يحافظ على تاريخه، من دون أن يصبح أسيرًا له، وأن يستفيد من دعم الدولة، من دون أن يفقد هويته الفنية، وأن يحترم دور المؤسسات المهنية، من دون أن يتجاهل ضرورة التطوير والمراجعة.

فى النهاية، السؤال ليس فقط: متى يعود مهرجان الإسكندرية؟

لقد جاءت الإجابة: سيعود.

لكن السؤال الأهم الذى يجب أن يشغل الوسط السينمائى الآن هو:

عندما يعود مهرجان الإسكندرية.. أى مهرجان نريد أن نراه؟

مهرجان يستأنف ما توقف فقط أم مهرجان يستفيد من أزمته ليبدأ مرحلة جديدة أكثر قوة ووضوحًا؟

خالد محمود كاتب صحفي وناقد سينمائي
التعليقات