ليست كل الأفلام التى تتناول المعاناة الإنسانية أفلامًا عن الهزيمة، كما أن التقدم فى العمر لا يعنى بالضرورة أن الإنسان استنفد أحلامه، أو أن عليه أن يتخلى عما تبقى له من رغبات.
أحيانًا تصبح القدرة على الاستمرار، والتمسك بهدف يبدو بعيد المنال، شكلًا من أشكال المقاومة، وإعلانًا عن أن الحياة لا تفقد معناها ما دام هناك ما يستحق الدفاع عنه.
من هذه المنطقة الإنسانية العميقة ينطلق الفيلم المغربى «حليمة»، للمخرج ياسين الإدريسى، الذى نافس بمهرجان الجونة السينمائي، ليقدم تجربة سينمائية مدهشة، تتجاوز حدود الحكاية المباشرة إلى أسئلة أكثر اتساعًا عن الذاكرة والكرامة والانتماء، وعن العلاقة المعقدة بين الإنسان وماضيه، وبين ما يختاره بإرادته وما تدفعه إليه ظروف الحياة.
تعيش حليمة، وهى امرأة فى السادسة والثمانين من عمرها، بالقرب من البحر، وتعتمد على جمع بلح البحر وبيعه لتأمين احتياجاتها اليومية.
تبدو حياتها بسيطة، محكومة بإيقاع العمل المتكرر، وبعلاقة وثيقة بالمكان الذى اعتادت العيش فيه، لكن اتصالًا هاتفيًا مفاجئًا يقطع هذا الهدوء، ويعيد إليها ماضيًا ظنت أنها تركته وراءها، مرتبطًا بتجارة «القنب» غير المشروعة، لتبدأ مواجهة جديدة مع تاريخ لم تستطع السنوات محوه.
هنا، لا يستخدم ياسين الإدريسى الماضى باعتباره مجرد سر درامى يهدف إلى مفاجأة المشاهد، بل يجعله مفتاحًا لفهم الشخصية، وإعادة النظر فى حياتها واختياراتها.
فمع انكشاف طبقات من ماضى حليمة، تتغير صورتها أمامنا، وندرك أن المرأة التى تبدو للوهلة الأولى بسيطة وهادئة تحمل فى داخلها حكاية أكثر تعقيدًا مما توحى به ملامحها وحياتها اليومية.
ما يمنح «حليمة» عمقه الإنسانى هو أن صراع بطلته لا ينفصل عن علاقتها بالمكان، فالبيت والأرض ليسا مجرد ممتلكات يمكن تعويضها، وإنما يمثلان امتدادًا للذاكرة، وجزءًا من الهوية، وشكلًا من أشكال الاستقرار الذى يصعب التفريط فيه بعد سنوات طويلة من المعاناة.
ومع تغير الظروف المحيطة بها، تصبح حليمة أمام اختبار قاسٍ: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على حياته التى يعرفها، حين تتقلص الخيارات المتاحة أمامه، وتصبح أبسط احتياجاته اليومية معركة مستمرة؟ وكيف يمكن أن نحكم على اختياراته من دون أن نفهم السياق الاجتماعى والاقتصادى الذى أحاط به؟
لا يمنح الفيلم بطلته حصانة أخلاقية، ولا يحاول تبرير كل ما فعلته فى الماضي، لكنه يرفض أيضًا اختزالها فى أخطائها، وهذه إحدى أهم نقاط قوته، إذ يترك للشخصية حقها فى أن تكون إنسانًا مركبًا، يجمع بين الضعف والقوة، وبين الأخطاء والرغبة فى الاستمرار.
ومن خلال هذه المقاربة، تتحول الحكاية من قصة امرأة مسنة تواجه ماضيها إلى تأمل فى قدرة الإنسان على التمسك بحقه فى الحياة، حتى حين لا تكون خياراته سهلة أو خالية من التناقضات، فالأرض هنا ليست خلفية للأحداث، بل جزء من الصراع نفسه، وسبب من أسباب إصرار حليمة على ألا تستسلم.
إذا كان بناء الحكاية يمنح الفيلم تماسكه، فإن أداء خديجة العمارى يمنحه جانبًا كبيرًا من قوته وتأثيره، ففى تجربتها الأولى فى البطولة السينمائية، تنجح فى حمل شخصية حليمة بكل ما تختزنه من تناقضات، وتمنحها حضورًا إنسانيًا يصعب تجاهله.
تكمن أهمية هذا الأداء فى أنه لا يتعامل مع عمر الشخصية باعتباره وسيلة جاهزة لاستدرار التعاطف، ولا يحصرها فى صورة المرأة المسنة التى تنتظر شفقة الآخرين، حليمة امرأة لها إرادتها الخاصة، وتاريخها، ومواقفها، وتبدو فى كثير من الأحيان أكثر صلابة مما قد نتوقعه من ظروفها.
وتنجح العمارى فى التعبير عن هذه الصلابة من دون أن تفقد الشخصية هشاشتها الإنسانية، فهى لا تقدم نموذجًا بطوليًا تقليديًا، ولا تجعل من حليمة شخصية استثنائية بمعزل عن واقعها، بل تقترب منها باعتبارها امرأة عاشت طويلًا، ودفعت أثمانًا باهظة، وما زالت تقاوم بطريقتها الخاصة.
ومن اللافت أن الممثلة لا تحتاج إلى الإفراط فى التعبير كى تنقل ما يعتمل داخل الشخصية، فالتفاصيل اليومية، وطريقة حضورها فى المكان، وما يطرأ عليها مع عودة الماضي، كلها عناصر تسهم فى بناء صورة امرأة لا يمكن اختزالها فى عمرها أو ظروفها الاجتماعية.
إنها بطولة تقوم على الصدق والقدرة على احتواء الشخصية، لا على الاستعراض، وهو ما يجعل فوز خديجة العمارى بجائزة أفضل ممثلة فى مهرجان شنجهاى السينمائى الدولى، وتنويها خاصًا من مهرجان الجونة، تتويجًا لتجربة تستحق التوقف عندها.
فى تجربته الروائية الطويلة الأولى، ينجح ياسين الإدريسى فى بناء عالم سينمائى متماسك، مستفيدًا من خبرته السابقة فى التصوير الصحفى والأفلام الوثائقية والقصيرة، وتبدو هذه الخلفية حاضرة فى اهتمامه بالتفاصيل اليومية، وبالوجوه والأمكنة، وبالحكايات التى قد تمر فى الحياة العادية من دون أن يلتفت إليها أحد.
يعتمد الفيلم على التنقل بين الحاضر والماضي، لا باعتباره حيلة سردية فحسب، بل وسيلة للكشف التدريجى عن شخصية حليمة، وإظهار أثر التجارب القديمة فى حياتها الراهنة، فكلما انكشفت طبقة جديدة من ذاكرتها، اكتسبت مواقفها الحالية دلالة مختلفة، وأصبح فهمها أكثر تعقيدًا.
وتنبع قوة هذا البناء من أنه لا يفصل بين الحكاية الشخصية والظروف المحيطة بها، فالماضى ليس مجرد ذكريات تستعيدها البطلة، وإنما قوة تواصل تأثيرها فى حاضرها، فيما يظل المكان شاهدًا على التحولات التى مرت بها حياتها.
كذلك، تسهم اللغة البصرية الواقعية، القائمة على الإضاءة الطبيعية والأصوات المحيطة، فى الاقتراب من عالم الشخصيات، بعيدًا عن الزخرفة التى قد تضع مسافة بين المشاهد والواقع الذى يراه، وتبدو الصورة هنا جزءًا من نسيج الحكاية، لا مجرد إطار جمالى لها.
والأهم أن الإدريسى لا يحول أفكاره إلى شعارات مباشرة، بل يتركها تنمو داخل الأحداث، ومن خلال سلوك الشخصية وعلاقتها بالمكان، وهو ما يمنح الفيلم تماسكًا فنيًا، ويجعله الأسئلة التى يثيرها امتدادًا طبيعيًا للحكاية، لا إضافات مفروضة عليها.
بالنسبة إليّ، تكمن القيمة الأهم فى «حليمة» فى أنه يعيد طرح سؤال جوهرى عن معنى البقاء، فهل يستمر الإنسان فى الحياة لمجرد أنه لم يمت، أم لأن لديه ما يدفعه إلى الاستيقاظ كل يوم، والعمل، والدفاع عن شىء يؤمن بأنه يستحق؟
لا يقدم الفيلم إجابة سهلة، لكنه يجعلنا نتأمل فى قيمة الهدف ذاته، وفى قدرة الحلم على منح الحياة معناها، حتى حين تصبح الظروف أكثر قسوة من قدرة الإنسان على تغييرها، وقد لا يكون الانتصار دائمًا فى تحقيق ما نريده كاملًا، بل فى الاحتفاظ بحقنا فى المحاولة، وفى ألا نسمح للعالم بأن ينتزع منا كل ما نؤمن به.
من هنا، يصبح التمسك بالأرض دفاعًا عن الذاكرة والهوية، ويصبح العمل اليومى، رغم مشقته، فعلًا من أفعال الاستمرار، فيما تتحول مواجهة الماضى إلى اختبار لقدرة الإنسان على التصالح مع حياته، بكل ما فيها من أخطاء وخسارات.
«حليمة» نموذج سينمائى إنسانى مدهش، تتكامل فيه حكاية محكمة مع أداء تمثيلى استثنائى، ورؤية إخراجية تعرف كيف تقترب من الإنسان من دون أن تصدر أحكامًا جاهزة عليه، وهو فيلم يتركنا أمام حقيقة بسيطة وعميقة فى الوقت نفسه: أن الحلم ليس امتيازًا للشباب، وأن التمسك بالحياة لا يعنى غياب الألم أو الخسارة، بل القدرة على مواصلة الطريق رغم وجودهما.
إنها سينما تذكرنا بأن وراء كل وجه عادى تاريخًا لا نعرفه، ووراء كل إصرار حكاية قد لا تظهر على السطح، وفى النهاية، لا تبدو حليمة امرأة تقاوم الزمن وحده، بل إنسانة تدافع عن حقها فى أن تظل صاحبة قرار، وأن تحتفظ بما يمنح حياتها معناها، مهما كان الثمن.