لست فى وارد إعطاء دروس لزملائى الصحفيين، أو أن أنشغل بتصيد أخطاء أحدهم. ومع ذلك، أؤمن بأهمية التأهيل العلمى والتخصص والتدريب والخبرة العملية فى مهنة الصحافة، وأرى أن أداء الصحفى أمام رئيس دولة يستحق النقاش، خصوصًا أن فرصة السؤال قد لا تتكرر. وقد أعاد الجدل حول بعض الأسئلة فى المؤتمرات الرئاسية إلى ذهنى مواقف عشتها خلال سنوات تغطية المؤتمرات الصحفية للمنظمات الدولية والزيارات الرسمية للرؤساء والوزراء.
أولًا، لا أفهم لماذا يعتبر البعض كتابة السؤال مسبقًا دليلًا على ضعف الصحفى أو عدم إجادته اللغة. أتذكر زملاء مخضرمين يعملون فى وكالات عالمية يكتبون أسئلتهم قبل طرحها وأحيانا يقرأونها من ورقة أو جهاز «لاب توب» أمامهم. وكنت أفعل الشىء نفسه فى كثير من الأحيان؛ فالسؤال الذى يبدو بسيطًا قد يحتاج إلى جهد كبير فى التحضير. عليك أن تعرف ما الذى تريد الوصول إليه، وأن تصوغه بوضوح فى أقل عدد ممكن من الكلمات.
وثانيا، هناك جانب من كواليس المؤتمرات الصحفية قد يبدو غريبًا لمن لم يعايشه؛ فالمكاتب الإعلامية للمنظمات الدولية تتواصل أحيانًا مع الصحفيين قبل المؤتمر، خصوصًا مراسلى وكالات الأنباء العالمية، لمعرفة الموضوعات التى يعتزمون السؤال عنها، أو لترتيب فرص مشاركتهم.
قد يتصور البعض أن مجرد هذا التواصل يطعن فى استقلال الصحفى. ومن واقع تجربتى، لا أرى الأمر بهذه البساطة؛ فهناك فرق كبير بين أن يعرف المسئول الإعلامى موضوع السؤال، وأن يفرض على الصحفى صياغته أو مضمونه. وتبدأ المشكلة عندما تصبح فرصة الوصول إلى المسئول مكافأة على سؤال مريح، أو ثمنا لتغطية إيجابية، أو جزءا من صفقة تتعلق بتسريب معلومات.
• • •
أما فى المؤتمرات المشتركة بين الرؤساء، فقد يقترح موظف أو مسئول سؤالا يتصل بالعلاقات الثنائية، أو يلفت انتباه الصحفى إلى قضية حساسة قد يكون من الأفضل، فى رأى ذلك المسئول، تجنبها. ومن الطبيعى أن يفهم الصحفى طبيعة المناسبة والاعتبارات المرتبطة بعلاقات بلده مع الدولة المضيفة أو الضيفة. لكن عليه أن يزن هذه الاعتبارات بنفسه، وأن يتحمل مسئولية السؤال الذى يختار طرحه.
وأذكر هذه التفاصيل لأن العمل الصحفى لا يجرى فى فراغ. هناك بروتوكول، وترتيبات أمنية، ومكاتب إعلامية، ومسئولون يملكون تنظيم فرص الوصول. والصحفى المحترف يعرف كيف يتعامل مع كل ذلك دون أن يسمح لأحد بأن يحل محله فى اتخاذ القرار المهنى.
هناك أمر آخر يبدو صغيرًا، لكنه من أساسيات هذه المؤتمرات: أن يقدم الصحفى نفسه قبل السؤال، فيذكر اسمه ومؤسسته وبلده باختصار. ثم يدخل مباشرة إلى الموضوع الذى أعد له؛ فالوقت محدود، وربما ينتظر عشرات الصحفيين فرصتهم.
أعتقد أن أسوأ ما يمكن أن يفعله صحفى حصل على فرصة لسؤال رئيس دولة هو أن يهدرها فى مقدمة طويلة من عبارات الإشادة والمجاملة؛ فالمسئول لا يحتاج إلى صحفى يذكره بإنجازاته، والجمهور ينتظر معلومة أو توضيحا لموقف أو إجابة عن قضية تشغله.
أتوقف أيضًا عند وضع الصحفى المندوب لتغطية جهة رسمية فى بلده، أو المرافق لوفد رسمى خلال زيارة خارجية. قد تقدم له تلك الجهة تسهيلات تتعلق بالسفر والاعتماد والدخول إلى الفعاليات، وقد تفرض طبيعة الزيارة التزامًا دقيقًا بالإجراءات الأمنية والتنظيمية للدولة المضيفة.
ومن السذاجة تجاهل أن هذه العلاقة قد تضع الصحفى أمام اختبارات صعبة؛ ففرص الوصول محدودة، والجهة التى سهلت مهمته قد لا يرضيها ما يكتب أو يسأل. وهنا تظهر قيمة الاستقلال المهنى، الذى يحتاج أحيانًا إلى قدر من الجسارة، وإلى مؤسسة صحفية تقف وراء مراسلها؛ فالاعتماد الصحفى وسيلة لتمكينه من أداء عمله، وليس مقابلا للتنازل عن استقلاله.
• • •
أخيرًا، هناك ملاحظة مصرية أجدها جديرة بالنقاش، تتعلق بما أسميه «عقدة الأكسنت». فقد يتردد صحفى مصرى فى طرح سؤال بالإنجليزية أمام مسئول أجنبى، خشية ما قد يتعرض له من سخرية على مواقع التواصل الاجتماعى المصرية. والمفارقة أن الأجانب الذين يحضرون المؤتمرات الدولية اعتادوا سماع الإنجليزية بعشرات اللكنات.
سمعت بنفسى لكنات هندية وصينية وشرق آسيوية وشرق أوروبية، بعضها احتجت إلى تركيز إضافى لفهمه. وسمعت اختلافات فى نطق الحروف تجعل حرف «H» يقترب من الخاء، فتتحول «حبيبى» مثلا إلى «خبيبى»! ولا أفهم لماذا يتكلف بعض المصريين فى تقليد اللكنة البريطانية أو الأمريكية بقدر من التصنع والميوعة، سعيا للوصول للنطق بلكنة لن يصلوا إليها فى غالب الأحيان.
بالطبع، لا علاقة لهذا بالتساهل مع الأخطاء فى نطق أسماء الأماكن والمؤسسات والشخصيات، أو الركاكة فى بناء السؤال. هذه أخطاء تستحق النقد، تمامًا كما يستحقه ضعف الإعداد أو الإفراط فى المجاملات. ما أتمناه أن ننشغل بالسؤال الذى طرحه الصحفى، وبالإجابة التى حصل عليها، أكثر من انشغالنا بمدى اقتراب نطقه من لهجة أهل لندن أو واشنطن. ففى النهاية، قد يغفر الجمهور للصحفى لكنته المصرية، لكن من الصعب أن يغفر له إهدار فرصة السؤال.