وجد لبنان نفسه، خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، غارقًا فى حروب لم تؤدّ سوى إلى تفاقُم وضعه الاقتصادى، الذى كان يعانى أصلًا جرّاء أزمة حادة منذ سنة 2009.
تحتاج الدولة اللبنانية إلى مساعدات خارجية عاجلة لإنعاش اقتصادها وإعادة إعمار الأضرار التى خلّفتها الحروب، لا سيما فى أوساط السكان الشيعة فى الجنوب؛ كذلك يواجه حزب الله نفسه وضعًا اقتصاديًا وماليًا صعبًا، فى أعقاب قراره بشأن الانضمام إلى حركة حماس وفتح جبهة إسناد للفلسطينيين فى 8 أكتوبر 2023، ثم قراره لاحقًا استئناف القتال، بعد نحو نصف عام على وقف إطلاق النار، الذى بدأ فى 27 نوفمبر 2024، واستمر حتى مارس 2026.
وتُطرح على جدول الأعمال المعضلة التالية: هل يمكن تقديم مساعدات اقتصادية للبنان، وكيف يمكن ذلك فى ظل قيادته الحالية مع الحفاظ على الضغوط الرامية إلى إضعاف حزب الله، ومنع احتمال توظيف هذه المساعدات لخدمة التنظيم والإبقاء على تبعية السكان الشيعة له؟
• • •
أدّت مشاركة حزب الله فى حرب السيوف الحديدية، فى أكتوبر 2023 - نوفمبر 4202؛ إلى إلحاق أضرار جسيمة بالدولة اللبنانية، مباشرة وغير مباشرة، أضيفت إلى الأضرار الناجمة عن الأزمة الاقتصادية فى لبنان.
ووفقًا لمعطيات البنك الدولى، انكمش الاقتصاد اللبنانى بنسبة 40% فى الفترة 2019/2024؛ ومع ذلك، سُجّل، عقب وقف إطلاق النار فى سنة 2025، اتجاه طفيف نحو التعافى، تمثلَ فى نمو بنسبة 4.7%، لكن هذا الاتجاه انعكس بعد استئناف القتال فى مارس 2026.
وفى أبريل 2026، تم التوصل مجددًا إلى وقف لإطلاق النار، وبدأت المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، والتى أفضت إلى "اتفاق الإطار" فى يونيو2026 ، لكن وجود الجيش الإسرائيلى فى نحو 6% من مساحة لبنان فى الجنوب، واستمرار المواجهة مع حزب الله، يعرقلان إعادة إعمار الأضرار التى خلّفتها الحرب وتحسين الوضع الاقتصادى.
وعلى الرغم من حاجة لبنان المُلحّة إلى مساعدات خارجية واسعة النطاق، فإن هذه المساعدات لا تزال تتأخر. وتتمثل إحدى العقبات الرئيسية فى صعوبة وفاء لبنان بالشروط التى وضعها صندوق النقد الدولى أمامه فى أبريل 2022، للحصول على تمويل بقيمة 3 مليارات دولار.
• • •
أدت الضربات القاسية التى تلقّاها حزب الله خلال القتال مع إسرائيل إلى تغيير وجه التنظيم، وأدخلته أيضًا فى أزمة اقتصادية حادة، يرى بعضهم أنها ربما تكون الأسوأ فى تاريخه، وذلك للأسباب الرئيسية التالية:
- الارتفاع الكبير فى حجم نفقات التنظيم، نتيجة انخراطه المتواصل فى القتال؛ فحزب الله بحاجة ماسة إلى الأموال لإعادة بناء منظوماته التنظيمية التى تضررت، وشراء الأسلحة، وتجديد بنيته التحتية، وتجنيد وتدريب عناصر عسكرية جديدة.
- الحاجة إلى الوفاء بالتزاماته تجاه السكان الشيعة الذين تضرروا من الحرب؛ إذ لم يعُد أكثر من 300 ألف من سكان مناطق القتال إلى منازلهم. وأعلن حزب الله فى 13 أكتوبر إطلاق برنامج لمساعدة النازحين الذين دُمرت منازلهم، وتعهّد بدفع ما يصل إلى 14 ألف دولار لكلّ وحدة سكنية، لكن يبدو كأنه يواجه صعوبة فى تلبية مطالب هذه الشريحة السكانية التى تشعر بخيبة أمل، ويتبنى نهجًا يقوم على أن الدولة اللبنانية هى التى يجب أن تقدم لها المساعدة.
- الضربة القاسية التى تعرّض لها مصرف حزب الله «القرض الحسن» جرّاء سلسلة الغارات الإسرائيلية المركزة على فروعه، والتى ألحقت أضرارًا بقدرة حزب الله على إدارة اقتصاده الموازى داخل المجتمع الشيعى، لا سيما تقديم المدفوعات والقروض، فاضطر التنظيم إلى تقليص عدد فروعه، وأصبح يعمل حاليًا بصورة أكثر سرّية وتخفيًا.
وتوجد تقارير متضاربة بشأن حجم المساعدات الإيرانية التى يتلقاها حزب الله حاليًا؛ نشرت قناة "إيران إنترناشيونال" الإخبارية، في7 أكتوبر، تقريرًا يفيد بأن مسئولين إيرانيين يواصلون نقل حقائب من الأموال النقدية إلى لبنان، وذلك فى أعقاب تقرير سابق لوكالة رويترز بشأن تحويل 200 مليون دولار خلال شهر سبتمبر الماضى، بهدف دفع تعويضات للمتضررين الشيعة من الحرب. ومع ذلك، نفى مسئول أمريكى رسمى صحة هذا التقرير، ومن المحتمل أن يكون الأمر تسريبًا من جانب التنظيم بهدف تخفيف خيبة أمل أنصاره من أبناء الطائفة الشيعية.
- اتساع نطاق الجهود الدولية لوقف التحويلات المالية غير القانونية إلى حزب الله. وتتولى وزارة الخزانة الأمريكية، لا سيما مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، قيادة هذه الجهود، عبر توسيع نطاق العقوبات والتصنيفات التى تستهدف مؤسسات وأطرافًا مرتبطة بحزب الله وأشخاصًا يقدمون له الدعم.
ومع ذلك، لا يفقد حزب الله الأمل بالعثور على مسارات جديدة، أو إعادة تفعيل أساليب قديمة، لتحسين وضعه المالي؛ فإلى جانب مواصلة تهريب الأموال النقدية فى حقائب قادمة من الخارج، يواصل التنظيم استخدام العملات المشفّرة وأساليب التهريب، مثل نظام "الحوالة"، وهو أسلوب لتحويل الأموال، عبر شبكة من الوسطاء الذين يجرون تسوية الديون فيما بينهم خارج النظام المصرفى.
كذلك يواصل حزب الله استنزاف مصادر التمويل الشحيحة المتاحة لدى الحكومة اللبنانية، ومن ذلك استخدام أموال السلطات المحلية التى تخضع لسيطرة وزير المالية، وهو منصب تشغله، تقليديًا، شخصية شيعية.
وثمة مصدر آخر للتمويل يتمثل فى الجاليات الشيعية فى الخارج، ولا سيما فى غرب أفريقيا وألمانيا والولايات المتحدة، والتى يمكن أن تتحول إلى ما يشبه "خزنة الطوارئ" التى يعتمد عليها حزب الله فى إعادة بناء قدراته.
• • •
فى أعقاب الحروب الأخيرة، تلوح فرصة لإحداث تغيير فى ميزان القوى الداخلى بين حزب الله والدولة اللبنانية، ويأتى ذلك فى ضوء تطوُّرين متزامنَين: الضعف الحالى الذى يعانى جرّاءه حزب الله، والتغيير فى القيادة اللبنانية، المتمثلة فى رئيسَى الجمهورية والحكومة، اللذين يرغبان فى إصلاح لبنان، وإنهاء استقلالية حزب الله، وتقليص النفوذ الإيرانى.
ويمكن للمساعدات الاقتصادية الخارجية أن تؤدى دورًا مهمًا فى دفع هذه التوجهات نحو مسار إيجابى، لكن مصدر القلق الرئيسى يتمثل فى احتمال أن تتحول الأموال المخصصة لإنعاش الاقتصاد اللبنانى، أو لإعادة إعمار المناطق والسكان الذين تضرروا من الحرب، إلى أداة تخدم مصالح حزب الله، نظرًا إلى أن عناصره، إلى جانب شخصيات من حركة أمل الشيعية المتعاونة معه، منخرطون فى الحكومة، وفى جميع مؤسسات الدولة.
• • •
توجد ثلاثة توجهات رئيسية للتعامل مع هذه المعضلة المتعلقة بالمساعدات الاقتصادية للبنان:
- التوجه الأول: تقديم المساعدات بالتعاون مع الحكومة اللبنانية، سواء لإنعاش الاقتصاد، أم لإعادة إعمار الأضرار الناجمة عن الحرب.
وتكمن نقطة الضعف الرئيسية فى هذا الموقف فى صعوبة منع تسرُّب الأموال إلى جيوب حزب الله، أو تحويلها عبر جهات مرتبطة به، بما يتيح له الادعاء أن هذه المساعدات قُدمت بفضله، الأمر الذى من شأنه الحفاظ على مكانة التنظيم، ولا سيما فى نظر السكان الشيعة الذين يتولى دعمهم.
- التوجه الثاني: الامتناع من تقديم أى مساعدات فى المرحلة الحالية، لا سيما تلك المخصصة لإعادة إعمار المناطق والسكان الشيعة، مع مواصلة ربط أى دعم اقتصادى للبنان بنزع سلاح حزب الله.
- التوجه الثالث: تقديم المساعدات لتحسين أوضاع السكان من غير الشيعة، عبر إطلاق مشاريع مخصصة لمعالجة حاجات الطوائف الأخرى فى لبنان، لا سيما السنّة والمسيحيين والدروز، الذين يعانون بدورهم جرّاء الأوضاع الاقتصادية الصعبة. ويهدف هذا التوجه إلى تعزيز هذه الطوائف فى مواجهة الشيعة، مع مواصلة ممارسة الضغوط على السكان الشيعة لإبعادهم عن حزب الله.
ومن وجهة نظرنا، ينبغى لإسرائيل الانخراط فى الجهود الأمريكية والدولية الأُخرى، ودعم تقديم المساعدات للاقتصاد اللبنانى، وكذلك المساعدات المخصصة لإعادة إعمار الجنوب، لكن مع المطالبة بإنشاء آليات رقابية مخصصة وخاضعة للإشراف، بهدف الحد من تدخّل الجهات التابعة لحزب الله ومنع استخدام هذه الأموال لخدمة مصالحه.
وفى هذا السياق، يمكن المطالبة باتخاذ الإجراءات التالية:
- تحييد الوزارات والمؤسسات الخاضعة لسيطرة حزب الله عن التعامل مع أموال المساعدات وعمليات إعادة إعمار المناطق الشيعية.
- تحويل الأموال إلى السكان الشيعة مباشرة عن طريق مجلس إعادة الإعمار والرقابة، بدلًا من تحويلها عبر مجلس الجنوب، مع إبراز مساهمة الدولة اللبنانية فى تقديم هذه المساعدات.
- إنشاء هيئة متخصصة للتحقق من أهلية النازحين للحصول على المساعدات، وتقديم الدعم للعائدين إلى المناطق التى يخليها الجيش الإسرائيلى، مع الحد من دور المؤسسات المدنية التابعة لحزب الله وإقصائها عن هذه العملية.
- وضع آلية رقابية تضمن ألّا يكون أى من المقاولين المنفّذين للمشاريع من عناصر حزب الله، وأن تصل الأموال إلى الجهات والأغراض المخصصة لها.
ويجب تنفيذ هذا كله بالتوازى مع مواصلة الضغوط العسكرية على حزب الله من جانب إسرائيل، والضغوط الاقتصادية من جانب الولايات المتحدة والجهات الدولية.
أورنا مزراحى، ناعوم بينشتوك
معهد دراسات الأمن القومى
مؤسسة الدراسات الفلسطينية