الفيلم الذى لم تصنعه السينما عن حرب أكتوبر - خالد محمود - بوابة الشروق
الإثنين 5 أكتوبر 2026 8:37 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

الفيلم الذى لم تصنعه السينما عن حرب أكتوبر

نشر فى : الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 7:15 م | آخر تحديث : الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 7:15 م

كل عام يأتى أكتوبر، فتعود إلى الذاكرة المشاهد نفسها: عبور قناة السويس، وتحطيم خط بارليف، ورفع العلم المصرى، وصور الجنود، وأغنيات النصر، ومشاهد من أفلام تناولت الحرب فى السنوات التى تلتها.

لكن بعد 53 عامًا على حرب أكتوبر 1973، ربما آن الأوان لأن نطرح سؤالًا مختلفًا: ليس ماذا قدمت السينما المصرية عن أكتوبر، وإنما ماذا لم تقدمه بعد؟ فحرب أكتوبر ليست مجرد معركة عسكرية حقق فيها الجيش المصرى انتصارًا، ولا مجموعة من الصور التى نستعيدها فى ذكرى النصر. إنها حكاية تاريخية وإنسانية كبرى، تملك من عناصر الدراما ما يؤهلها لأن تصبح واحدة من القصص التى يمكن للسينما المصرية أن تقدمها إلى العالم؛ لا باعتبارها حدثًا وطنيًا يخص المصريين وحدهم، وإنما تجربة إنسانية عن الإرادة والصمود واستعادة الأرض والثقة بعد سنوات من الهزيمة. إنها حكاية شعب عاش سنوات من الانكسار والانتظار، وجيش عظيم أعاد بناء قدراته واستعد لمعركة بدت، فى حسابات كثيرة آنذاك، شديدة الصعوبة.

ثم جاءت لحظة العبور بما حملته من تخطيط وتضحيات ومخاطر، لتفتح فصلًا جديدًا فى تاريخ المنطقة. لكن كيف يمكن للسينما أن تنقل هذه اللحظة إلى الشاشة بطريقة تليق بحجمها؟ ربما يبدأ الطريق من الاقتراب من الإنسان قبل الاقتراب من السلاح، ومن البحث عن الحكايات التى لم تحصل بعد على فرصتها الكاملة فى التعبير السينمائى.

من كان ذلك الجندى الذى عبر القناة؟ ماذا كان يدور فى ذهنه وهو يستعد للمعركة؟ كيف ودّع أسرته؟ ماذا قال لزميله فى الساعات السابقة للعبور؟ وكيف عاش لحظات الخوف والترقب قبل أن تتحول إلى مواجهة؟ وماذا عن الطيار الذى شارك فى الضربة الجوية، والمهندس الذى أسهم فى إعداد وسائل العبور، والطبيب الذى واجه الإصابات، والأسرة التى انتظرت خبرًا عن ابنها، والمدنيين الذين عاشوا الحرب من مواقع مختلفة؟ هذه التفاصيل ليست هامشا فى الحكاية العسكرية، بل يمكن أن تكون مدخل إلى جوهرها الإنسانى. فالسينما لا تُقاس بكمية الدبابات والطائرات التى تظهر على الشاشة، ولا بحجم الانفجارات والمؤثرات البصرية، وإنما بقدرتها على تحويل الوقائع إلى تجربة يشعر بها المشاهد، حتى لو كان بعيدًا عن المكان والزمان اللذين شهداها.

وهنا تحديدًا تكمن مساحة الفيلم المصرى الذى لم يُصنع بعد، فيلم لا يكتفى بإعادة تمثيل المعركة، وإنما يبحث عن الإنسان الذى عاشها، وعن التفاصيل التى تمنح الحدث التاريخى روحه ومعناه.

لقد قدمت السينما المصرية أعمالًا تناولت حرب أكتوبر، واقترب بعضها من آثار الحرب فى المجتمع والعلاقات الإنسانية، بينما سعت السينما التسجيلية إلى توثيق الحدث والاستعانة بالصورة والشهادة الحقيقية.

ومن النماذج المبكرة المهمة فيلم «جيوش الشمس» لشادى عبد السلام، الذى وثّق جوانب من الحرب والعبور واقتحام خط بارليف، مستفيدًا من المادة المصورة وشواهد المرحلة. لكن اتساع الحدث نفسه ما زال يفتح مساحات واسعة أمام معالجات سينمائية جديدة.

وهذا لا ينتقص من قيمة الأفلام التى أُنجزت، وإنما يطرح سؤالًا آخر: هل قالت السينما كل ما يمكن أن تقوله عن أكتوبر؟ الإجابة تبدو واضحة: ما زالت هناك حكايات وشهادات وتفاصيل وشخصيات تنتظر أن تتحول إلى سينما. نحن بحاجة إلى فيلم لا يبدأ من النتيجة المعروفة، ولا يتعامل مع النصر باعتباره نهاية حكاية لا تحتاج إلى تفسير، وإنما يعود إلى الطريق الذى قاد إليه.

كيف تحولت هزيمة 1967 إلى إرادة لاستعادة الأرض؟ كيف أسهمت سنوات حرب الاستنزاف فى إعداد الجيش للمعركة؟ كيف جرى التخطيط للعبور؟ وما الدور الذى أداه العلم والهندسة والتدريب والعمل الجماعى فى تجاوز العقبات؟ وكيف عاش المصريون الحرب بعيدًا عن الجبهة؟ ماذا كانت تعنى الحرب لعائلة تنتظر ابنها؟ ولزوجة لا تعرف إن كان زوجها سيعود؟ ولأم تتابع الأخبار؟ ولطفل كان يسمع أصوات الحرب ولا يعرف تمامًا ماذا يحدث؟ هنا تتحول حرب أكتوبر من ملحمة عسكرية إلى دراما إنسانية. وهذا هو الفارق بين فيلم يشاهده المصريون لأنهم يعرفون النتيجة، وفيلم يستطيع أن يشاهده العالم كله، حتى لو لم يكن يعرف شيئًا عن تفاصيل حرب أكتوبر.

الفيلم الذى نحتاجه لا ينبغى أن يخاف من التفاصيل، لكنه فى الوقت نفسه لا يجب أن يتحول إلى محاضرة تاريخية. يجب أن يستند إلى الوثائق والشهادات الموثوقة، وأن يستفيد من الأرشيف المتاح، وأن يمنح الشخصيات مساحة للتعبير عن تعقيدات التجربة الإنسانية، بعيدًا عن الخطابة المباشرة أو المشاهد الاحتفالية. كما يحتاج إلى الاستفادة من تقنيات السينما الحديثة والمؤثرات البصرية وإعادة بناء المعارك، ولكن من دون أن تتحول التكنولوجيا إلى بطل الفيلم.

فالمؤثرات تستطيع أن تعيد بناء المشهد، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع شخصية نتعلق بها، أو لحظة نشعر بثقلها، أو حكاية تظل عالقة فى الذاكرة. والأهم أن يحمل الفيلم رؤية سينمائية حقيقية. فالعالم لا يحتاج منا فقط إلى أن نشرح له لماذا نرى أكتوبر انتصارًا؛ العالم يحتاج إلى أن يرى القصة.. أن يرى الجندى.. أن يرى الخوف.. أن يرى الانتظار.. أن يرى التضحية.أن يرى لحظة العبور. ثم يرى العلم المصرى وهو يرتفع.

عندها فقط تصبح السينما قادرة على أن تمنح أكتوبر مساحة جديدة فى الذاكرة العالمية. وربما لا ينبغى أن يتوقف الطموح عند فيلم روائى طويل مهما بلغت أهميته. نحن فى حاجة إلى مشروع سينمائى متكامل: فيلم روائى كبير، وسلسلة وثائقية تستعيد الشهادات والوثائق، وأفلام قصيرة تتناول قصصًا فردية، إلى جانب ترميم المواد المصورة وإتاحتها للأجيال الجديدة، وترجمة هذه الأعمال إلى لغات متعددة. فحفظ الذاكرة لا يتحقق بمجرد استدعائها فى المناسبات، وإنما بتحويلها إلى مادة حية قابلة للمشاهدة والبحث والنقاش. إنها، فى جانب منها، معركة ذاكرة. وفى معركة الذاكرة، تستطيع السينما أن تؤدى دورًا يتجاوز الاحتفال السنوي، حين تنقل التاريخ من صفحات الكتب والأرشيف إلى تجربة حية على الشاشة.

لذلك، فإن السؤال الذى يستحق أن نطرحه على صناع السينما المصرية ليس فقط: متى نصنع فيلمًا جديدًا عن أكتوبر؟ بل: متى نصنع الفيلم الذى يجعل العالم يريد أن يعرف ماذا حدث فى أكتوبر؟ الفيلم الذى تستحقه حرب أكتوبر ليس مجرد عمل للاحتفاء بذكرى النصر، ولا استعادة لمشاهد مألوفة نعرف نهايتها سلفًا. إنه فيلم عن الإنسان المصري، وعن الإرادة والتضحية والأرض، وعن لحظة تاريخية غيّرت مسار المنطقة. فيلم يستند إلى الحقيقة، ويملك شجاعة السؤال، وقوة الحكاية، وجمال الصورة؛ فيلم يجعل من أكتوبر تاريخًا حيًا على الشاشة، لا مجرد ذكرى تتكرر كل عام.

خالد محمود كاتب صحفي وناقد سينمائي
التعليقات