هتاف سمعته منذ كان عمرى ست سنوات، أى منذ 74 عامًا. سمعته فى الانتصار والانكسار، فى المدرجات وفى البيوت. وبالنسبة لى لم يكن يومًا مجرد هتاف لنادٍ أحبه، وإنما كان صوت الانتماء إلى مؤسسة من مؤسسات مصر.
اليوم أكتب لأننى أخشى على هذه المؤسسة.
الزمالك ليس ناديًا عاديًا. إذا كان الأهلى هو الهرم الأول لكرة القدم المصرية، فالزمالك هو الهرم الثانى. وحولهما أندية شعبية عريقة صنعت تاريخ الكرة المصرية، وفى مقدمتها الإسماعيلى، الذى كان لسنوات طويلة مصنعًا للمواهب.
وما حدث للإسماعيلى يجب أن يكون درسًا لنا جميعًا: النادى الكبير لا يسقط فجأة، وإنما يفقد قدرته على المنافسة تدريجيًا، حتى يصبح استرداد عافيته أصعب كثيرًا.
• • •
بدأ الزمالك يدفع ثمن هذا الوضع. نجوم يرحلون بحثًا عن فرص أفضل، ومواهب شابة لا تستطيع أحيانًا الوصول إلى الفريق الأول بسبب مشكلات التسجيل الناتجة عن العقوبات المفروضة على النادى من «فيفا». وهكذا لا نخسر مباريات أو بطولات فقط، وإنما نخسر فرصًا ومواهب ومستقبلًا.
إنها دائرة مفرغة يجب كسرها.
الديون المتراكمة، التى تقدر بنحو 3 مليارات جنيه، والعجز التشغيلى السنوى الذى يقترب من 800 مليون جنيه، لا يمكن التعامل معهما بالأمنيات. الزمالك يحتاج إلى رأس مال جديد، وإلى إدارة محترفة، وإلى نموذج يستطيع أن يوقف النزيف ويعيد النادى إلى المنافسة.
لكن السؤال ليس: هل يحتاج الزمالك إلى المال؟ بالطبع يحتاج إليه.
السؤال هو: كيف يدخل رأس المال إلى الزمالك من دون أن يتنازل الزمالك عن قراره؟
أقول هذا الآن لأن الأمر، كما أفهمه، لم يُحسم بعد. لم يتم بيع شركة كرة القدم، ولم تُوقّع صفقة نهائية مع مستثمر بعينه. المطروح هو نموذج يمنح المستثمرين 60 فى المائة من شركة كرة القدم، مقابل احتفاظ النادى بـ40 فى المائة، وهو ما زال يحتاج إلى استكمال الإجراءات والموافقات اللازمة.
وهنا تأتى أهمية اللحظة الحالية.
• • •
من المعلومات التى تصلنى، هناك مقاومة قوية داخل مجلس إدارة الزمالك لهذا الاتجاه. وهذا أمر مشجع. فوجود أعضاء فى المجلس يتمسكون باحتفاظ النادى بما لا يقل عن 51 فى المائة يعنى أن النقاش الحقيقى لم ينته بعد.
وأنا أرى أن هذا هو الاتجاه الصحيح.
لا أشكك فى حق أى مستثمر فى تحقيق الربح. الربح هو القاعدة الذهبية للاستثمار، والمستثمر الذى يضع أمواله ويتحمل مخاطره من حقه أن يحصل على عائد مجزٍ.
لكن مقدار الربح لا ينبغى أن يكون العامل الحاسم عندما يكون الأمر متعلقًا بمؤسسة مثل الزمالك.
لا أريد أن أتحدث عن نوايا المستثمرين. يكفينى أن أسأل عن طبيعة الصفقة نفسها: هل من الحكمة أن يحصل مستثمر على 60 فى المائة من شركة كرة القدم، ثم يعيد هيكلتها ويرفع قيمتها، بينما يظل الزمالك نفسه صاحب 40 فى المائة فقط من القيمة التى ستنشأ مستقبلًا؟
قد يكون هذا نموذجًا استثماريًا ممتازًا لشركة عادية.
لكن الزمالك ليس شركة عادية.
هو مؤسسة لها مكانتها فى المجتمع المصرى، وجمهور يمتد إلى ملايين المصريين، وتاريخ لا يمكن اختزاله فى سعر سهم.
نحن نحتاج إلى الاستثمار، لكننا لا نحتاج إلى التنازل عن القرار من أجل الحصول عليه.
• • •
وهنا تقدم لنا التجربة الألمانية فكرة تستحق الدراسة.
يقوم مبدأ «50+1» فى كرة القدم الألمانية على السماح لرأس المال الخاص بالدخول والاستثمار، مع بقاء القرار النهائى للنادى وأعضائه. لا أقترح نقل النموذج الألمانى كما هو إلى مصر. لكل بلد قوانينه وظروفه. لكن فكرته الأساسية مناسبة جدًا لحالتنا: يمكن أن يدخل المستثمر بقوة، ويحقق ربحًا، ويشارك فى الإدارة، من دون أن ينتقل القرار النهائى بعيدًا عن النادى.
وبالنسبة إلى الزمالك، أرى أن نموذج 51 فى المائة للنادى و49 فى المائة للمستثمرين هو الحل الذى يستحق أن نتفاوض من أجله.
بهذا النموذج يحصل المستثمر على حصة كبيرة وحقيقية فى مشروع يمكن أن ترتفع قيمته بصورة كبيرة. وفى الوقت نفسه يحتفظ الزمالك بالقرار، ويشارك فى ثمرة النجاح.
• • •
لكن الاستثمار يجب أن يعالج أصل المشكلة، لا أن يؤجلها.
يجب أن يذهب رأس المال الجديد أولًا إلى تسوية الالتزامات التى أدت إلى عقوبات التسجيل، وفتح الطريق أمام النادى للتعاقد مع اللاعبين والاحتفاظ بمواهبه. ثم يجب فصل نشاط كرة القدم عن الأعباء التاريخية للنادى، ووضع ميزانيته وإدارته على أساس مهنى واضح يمنع عودة العجز.
إذا أُديرت العملية بانضباط، يمكن أن تكون هناك خطة تعافٍ تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات: السنة الأولى لإيقاف النزيف وتسوية الالتزامات العاجلة، ثم إعادة الهيكلة وبناء مصادر دخل مستدامة، وصولًا إلى الاستقرار والربحية.
وقد يكون حجم رأس المال المطلوب فى حدود مليار إلى مليار ونصف المليار جنيه، وفقًا للتقييم النهائى وحجم الالتزامات التى سيتم الاتفاق على تسويتها.
هذا مبلغ كبير، لكنه ليس مستحيلًا على رأس المال المصرى.
بل إننى أرى أن هذه هى اللحظة التى يجب أن يشعر فيها رجال الأعمال المصريون بأن أمامهم فرصة نادرة: أن يحققوا عائدًا من استثمار ناجح، وأن يساهموا فى الوقت نفسه فى إنقاذ مؤسسة وطنية رياضية.
لكننى أناشد مجلس إدارة الزمالك ألا يقبل نموذج الـ60 فى المائة و40 فى المائة بصورته الحالية.
تفاوضوا على صفقة أفضل.
ابحثوا عن مستثمر يريد أن ينجح مع الزمالك، لا على حساب الزمالك.
وإذا طُرح النموذج الحالى على الجمعية العمومية للتصويت، فإننى أناشد أعضاءها أن يرفضوه.
ليس رفضًا للاستثمار.
وليس رفضًا لرأس المال.
بل لأن هناك فرقًا بين إدخال رأس المال إلى الزمالك، وبين نقل القرار فى الزمالك.
لا أريد أن يأتى يوم نتحدث فيه عن الزمالك كما نتحدث اليوم عن أمجاد الإسماعيلى، ونسأل لماذا لم ننقذه عندما كان لا يزال ممكنًا.
ما زال الوقت متاحًا.
رأس المال موجود. والجمهور موجود. والاسم موجود. والتاريخ موجود. والمواهب المصرية لن تتوقف عن الظهور.
ما نحتاجه هو أن نضع المال فى مكانه الصحيح، والإدارة فى مكانها الصحيح، وأن نحافظ على القرار فى يد النادى.
الزمالك لنا.
لكن ليس لنا أن نبيعه.
«زمالك.. زمالك».
هذه المرة نحتاج منكم أكثر من الهتاف.
القلعة البيضاء تحتاج إليكم.
مساعد وزير الخارجية الأسبق