الاقتصاد وكرة القدم - عبدالرحيم شلبي - بوابة الشروق
الجمعة 31 يوليه 2026 9:29 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

الاقتصاد وكرة القدم

نشر فى : الجمعة 31 يوليه 2026 - 8:10 م | آخر تحديث : الجمعة 31 يوليه 2026 - 8:10 م

يأتى هذا المقال استكمالًا لسلسلة كتبتها من قبل عن التشابه بين كرة القدم والسياسة والاستراتيجية. وقد كتب اقتصاديون بارزون، فى مصر وخارجها، عن اختلال موازين السوق وغياب تكافؤ الفرص وتضخم دور الدولة فى النشاط الاقتصادى. كتبوا بعمق وأمانة وشجاعة، وأسهموا فى بناء فهم حقيقى لما يجرى، غير أن هذه الكتابات، بطبيعتها التخصصية، لا تصل دائمًا إلى المواطن العادى الذى يعيش تداعياتها يوميًا دون أن يملك مفاتيح قراءتها. من هنا جاءت فكرة هذا المقال- ليس لإضافة شيء إلى ما قاله الخبراء، فلست مؤهلًا لذلك، وإنما لترجمة جوهر أفكارهم إلى لغة الملعب؛ تلك اللغة التى يفهمها الجميع، ويشعر بها الجميع، ولا يختلف عليها أحد.

 

أول الإشكاليات: الحكم الذى أصبح لاعبًا


فى أى مباراة، الحكم يكون داخل الملعب، لكنه لا يلمس الكرة- يراقب، يصفر، ويضمن تكافؤ الفرص. دولتنا، فى مرحلة من المراحل، وجدت نفسها فى موقف مختلف.


وجدت أمامها فريقين: فريق يملك الموهبة لكنه بطيء ومتردد- وهو القطاع الخاص الذى يقضى سنوات فى دراسات الجدوى قبل أن يتحرك. وفريق آخر يفتقر إلى الحساسية الاقتصادية لكنه يُنفّذ بسرعة وحسم- وهو الهيئات والشركات العامة التى تبنى وتُنجز بالأمر المباشر دون أن تكترث بمعادلات الربح والخسارة.


صانع القرار، الساعى إلى الإنجاز السريع، مال نحو الفريق الثانى، وأسبغ عليه الأراضى والإعفاءات والقروض. وكانت النتيجة حتمية: تغيّرت قواعد اللعب، واختفى ما يسميه الاقتصاديون «الحياد التنافسى»، وتراجع المستثمر الجاد لأنه لا يستطيع أن يتنافس مع حكم يحمل الصافرة ويركل الكرة فى آنٍ واحد.

 

ثانى الإشكاليات: الكبار الذين آثروا الغنيمة على البناء


القطاع الخاص عندنا ليس كتلة واحدة. هناك الحيتان، وهناك السمك الصغير. وبين النوعين شاسع الفرق.


الحيتان -وهم كبار المستثمرين الذين تُقاس أعمالهم بالمليارات- كبر بعضهم بالقرب من مراكز القرار. توكيل تجارى هنا، أرض رخيصة تتحول إلى عقارات هناك، واحتكار يضمن الربح دون عناء المخاطرة. والنتيجة أن جانبًا مهمًا من رأس المال ابتعد عن التصنيع الحقيقى وآثر المكسب السريع.


أما السمك الصغير -أصحاب الورش والمصانع والشركات الناشئة- فهم العمود الفقرى الحقيقى؛ يشغّلون ثلاثة أرباع عمالة القطاع الخاص، وينتجون مع القطاع غير الرسمى ما يقارب نصف الاقتصاد الكلى. لكنهم محاصرون فى الوسط؛ صغار جدًا ليحظوا بحماية الكبار، وخارج المنظومة الرسمية تمامًا لينتفعوا بخدمات الدولة.


صاحب الورشة المختبئ فى الظل لا يستطيع دخول بنك، ولا يستطيع التصدير، ولا يملك ظهرًا ماليًا يحميه حين تهب العاصفة. وعند أى صدمة اقتصادية يسقط فى صمت، ويندثر مشروعه كأنه لم يكن.

ثالث الإشكاليات: المواطن الذى هرب ليبقى


لكن هل المواطن الذى لجأ إلى الاقتصاد الموازى مخطئ حقًا؟


الإجابة الأمينة: هو لم يلجأ إلى مخالفة القانون رغبةً فى ذلك، بل هرب غريزة للبقاء. حين تكون قواعد اللعبة ضدك، تخرج من الملعب. هذا ليس تمردًا على الدولة، بل استجابة طبيعية لقواعدٍ جعلت البقاء خارج المنظومة أقل كلفة من الدخول إليها.


والحل هنا ليس ملاحقة هذه الغريزة بالعقاب والتضييق. الحل فى تغيير القواعد حتى يصبح النور أجدى من الظل.

 

من الملاعب الأخرى: درسان لا ننساهما


ولأن المشكلة ليست مصرية خالصة، فمن المفيد أن ننظر إلى ملاعب أخرى واجهت تحديات مشابهة.


كوريا الجنوبية لم تحارب شركاتها الكبرى، بل أبرمت معها صفقة واضحة: الدعم مستمر، لكن بشرط التصدير والمنافسة العالمية. من يفشل يُرفع عنه الدعم. هكذا تحول المكسب السريع إلى سامسونج وهيونداى.


وتركيا لم تلاحق ملايين الورش الصغيرة، بل فتحت لها أبواب التمويل والتدريب، وأمّنت لها مخرجًا كريمًا إلى الاقتصاد الرسمى، فولدت «نمور الأناضول»- آلاف الشركات المتوسطة التى صارت محرك التصدير التركى.
الدرس واحد: الظل لا يُحارَب بالمطاردة، بل يُبدَّد بالنور.

 

صافرة النهاية... وثلاثة قرارات


- ملعب واحد وحكم واحد: إلغاء كل امتياز تفضيلى للشركات العامة. الجميع أمام القانون الضريبى والجمركى سواء، بلا استثناء ولا محاباة.


- الخروج من وضع التسلل: سجّل نشاطك واخرج إلى العلن، وفى المقابل تحصل فورًا على تمويل بنكى ميسر ونظام ضريبى مبسط. النور يجب أن يعنى الأمان، لا المطاردة.


- ربط خطوط الفريق: إلزام الشركات الكبرى والمشروعات القومية بشراء نسبة من احتياجاتها من الورش والمصانع الصغيرة المحلية. دورة دموية واحدة تربط رأس الهرم بقاعدته.


عندما تتوازن الأدوار ويعود الحكم إلى مهمته، ويلتزم كل لاعب بخطوط فريقه، عندها فقط تظهر المواهب الحقيقية. وما يصح فى الملعب يصح فى الاقتصاد. استدعاء نصف الاقتصاد المهاجر إلى الظل لا يحتاج معجزة، بل يحتاج قرارًا واحدًا: أن تتحول بيئة العمل من طاردة إلى جاذبة.


عندئذٍ يصبح لدينا فريق متكامل وفعّال.. يسجل أهداف الفوز.

 

مساعد وزير الخارجية الأسبق

عبدالرحيم شلبي السفير عبدالرحيم شلبي
التعليقات