حين سبقت الإنسانية الخوف.. شكرًا هايا - سمر عادل - بوابة الشروق
الثلاثاء 18 أغسطس 2026 8:07 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

حين سبقت الإنسانية الخوف.. شكرًا هايا

نشر فى : الثلاثاء 18 أغسطس 2026 - 6:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 18 أغسطس 2026 - 6:55 م

هناك أشخاص لا يحتاجون إلى سنوات طويلة كى يتركوا أثرًا، ولا إلى منصب كبير أو شهرة واسعة حتى يصبحوا نموذجًا يحتذى به. أحيانًا تكفى لحظة واحدة، يظهر فيها الإنسان على حقيقته، لنكتشف أن بعض القيم لا تقاس بالعمر ولا بعدد الإنجازات، وإنما بما يفعله الإنسان عندما يكون الآخر فى حاجة إليه. هايا واحدة من هؤلاء. ما يلفتنى فى قصة هايا ليس الحادث الذى ظهرت خلاله، ولا تفاصيل ما حدث وأسبابه، وإنما هايا نفسها فتاة شابة اختارت فى لحظة شديدة الارتباك أن تكون جزءًا من الحل، وأن تستخدم ما تعلمته، وأن تتعامل مع من حولها باعتبارهم بشرًا يحتاجون إلى المساعدة، لا مجرد مشهد عابر يمكن أن تبتعد عنه.

هايا طالبة الطب، قدمت نموذجًا مهمًا لمعنى أن يتحول العلم إلى سلوك. كثيرون يتعلمون، ويحصلون على الشهادات، ويجمعون المعلومات، لكن القيمة الحقيقية للمعرفة تظهر عندما يستطيع صاحبها استخدامها فى الوقت المناسب. أن تعرف شيئًا، وأن تمتلك القدرة على استخدامه عندما يحتاج إليك الآخرون شىء آخر تمامًا. وهذا تحديدًا ما يجعل نموذج هايا جديرًا بالاحتفاء فهى لم تتعامل مع دراسة الطب باعتبارها طريقا إلى لقب أو وظيفة فقط، وإنما بدا واضحا أن ما تتعلمه لديها معنى يتجاوز حدود الجامعة. الطب فى جوهره مهنة إنسانية قبل أن يكون تخصصًا علميًا، وأول ما يحتاج إليه الطبيب هو أن يرى الإنسان الموجود أمامه قبل أن يرى الحالة الموجودة أمامه.

لكن قصة هايا لا تتعلق بالطب وحده والأهم أنها تطرح سؤالًا أكبر، أى نوع من البشر نريد أن نربى؟ هل نريد أبناءنا أن يكونوا متفوقين فقط أن يحصلوا على أعلى الدرجات، وأن يدخلوا أفضل الكليات، وأن يحصلوا على وظائف مرموقة أم نريد إلى جانب ذلك أن يكونوا أشخاصًا يشعرون بالآخرين، ويتحملون المسئولية؟ وقطعًا نحن فى حاجة إلى النوع الثانى أكثر من أى وقت مضى.

جاءت هايا بإنسانيتها وصلابتها لتذكرنا بأن التربية الحقيقية لا تظهر الكلمات التى نقولها لأبنائنا، وإنما فى فى القيم التى تتحول إلى تصرفات تلقائية. والجميل فى نموذج هايا أنها لم تكن تبحث عن البطولة. لم تكن تحاول أن تصنع لنفسها صورة مثالية أمام الآخرين، ولم يكن هناك ما يضمن لها أن يلاحظ أحد ما فعلته. وهذا فى رأيى هو المعنى الحقيقى للبطولة أن تفعل الشىء الصحيح لأنه صحيح، وليس لأنك تنتظر مكافأة أو تصفيقًا. وبخاصة أننا فى زمن أصبحت فيه الصورة أحيانًا أهم من الفعل، وأصبح بعض الناس يفكرون أولًا فى تصوير اللحظة قبل التفكير فى مساعدة صاحبها، تأتى هايا لتذكرنا بأن هناك فرقًا هائلًا بين أن تكون حاضرًا فى المشهد، وأن تكون حاضرًا من أجل الإنسان.

نحن نحتاج إلى أن نقول لأبنائنا إن النجاح ليس مجرد أن تصل إلى القمة، وإنما أن تعرف ماذا ستفعل عندما تصل إليها. وأن قيمة العلم ليست فيما يمنحك إياه من مكانة، وإنما فيما تستطيع أن تمنحه به للآخرين. هايا لم تكن بحاجة إلى خطاب طويل لتقول ذلك. موقفها قاله بالنيابة عنها. ولهذا فإن الاحتفاء بها ليس احتفاءً بفتاة واحدة فقط، وإنما احتفاء بفكرة نحتاج إلى أن تظل حاضرة: أن يكون الإنسان نافعًا لمن حوله، وأن تتحول معرفته إلى مسئولية، وشجاعته إلى فعل، ونجاحه الشخصى إلى قيمة يستفيد منها الآخرون.

هايا نموذج لجيل نريده مختلفًا؛ جيل لا يكتفى بأن يعرف، وإنما يعرف كيف يفعل، ولا يكتفى بأن ينجح لنفسه، وإنما يترك أثرًا فى حياة من حوله. 


كاتبة وباحثة فى الاقتصاد السياسى والدولى

 

سمر عادل كاتبة وباحثة في الاقتصاد السياسي والدولي
التعليقات