بدأت الحرب على إيران في 28 فبراير بضربات أمريكية وإسرائيلية، فردت طهران باستخدام أهم ورقة تملكها: مضيق هرمز. ولم يكن الهدف مجرد الرد العسكري، بل فرض تكلفة اقتصادية وسياسية على الولايات المتحدة تدفع واشنطن إلى التفاوض بشروط أقرب إلى المطالب الإيرانية. غير أن ما تلا ذلك على مدى الأشهر التالية كشف أن الضغط على قوة كبرى لا يعني القدرة على تحديد كيفية استجابتها، وأن نتائج الصراع قد يتحملها آخرون لم يختاروا مساره.
يمر عبر المضيق في الظروف الطبيعية نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، ولذلك لا يقتصر أثر تعطيل الملاحة فيه على إيران ودول الخليج، بل يمتد إلى أسواق الطاقة والنقل والصناعة والزراعة في مناطق بعيدة. وقد ارتفعت أسعار الديزل في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية خلال سبتمبر، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر. وهنا وجدت إيران ما كانت تبحث عنه: وسيلة لتحويل أزمة إقليمية إلى ضغط على الحسابات السياسية للرئيس الأمريكي.
وكان للحساب الإيراني منطقه. فطهران لا تستطيع مواجهة التفوق العسكري الأمريكي بالقوة التقليدية، لكنها تستطيع فرض تكاليف على الاقتصاد العالمي، وعلى المستهلك الأمريكي بوجه خاص. ومن شأن ارتفاع أسعار الوقود أن يضع الرئيس تحت ضغط داخلي ويزيد حاجته إلى تسوية تنهي الأزمة. وقد راهنت إيران على أن واشنطن ستجد التفاوض معها أقل تكلفة من استمرار الحرب وتعطيل الملاحة.
لكن الحساب لم يأخذ في تقديري بالقدر الكافي احتمال أن يبحث دونالد ترامب عن مخرج مختلف، لا يقوم على تلبية المطالب الإيرانية، بل على معالجة جانب من الأزمة من خلال طرف آخر. وقد ظهر ذلك في أكتوبر، على مدى أيام قليلة متتابعة. ففي التاسع من الشهر أعلن ترامب، عقب اتصال بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اتفاقًا يسمح بإمداد الأسواق بكميات كبيرة من الديزل الروسي، في محاولة لخفض الأسعار قبل الانتخابات. وبعد يومين، في الحادي عشر من أكتوبر، أعلن وقفًا لإطلاق النار يستهدف منشآت الطاقة في الحرب الروسية الأوكرانية. وبين هذين الإعلانين تتضح الصلة: فقد جاء الأول استجابة لأزمة هرمز، وجاء الثاني ليحمي ما أراد الأول تحقيقه.
كان إعلان الاتفاق لافتًا، ليس فقط بسبب أثره المحتمل على سوق الطاقة، بل لأنه جاء في وقت تفرض فيه الولايات المتحدة عقوبات على روسيا بسبب حربها في أوكرانيا. وقد سمحت وزارة الخزانة الأمريكية بتخفيف مؤقت لبعض القيود على شحنات الديزل الروسي، فأصبحت موسكو طرفًا في معالجة أزمة تفاقمت بسبب الحرب على إيران، مع أن واشنطن كانت تسعى إلى الضغط عليها لإنهاء حربها في أوكرانيا.
ولم يكن الاتفاق مجرد مسألة تجارية. فقد أتاح لروسيا فرصة لاستئناف تصدير الديزل والاستفادة من ارتفاع الأسعار، وبعث برسالة سياسية مفادها أن واشنطن مستعدة لتخفيف بعض القيود عندما تقتضي مصالحها ذلك. ومع ذلك ينبغي عدم المبالغة في أثره الاقتصادي، فالكميات المعلنة لا تعني أن جميع الشحنات قد وصلت، كما شكك الخبراء في قدرة الإمدادات الروسية وحدها على إنهاء أزمة الوقود العالمية.
أما أوكرانيا، فقد وجدت نفسها أمام نتيجة أخرى لهذا التحول. فقد ضغط ترامب على الرئيس فولوديمير زيلينسكي لوقف الضربات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية، وربط هذه الضربات بارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة. ثم جاء إعلان الحادي عشر من أكتوبر، ولم يتضح منذ البداية نطاق الاتفاق ولا مدى التزام الطرفين به. وكان الاختلال في الموقف ظاهرًا، إذ طُلب من أوكرانيا الحد من وسيلة تستخدمها للإضرار بقدرات روسيا الاقتصادية والعسكرية، بينما استمرت الهجمات الروسية على منشآت الطاقة والبنية التحتية الأوكرانية، ولم تكن موسكو قد أكدت قبولها بوقف متبادل يضمن حماية مماثلة للجانبين.
• • •
هنا تظهر المفارقة الأساسية. فالأزمة التي أرادت إيران استخدامها لتحسين شروطها مع الولايات المتحدة دفعت واشنطن إلى البحث عن مخرج عبر روسيا، وأتاحت لموسكو فرصة اقتصادية وسياسية، بينما واجهت أوكرانيا ضغوطًا إضافية، ولم تحصل إيران على الشروط التي سعت إليها. لقد استطاعت طهران أن تؤثر في حسابات واشنطن، لكنها لم تستطع أن تتحكم في النتيجة النهائية.
وهذا لا يعني أن الاستراتيجية الإيرانية كانت غير عقلانية. فقد استخدمت إيران ورقة حقيقية، ونجحت في رفع تكلفة استمرار المواجهة. لكن الخلل المحتمل كان في افتراض أن ارتفاع التكلفة سيقود بالضرورة إلى استجابة محددة من الرئيس الأمريكي. فترامب لم يكن يتحرك وفق الحسابات الاقتصادية وحدها، وكانت أمامه اعتبارات انتخابية، وعلاقته بإسرائيل، وموقفه من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة باراك أوباما، ورغبته في تجنب الظهور بمظهر من يقدم تنازلات لطهران. وقد تكون هناك اعتبارات أخرى، منها اعتقاده أن منفعة اقتصادية لروسيا قد تساعد في دفع موسكو إلى العودة للمفاوضات بشأن أوكرانيا. لكن النتيجة تظل أن واشنطن تعاملت مع الأزمات المختلفة بوصفها ملفات يمكن ربطها والمقايضة بينها، حتى حين تتعارض مصالح الأطراف المعنية.
وبذلك يتجاوز الأمر حدود المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، أو بين روسيا وأوكرانيا. فالمشكلة الأوسع أن القوى الكبرى تتخذ قراراتها وفق مصالحها الداخلية والاستراتيجية، بينما تتحمل دول أخرى جزءًا من تكاليفها. وقد لا تكون هذه التكاليف هي المقصودة أصلًا، لكنها تصبح واقعًا بالنسبة إلى الأطراف الأقل قدرة على التأثير في مسار الأحداث.
• • •
بالنسبة إلى دول الخليج، تطرح الأزمة أسئلة مباشرة عن أمن الملاحة والطاقة، وعن مدى ارتباط القرارات الأمريكية بأولويات داخلية قد تتغير بسرعة. فالولايات المتحدة تظل قوة عسكرية كبرى، لكن امتلاك القدرة على حماية المصالح لا يعني أن استخدامها سيأتي دائمًا في التوقيت أو بالصورة التي تتوقعها الدول الشريكة. وهذا لا يستدعي التخلي عن الشراكة الأمريكية، بقدر ما يستدعي التمييز بين المصالح المشتركة والمصالح التي تنفرد كل دولة بتحديدها.
أما مصر فهي أقرب إلى هذه الأزمة مما قد يبدو لأول وهلة، لأنها تقع عند نقطة التقاء ثلاثة خيوط تمسها الأزمة جميعًا. الخيط الأول هو قناة السويس والبحر الأحمر، فأي اضطراب في الملاحة بالخليج ينعكس على حركة التجارة العالمية وعلى مسارات الشحن، وبالتالي على أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للدولة المصرية. والخيط الثاني هو الطاقة والغذاء، فمصر مستوردة للوقود وللقمح، وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا يرفع تكلفة الدعم ويضغط على الموازنة والعملة، كما أن أي تغير في موازين العلاقة بين واشنطن وموسكو ينعكس على أسواق الحبوب والأسمدة التي تعتمد عليها مصر. والخيط الثالث هو أمن الخليج نفسه، الذي ترتبط به مصر بمصالح استراتيجية واقتصادية وبشرية عميقة، فاستقراره جزء من استقرارها.
ولهذا فإن متابعة قرارات واشنطن وموسكو وطهران ليست شأنًا بعيدًا عن المصالح المصرية، بل جزءًا من فهم البيئة التي تتحرك فيها الدولة. ولمصر في هذا السياق رصيد لا يتوافر لكثير من الدول، فهي تحتفظ بقنوات اتصال مفتوحة مع الأطراف كافة، وبعلاقات متوازنة مع الخليج وواشنطن وموسكو، وبخبرة طويلة في الوساطة وإدارة الأزمات. وهذا يؤهلها لدور في تهدئة التوتر وحماية الملاحة، بما يخدم أمنها ويعزز مكانتها.
والدرس الأوسع للدول العربية ليس أن القوى الكبرى لا يمكن الاعتماد عليها مطلقًا، ولا أن كل تسوية بينها تتم على حساب الآخرين. بل إن الاعتماد على توافق المصالح وحده لا يكفي، فالمصالح قد تتقاطع في لحظة ثم تتباعد عندما تتغير الأولويات أو تتعرض الحكومات لضغوط داخلية. ومن هنا تأتي أهمية توسيع هامش الحركة الدبلوماسية، وتنويع العلاقات، وتعزيز قدرة الدول العربية على التأثير في القرارات التي تمس أمنها ومصالحها.
فالمسألة ليست فقط من يملك القوة، بل من يملك القدرة على توجيه نتائج استخدامها. وعندما تنفرد القوى الكبرى بصنع القرارات، قد يجد الآخرون أنفسهم مضطرين إلى دفع ثمنها، حتى إن لم يكونوا طرفًا في صنعها.