كيف تصبح الشيخوخة مصدرًا للسعادة؟ - زينب طه - بوابة الشروق
الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 8:38 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

كيف تصبح الشيخوخة مصدرًا للسعادة؟

نشر فى : الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 - 7:10 م

بالطبع ليس هناك وصفة سحرية تضمن الإجابة على هذا السؤال. فالسعادة مسألة نسبية يختلف تعريفها ومقدار الشعور بها من شخص إلى آخر. وكما يقول المثل القديم: تعددت الأسباب والموت واحد، فإن الموضوع فى النهاية يعتمد على مدى تقبل الإنسان لحقيقة التقدم فى السن وكم التفاؤل أو التشاؤم الذى يصيبنا ونحن نبدأ مرحلة جديدة فى حياتنا. هل ننظر للشيخوخة على أنها مرحلة جديدة، قد تحمل معها بدايات جديدة؟ أم ننظر إليها على أنها النهاية أو بالأحرى بداية النهاية فتخيم الكآبة علينا ويصبح الاستسلام عنوان حياتنا اليومية التى قد يمد الله العمر فيها عشرات السنوات؟ يبدو للكثيرين أن الشيخوخة تعنى الوحدة أو العزلة، وكلاهما قادر أن يضع النهاية لحياة المسن.

لذلك نجد أن أعدادًا متزايدة من كبار السن يقدمون على القيام بمشاريع جديدة بعد الخروج على المعاش مثلا لضمان الاستمرار فى التعامل مع المجتمع، بل إن الإحصاءات المنقولة عن مركز التعبئة والاحصاء المصرى تقول لنا أن هناك ازديادًا فى أعداد كبار السن (فوق الـ ٦٥ سنة) الذين يقبلون على الزواج. فى هذا الصدد، يعرض التليفزيون الفرنسى على قناتى TF1 وM6 البرنامج الوثائقى المسمى «الزواج فى سن متقدمة، زواج سعيد». البرنامج يسلط الضوء على الأسباب التى تجعل الزواج فى سن متقدمة غالبًا زواجًا سعيدًا ومُرضيًا للغاية. يعرض البرنامج لقاءات مع أشخاص قرروا الزواج فى سن متأخرة ويناقش أسباب ونتائج هذه الزيجات. بشكل عام، يؤكد البرنامج إيجابيات هذا الزواج.

عند مشاهدة البرنامج، يتضح لنا أن المجتمعات الحديثة تنظر إلى الزواج بعد سن الستين بازدواجية تضم القبول المتزايد للرغبة فى «الونس»، إلى جانب بعض التحفظات التقليدية التى تختلف بين الرجل والمرأة. فقد يتقبل المجتمع زواج الرجل الأرمل أو المطلق بسهولة أكبر مقارنة بالمرأة، ويُنظر للرجل على أنه بحاجة لمن يراعيه ويهتم بشئونه المنزلية والصحية فلا يرى المجتمع عيبًا فى ارتباط الرجل بامرأة أصغر سنًا، بل قد تُعتبر خطوة طبيعية بالنسبة له. فى المقابل، قد تواجه المرأة نظرة استنكار أو تعجب من رغبتها فى الزواج بعد الستين، فالمجتمع لا يزال يربط بين وفاء المرأة لزوجها الراحل وبين رفضها لفكرة الزواج مرة أخرى. يوضح البرنامج أن الدراسات الاجتماعية تتفق على أن أهم أسباب هذا الزواج تكمن فى مواجهة الوحدة لتجاوز شعور الفراغ بعد استقلال الأبناء، والدعم الصحى والنفسى المتبادل والاستقرار العاطفى فى مشاركة الحياة اليومية بطريقة مشروعة.


• • •
وبالطبع لا يأتى الزواج المتأخر دون تحديات، فيتخوف الأبناء أحيانًا على الميراث، إضافة إلى مواجهة العادات والتقاليد الممثلة فى نظرة الجيران والأقارب التى تعتبر الزواج فى هذه السن أمرًا غير مألوف. على العكس تماما من هذا، تأتى الدراسات النفسية والطبية لتؤكد أن الزواج المتأخر يحمل تأثيرات إيجابية عميقة على الصحة النفسية والجسدية للمسنين؛ حيث يمثل خطوة وقائية ضد الكثير من أمراض الشيخوخة الناتجة عن العزلة. فبالنسبة للتأثير النفسى والعقلى، يساعد هذا الزواج على محاربة الاكتئاب وهو من أكثر الاضطرابات الشائعة لدى كبار السن بسبب الفقد أو التقاعد، ووجود شريك حياة يقلل من هذا الخطر بشكل كبير. كما يساعد على الوقاية من التدهور المعرفى، فالتواصل اليومى المستمر، والحديث، ومشاركة الأنشطة مع الشريك يساهم فى تنشيط الذاكرة ويؤخر ظهور أعراض ألزهايمر وخرف الشيخوخة. وكذلك تؤكد الأبحاث الديموغرافية والطبية الصادرة عن مؤسسات عالمية أن الزواج فى كبر السن يرتبط مباشرة بزيادة متوسط العمر المتوقع والشيخوخة الصحية. وتعزو الأبحاث ذلك إلى أن الزواج يوفر نظام دعم يقلل من السلوكيات الخطرة، ويحسن الرعاية الصحية الفورية فى حالات الأزمات المفاجئة مثل النوبات القلبية.

ولكن المشكلة عند الكثيرين ليست فى كونهم متزوجين أم لا بقدر ما هى مشكلة التقدم فى السن وما تحمله من توابع وسياقات جديدة تتطلب تعاملاً مختلفًا لم نتعود عليه فى حياة «الشباب». علميًا، التقدم فى السن هو المسار الطبيعى للإنسان، وكلما تقدم السن، تأثرت القوة البدنية وظهرت علامات تميز المراحل المختلفة التى يمر بها الإنسان. وفيما يسمى بمرحلة الشيخوخة تزداد تحديات التراجع الجسدى وإن زادت علامات النضج والحكمة. فعلى الجانب الإيجابى، يُقال إن العمر يمنح الإنسان نظرة أعمق وأشمل للأمور، وقدرة أفضل على حل المشكلات بفضل تراكم التجارب. ويزداد التحرر تدريجيًا من سباق الحياة اليومية، وضغوط العمل، والحاجة الدائمة لإثبات الذات أمام الآخرين. كما يكبر التركيز على العلاقات العائلية العميقة والاستمتاع بالتفاصيل البسيطة فى الحياة.

ومن ناحية أخرى على الجانب السلبى، تتراجع طاقة الجسم، وتظهر آلام المفاصل، وتضعف الحواس، وتكثر الإصابة بالأمراض المزمنة. ومع ذلك نجد أن التقاعد قد يعمق الشعور بالوحدة نتيجة لفراغ الأيام ورحيل بعض الأصدقاء أو الأحباء، وشعور البعض بابتعاد الأبناء عنهم. والمحزن جدًا هو شعور الإنسان أحيانًا بأنه أصبح عبئًا على الآخرين وخصوصا لو كان هناك اعتماد مادى على الآخرين. Top of Form وهناBottom of Form تؤثر التقاليد الثقافية والدينية بشكل عميق على كيفية إدراكنا للتقدم فى السن؛ حيث تتحول الفئات العمرية من مجرد «أرقام بيولوجية» إلى محطات اجتماعية وروحية. والملاحظ أن هذه النظرة تختلف جذريًا بين المجتمعات العربية والشرقية والمجتمعات الغربية الحديثة. فالمعروف أن التقاعد يرتبط بالإنتاجية الاقتصادية، لكن التقاليد الدينية والثقافية تعيد تعريفه بشكل مختلف. نرى أن الإسلام لا يعترف بمفهوم التقاعد «من الحياة». فهناك توجيهات نبوية تحث على العمل حتى آخر لحظة (مثل: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها»). وفى الثقافات الجماعية (آسيا والشرق الأوسط): يُنظر إلى المتقاعد كـ «حكيم العائلة» ورئيسها، وليس كشخص خرج من منظومة الإنتاج. يزداد دوره فى حل النزاعات الأسرية وتقديم المشورة. أما فى الثقافات الفردية الغربية: يرتبط التقاعد غالبًا بالاستقلالية الشخصية، أو السفر، أو الترفيه، ولكنه قد يؤدى أحيانًا إلى الشعور بالوحدة.


فكيف تصبح الشيخوخة مصدرًا للسعادة؟

يمكن أن تكون الشيخوخة مصدرًا حقيقيًا للسعادة والرضا بدلًا من الكآبة، إذا تم التعامل معها كمرحلة للنمو الشخصى والتحرر من العديد من القيود الاجتماعية. إن النظرة الحديثة للتقدم فى السن لا تراه كرحلة نحو الأفول، بل كفرصة ذهبية لإعادة اكتشاف الذات واستغلال خبرات الحياة المتراكمة. تتحول الشيخوخة إلى تجربة إيجابية من خلال التركيز على النضج العاطفى والراحة النفسية، فيميل كبار السن إلى التخلص من ضغوط المنافسة والتوقعات المجتمعية، مما يمنحهم سلامًا داخليًا وقدرة أكبر على الاستمتاع باللحظة الحالية. يمتلك المتقدمون فى السن مخزونًا من الحكمة يُمكّنهم من حل المشكلات وهداية الأجيال الشابة، وهو ما يعزز شعورهم بالقيمة والأهمية.

فى هذه المرحلة، يبتعد الإنسان عن العلاقات السطحية ويركز على توطيد صلاته العميقة بالعائلة والأصدقاء المقربين، مما يوفر دعمًا عاطفيًا قويًا. تبنى عادات صحية مثل المشى، التغذية المتوازنة، وممارسة الهوايات يحافظ على الحيوية ويمنع الإحباط. يتأرجح دور المعاش بين كونه بوابة للسعادة أو سببًا للكآبة، فالتقاعد يمثل نقطة تحول محورية؛ فهو ليس «نهاية العطاء» بل هو مصدر سعادة تعتمد على كيفية التخطيط له. فإذا لم تخطط له فهو الفراغ القاتل وفقدان الهوية وعزلة اجتماعية. وإذا خططت له يكون التحرر من القيود وتحقيق للمؤجلات والسعادة فى العمل التطوعى. ويجدر بالذكر أن أحد الأمور الهامة جدًا التى يجب أن نلتفت إليها قبل وصولنا مرحلة الشيخوخة هو أن الكبر مرآة لما عشناه فى سنوات حياتنا الطويلة. إذا كنا قد أسرفنا وغالينا فى السهر، فى الطعام، فى تناول ما هو مضر، فى إهمال صحتنا النفسية، فى إهمال علاقاتنا الأسرية أو الاجتماعية، فلابد وإننا سنرى جليًا محصلة كل هذا مع تقدم السن. وهنا يصبح التخطيط لمرحلة الشيخوخة أمرًا حتميًا خلال فترة الشباب والنضج. نعم، نخطط لفترة الشيخوخة حتى نعيشها كغيرها من فترات العمر السابقة. صدقت الحكمة المأثورة التى تقول: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا.

 


أستاذة اللغويات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والعميدة السابقة لكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية

الاقتباس:
يمكن أن تكون الشيخوخة مصدرًا حقيقيًا للسعادة والرضا بدلًا من الكآبة، إذا تم التعامل معها كمرحلة للنمو الشخصى والتحرر من العديد من القيود الاجتماعية. إن النظرة الحديثة للتقدم فى السن لا تراه كرحلة نحو الأفول، بل كفرصة ذهبية لإعادة اكتشاف الذات واستغلال خبرات الحياة المتراكمة.

زينب طه أستاذة اللغويات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والعميدة السابقة لكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية
التعليقات