هل الازدواجية اللغوية تعكس شيزوفرينية الشخصية العربية؟ - زينب طه - بوابة الشروق
الثلاثاء 23 يونيو 2026 8:09 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟


هل الازدواجية اللغوية تعكس شيزوفرينية الشخصية العربية؟

نشر فى : الثلاثاء 23 يونيو 2026 - 6:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 23 يونيو 2026 - 6:55 م

بالطبع لا، لإن الازدواجية اللغوية ليست ظاهرة سيكولوجية، بل لغوية تجمع عددا من اللغات بينها العربية. فالمتحدث بلغة تتصف بالازدواجية هو ببساطة شخص قادر على استخدام أطياف مختلفة من لغته لتناسب الموقف الذى يتحدث فيه. وقد قيل قديما «لكل مقام مقال». وعلى هذا، فإن الشخص الذى يستطيع تطويع لغته لتناسب الموقف، هو فى الحقيقة شخص محظوظ لأن لغته غنية، تتيح له استخدامها بأشكال متباينة على حسب الرغبة. هذا المصطلح واسع الاستخدام فى علم اللغويات الاجتماعية ويشير إلى مجتمعات قليلة يتعلمها متكلموها فى المدارس ويستخدمونها فى نواحى الحياة الرسمية وفى الأبحاث الأكاديمية والخطب وما إلى ذلك، فى حين أنهم يتكلمون لغة أخرى فى حياتهم اليومية وفى أمور غير رسمية. تشترك اللغتان الرسمية والحياتية فى صفات لغوية عديدة من مفردات وقواعد نحوية ونطق. وقد قدم العالم اللغوى فرجسون هذا الوصف عن ازدواجية اللغة عام ١٩٥٩ وذكر اللغة العربية كمثال على هذه الظاهرة. استمر البحث فى ازدواجية اللغة Diglossia ونقح الكثيرون وصفها حتى توصل العالم المصرى السعيد بدوى فى منتصف السبعينيات إلى وصف خمسة مستويات للعربية فى مصر تتدرج من عربية التراث الممثلة فى الشعر العربى القديم ولغة القرآن الكريم وتنتهى بمستوى أسماه عامية الأميين، وجعل التعليم أساس التقسيم فى هذه المستويات وبالتالى كلما كبر قدر التعليم، استطاع المتحدث استخدام مستويات اللغة العليا.


اللغة اليونانية مثال آخر للازدواجية. عاشت اليونانية القديمة لغة الدين والأدب والرسميات فى حين أن اليونانية الشعبية عاشت لغة الحديث والتعامل اليومى. وفى حين ركز اليونانيون على تطوير اللغة الشعبية وتقليص دور اليونانية الرسمية فى حدود الصلاة فقط، ظلت العربية، لغة القرآن، قوية الوجود فى مجالات مختلفة وظلت هى لغة التعليم فى معظم المدارس والجامعات العربية.


• • •
تاريخ اللغة العربية بفصحاها وعامياتها طويل، فقد عاشت العربية فى الجزيرة العربية قبل الإسلام لغة حديث وتعامل يومى وأدب وبلاغة. فكما كان هناك فصحاء قادرون على قرض الشعر فى صوره البلاغية الفريدة، كان هناك حديث لا ينقطع بين الناس وبين أفراد الأسرة الواحدة. فكان العرب يحلمون بلغتهم هذه، ويضحكون بها، ويحزنون بها. عاشت العربية قرونا طويلة متصالحة مع تباينها واختلاف نطقها ومفرداتها من مكان إلى مكان ومن قبيلة إلى أخرى. وحين نزل القرآن، بالطبع أصبحت هناك لغة (أو بالأحرى لهجة) لها مستوى من التقبل الاجتماعى أعلى بكثير من لهجات أخرى، وبالطبع عظّم القرآن شأن اللغة العربية وأصبح المثل للأسلوب الأعلى فى سلم مستويات العربية.


هذه اللغة العظيمة استطاعت أن تظل حية ومنتجة ومتطورة قرونا طويلة، وظهرت فيها ملامح جديدة وسمات خاصة، جعلتها قادرة على مواكبة العصر ومتطلباته، فأصبحت العربية الفصحى المعاصرة هى لغة الاستخدام الرسمى والتعليم، وهى كذلك لغة الأدب الحديث، ووسائل الإعلام فى جميع الدول العربية. ولأنها انتشرت فى دول عربية تباينت خلفياتها الثقافية والتاريخية، نجد أنها تتباين لتعكس هذه المجتمعات، ولكنها تظل قادرة أن تكون القاسم المشترك الذى يعتمد عليه العرب فى التواصل بينهم، على الأقل على المستوى الرسمى أو الأكاديمى.


وعبر التاريخ، نجد أن المجتمعات العربية تراوحت فى اهتمامها بتعليم العربية الفصحى ولكن ظاهرة الازدواجية استمرت. ففى الوقت الذى ظهر فيه العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ فى مصر، ونزار قبانى وجبران خليل جبران من لبنان، وأبى قاسم الشابى وكوليت خورى من الشام، ونازك الملائكة وبدر السياب من العراق، وعبدالله زريقة وجميلة أبيطار من المغرب، ومحمود درويش من فلسطين، ظل هناك جمهور غفير يصل أحيانا إلى السواد الأعظم من العرب غير قادرين على قراءة أعمال هؤلاء الكتاب عانت الأعداد الغفيرة من سوء التعليم. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل عدم إتقان الفصحى يرجع إلى وجود الازدواجية أم هو نتيجة حتمية لسوء تعليم اللغة الفصحى؟


يحضرنى هنا ما ذكرته باحثة أوروبية فى مقال لها بعنوان «اللغة الأم ولغة الأم» حين قالت إن العربية الفصحى تبقى فى وجدان جميع العرب اللغة الأم، وإن كان واقع الأمر يظهر أن لغة الأم لكل هؤلاء العرب هى فى الحقيقة ليست اللغة العربية الفصحى. هذه الملاحظة التى جاءت من باحثة أجنبية قريبة من دراسات اللغة وآدابها هى فى الحقيقة لسان حال الكثيرين من المتخصصين العرب الذين يقومون على تدريس العربية، وإن كان الكثيرون لا يزالون يستشعرون الحرج فى المحافل العامة أن يناقشوا هذه المقولة، انطلاقا من خشيتهم بأن يوصموا بقلة عروبيتهم أو احترامهم لنصوص تراثية شكّلت كيان وضمير الأمة العربية على مر القرون.


تاريخيا كان تعليم العربية نابعا من أهمية إتقان القواعد النحوية والصرفية والصوتية للغة لضمان قراءة صحيحة للقرآن. ومع ذلك، استمرت القبائل العربية فى الجزيرة العربية تتباين فى لغة الحديث اليومى؛ نطقا ولفظا، فالتنوع اللغوى ولهجات العربية كانت متواجدة جنبا إلى جنب مع اللغة الخاصة للشعراء وفصحاء العرب. وخلال تاريخ، هو قصير بالنسبة لعمر اللغة العربية، تباينت أساليب تدريس اللغة العربية ونوعية المناهج بداية بأسلوب تدريس اللغة كنحو فقط إلى محاولات تدريسها بأساليب تواصلية وظيفية. هذه النظرة التواصلية للغة كان لها تأثير عظيم على نوعية الكتب الجديدة التى ظهرت فى محاولات جادة لتحسين مناهج اللغة فى المدارس.


يبدو لى أنه لا يزال هناك الكثيرون الذين يعتقدون أن وجود اللهجات يقلل من أهمية الفصحى. بل إن هناك مَن يعتبر استخدام العامية المصرية تخريبا لمستقبل الفصحى وأخذا من مكانتها التاريخية. والغريب أن تاريخ الصحافة والأدب والسياسة فى مصر يظهر لنا كيف أن العامية المصرية كانت دائما موجودة كلغة تواصل حتى فى الكتابة منذ عصر النهضة. ولم يمنع هذا الاستخدام أبداً من استخدام الفصحى فى مجالاتها المتعددة.


إن الازدواجية اللغوية هى ازدواجية فى المعرفة، وإن أضافت فهى تضيف هذا البعد الإنسانى الحيوى المشاعرى الذى هو جزء لا يتجزأ من هويتنا وشخصيتنا المحلية والعربية فى نفس الوقت. لماذا نعتبر هذه العاميات عيبا فينا؟ ولماذا لا نعترف بأننا نقوم بإدماجها مع الفصحى فى حديثنا مع الآخرين بشكل طبيعى وسلس يحقق التواصل بمستوى لغوى راق ومفهوم؟


إن الطفل العربى سواء شِئنا أو أبينا يكتسب فى البيت لغة الأم وهى ليست العربية الفصحى، وهذا الطفل يذهب إلى المدرسة ليتعلم الفصحى، ويكبر هذا الطفل فى مجتمع عربى يقدس فى معظمه القرآن الكريم، ويستخدم اللغة الفصحى كلغة رسمية متواجدة فى معظم الأشكال المكتوبة سواء فى الصحافة أو الأدب أو التعاملات الرسمية الأخرى. فلماذا نخشى من العامية؟


• • •
إن النظرة الضيقة للغة تجعلنا لا نرى حقائق تعيش معنا.


أولاً: اللغة العربية الفصحى هى فى الحقيقة لغة القراءة والكتابة، وليست لغة التواصل اليومى. والعرب يستخدمون فى المناقشات الجادة لغة هى خليط من الفصحى والعامية، وهى لغة مفهومة إلى حد بعيد بين المثقفين العرب.
ثانياً: عانت اللغة الفصحى التى تُدرّس أساسا للقراءة والكتابة سنوات طويلة من محدودية تدريسها على أنها مجموعة قواعد نحوية، فاستمر تدريسها بشكل تقليدى، واستمر الشعور بأن القواعد النحوية هى الضامنة لنقاء العربية الفصحى وحمايتها من أضرار العامية وأخطائها.


ثالثاً: نجد أن هذه النظرة تضع قيودا على ما هو صحيح ومقبول وما هو غير مقبول وربما غير صحيح، فيصبح أى تنوع فى أساليب العربية المعاصرة موضع شك فى كونه خطأ شائع. هذه النظرة تؤخر قدرتنا على رصد ما يطرأ على العربية المعاصرة من تنوع فى الأسلوب فلا نطور قواميس للغة توثق هذا التنوع.

 

ما الحل؟

ليس الحل هو الدعوة إلى القضاء على العامية أو التخويف من خطورتها على الفصحى. الحل يتمثل فى بذل الجهد لإعداد مدرسى اللغة العربية ومراجعة الأساس النظرى الذى نعتمد عليه فى تأليف مناهج العربية بما يضمن تحقيق الأهداف التواصلية. تدريس اللغة الفصحى على أساس تواصلى هو الأمل الوحيد الذى يضمن تنمية القدرة على استخدامها كلغة حية قادرة على التعبير عن مشاعر وآراء متكلميها، ولنضع حدا لفكرة أن هذه اللغة «مقدسة» و«قديمة» و«صعبة»، فعلميا ليست هناك لغة مقدسة وغير مقدسة، واللغة القديمة تصبح حية فقط عند الاستخدام المضطرد، أما كون اللغة العربية صعبة، فلغويا هناك لغات أكثر صعوبة من اللغة العربية مثل الصينية واليابانية ولا يواجه متحدثوها نفس الصعوبات فى اتقانها أو التحدث بها.

أستاذة اللغويات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والعميدة السابقة لكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية

 

زينب طه أستاذة اللغويات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والعميدة السابقة لكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية
التعليقات