أجريت انتخابات البرلمان الفيدرالى والمجالس الإقليمية الإثيوبية فى 1 يونيو 2026. شارك فيها نحو 10438 مرشحًا يمثلون 42 حزبًا سياسيًا ذات أوزان متفاوتة، وأهمها وأكبرها حزب الازدهار الذى يتزعمه رئيس الوزراء آبى أحمد، ويكاد يكون الحزب الوحيد المنتشر فى جميع الأقاليم الإثيوبية والمسيطر على السلطتين التنفيذية والتشريعية منذ انتخابات 2021. وقد اتفقت آراء كل المراقبين والمتابعين للشأن الإثيوبى، منذ تحديد موعد الانتخابات، فى توقعهم استمرار تفوق حزب الازدهار بأغلبية كبيرة، واستمرار آبى أحمد فى رئاسة الوزراء خمس سنوات قادمة.
تفاوتت الآراء بشأن الانتخابات الإثيوبية ما بين المؤيدين والمتعاطفين مع الحكومة الإثيوبية؛ حيث وصفوها بأنها أكبر وأكثر ممارسة ديمقراطية تطورًا من الناحية الإدارية فى تاريخ إثيوبيا. كما أشارت بعثتا المراقبة للاتحاد الإفريقى والهيئة الحكومية الدولية للتنمية (إيجاد) لمراقبة الانتخابات الإثيوبية لعام 2026، بهذا الإنجاز المهم فى مسيرة إثيوبيا الديمقراطية والانتخابية. وأعلن رئيس الوزراء آبى أحمد، عقب انتهاء التصويت، عن امتنانه لكل مواطن إثيوبى شارك فى الانتخابات، والهيئة الوطنية للانتخابات، وبعثات المراقبة الإفريقية والإقليمية، التى أكد وجودها التزام إثيوبيا بالمساءلة الديمقراطية، والشكر لأكثر من 350 ألف مسئول انتشروا فى كل أنحاء إثيوبيا، وبقوات الأمن التى وفرت الحماية للعملية الانتخابية. كما يرى المؤيدون أن الانتخابات أجريت فى ظل ما أسموه طفرة اقتصادية وإصلاحات تحققت خلال السنوات الخمس الماضية من حكم حزب الازدهار بزعامة آبى أحمد، رغم الانتقادات الموجهة إليه بتبنى نظام حكم أكثر مركزية، وأقل فيدرالية، وأنه بالرغم من تطوير منشآت البترول والغاز الطبيعى، والمواقع السياحية، إلا أن الإصلاحات فى العاصمة أديس أبابا تحت مسمى «مشروع تطوير الممر وضفاف النهر» أدت إلى عمليات هدم واسعة نتج عنها نزوح عشرات الآلاف من السكان. هذا إلى جانب تزايد انتشار الحركات المسلحة فى أقاليم تيجراى، وأمهرة، وأوروميا.
وثمة مناخ عام مشحون بالتوترات مما أدى إلى عدم إجراء الانتخابات فى إقليم تيجراى؛ حيث استبعدت 38 دائرة انتخابية فى الإقليم بسبب التوتر الشديد وروح التحدى، وتصاعد القمع ضد سكان الإقليم، ومحاولات «جبهة تحرير شعب تيجراى» استعادة السيطرة على الإقليم والعودة إلى الحرب التى سبق أن استمرت ما بين 2020-2022، فقد شعب تيجراى خلالها نحو 600 ألف شخص قبل توقيع اتفاق سلام بريتوريا فى عام 2022، الذى أصبح الآن مهددًا بالانهيار على ضوء التقارب والتعاون بين جبهة تحرير شعب تيجراى وإريتريا الملاصقة للإقليم، مع اشتداد التوتر بين إثيوبيا التى تطالب بحقها المزعوم فى الحصول على منفذ بحرى خاص بها على ساحل إريتريا، بكل الوسائل، وخشية الأخيرة من أن تشن عليها أديس أبابا حربًا لتحقيق مطلبها. وتتهم الحكومة الفيدرالية الإثيوبية حركة تحرير شعب تيجراى بأنها تتحالف مع إريتريا ضدها. وسبق أن أدى توقيع الحكومة الإثيوبية مذكرة تفاهم فى فبراير عام 2024 مع حركة إقليم صوماليلاند، للحصول على تسهيلات بحرية تجارية وعسكرية، إلى احتقان شديد فى العلاقات الإثيوبية الصومالية، ومعارضة شديدة من جانب إريتريا ومصر باعتبار أنه يمس بسيادة الصومال ووحدة وسلامة أراضيه.
• • •
يلاحظ أن حزب الازدهار الحاكم فى إثيوبيا خاض الانتخابات هذه المرة فى 60 دائرة انتخابية دون مواجهة منافسين حقيقيين. كما لم تستجب الحكومة الفيدرالية، قبل إجراء الانتخابات لمطالب «تحالف الوحدة الإثيوبية» CEU، والذى يضم عدة أحزاب معارضة، وتتلخص مطالبه بإنهاء الحرب مع بعض الفئات الإثيوبية، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وتوسيع الحيز السياسى والدخول فى حوار مع المعارضة والنخب السياسية والقيادية، واشترط التحالف أن يتم ذلك قبل إجراء الانتخابات، ولكن دون جدوى.
ويقدر عدد سكان إثيوبيا بنحو 135 مليون نسمة، إلا أن المسجلين فى جداول الانتخابات ولهم حق التصويت نحو 50 مليون نسمة فقط، وهو ما يعد مؤشرًا عمليًا على أن نسبة لا يستهان بها من الناخبين لم تشترك فى الانتخابات سواء نتيجة لظروف الأقاليم المتوترة وفى مقدمتها أقاليم تيجراى، وأوروميا، وأمهرة الذى استبعد منه ثمان دوائر انتخابية.
يتعين أن يحصل الحزب الذى يشكل الحكومة على 274 مقعدًا من إجمالى مقاعد البرلمان، وقد حصل حزب الازدهار بزعامة آبى أحمد على 438 مقعدًا. ويلاحظ أن المهم ليس حصة كل إقليم من عدد مقاعد البرلمان، وإنما بالحزب الذى يفوز بها أو بأغلبيتها. ويستحوذ إقليم أوروميا على حصة أكبر عدد مقاعد فى البرلمان الاتحادى حيث تبلغ 178 مقعدًا، يليه إقليم أمهرة 138 مقعدًا، ثم إقليم جنوب إثيوبيا 54 مقعدًا، وإقليم وسط إثيوبيا 36 مقعدًا، بينما تتوزع بقية المقاعد وعددها 141 مقعدًا على الأقاليم الفيدرالية الأخرى، ومدينتى أديس أبابا وديرداوا. وقد تفوق حزب الازدهار الحاكم على جميع الأحزاب الأخرى، والتى أهمها حزب المعارضة الرئيسى «مواطنو إثيوبيا للعدالة الاجتماعية» والمعروف اختصارا باسم «إيزيما» بقيادة برهانو نينجا، والحركة الوطنية للأمهرة، ومجموعة أحزاب الحرية والمساواة، وغيرها من الأحزاب الصغيرة ذات الحظوظ الأقل فى الفوز فى الانتخابات.
ويحظى رئيس الوزراء آبى أحمد بدعم من صندوق النقد الدولى والبنك الدولى فى برنامجه للإصلاح الاقتصادى والتنمية، وكان من المتوقع أن يصل متوسط نصيب الفرد من الدخل القومى الإثيوبى إلى نحو 1133 دولارا أمريكيا فى عام 2026، مقارنة بما كان عليه وهو 641 دولارا أمريكيا فى عام 2016. ويحاول آبى أحمد، الحاصل على جائزة نوبل للسلام فى عام 2019، عندما بدأ أول فترة حكم له بتحقيق الديمقراطية داخليا، والسلام مع كل جيرانه، إريتريا والسودان وجيبوتى، بل وقام بدور وساطة بين الأطراف المتصارعة فى السودان، ويحاول الآن اتباع سياسة تبدو من وجهة نظره متوازنة داخليًا لاحتواء الصراعات التى على وشك العودة للانفجار المسلح وحالة الاحتقان الشديد مع إقليم تيجراى. ورغم أن والد آبى أحمد من الأورومو، ووالدته من الأمهرة، إلا أنه يتخذ مواقف خاصة به ونظام حكمه يرى أنها تساعد على احتواء الكثير من الأزمات سواء بوسائل القوة والقمع أو بالحوار اعتمادًا على أن الحكومة الفيدرالية وهى الطرف الأقوى الآن. وتشكو شرائح كبيرة من المجتمع الإثيوبى من غلاء المعيشة وقلة فرص العمل أمام الشباب مما يدفع أعدادًا كبيرة منهم إلى الخروج إلى دول الجوار ودول الخليج العربية بحثًا عن أى فرص عمل كثير منها لا يتناسب مع مؤهلاتهم الدراسية. كما أن علاقات إثيوبيا مع دول الجوار يسودها التوتر الشديد مع إريتريا والصومال والسودان، هذا إلى جانب التوتر الشديد مع مصر بسبب سد النهضة الإثيوبى ورفض الحكومة الإثيوبية توقيع اتفاق قانونى ملزم يضمن لمصر حقوقها المشروعة فى مياه النيل باعتبارها دولة مصب.
• • •
الحقيقة أن حصول حزب الازدهار الحاكم على أغلبية كبيرة فى البرلمان يتيح له بارتياح تشكيل الحكومة وفقًا لرؤيته، ويضمن الحصول على ثقة وتفويض البرلمان للمضى قدمًا فى البرامج الاقتصادية التى بدأت من قبل، وإعادة هندسة المشهد السياسى بشكل عام. وثمة من يرون أن الحكومة الجديدة ستركز فى المرحلة القادمة على إحياء الحوار الوطنى الإثيوبى الذى يفترض أنه قد بدأ منذ نحو عامين. ولكن إنجاح المصالحة الوطنية الإثيوبية يعتمد بشكل كبير على مدى جدية الحكومة الفيدرالية فى إشراك جميع الأطراف فى حوار سياسى بناء. وقد أكدت الحكومة أن معالجة الخلافات السياسية يجب أن تتم من خلال الأطر الدستورية ومؤسسات الدولة، وأن الحوار الوطنى هو المخرج الوحيد لإنهاء الأزمات وتجاوز التحديات التى تواجه إثيوبيا حاليًا. وهو ما يعنى تغليب رؤيتها.
وترى المعارضة الإثيوبية أن الانتخابات ونتائجها لم تغير من الأوضاع التى كانت وما تزال سائدة فى إثيوبيا، وترى أنها انتخابات معيبة، وغير نزيهة. وهذا ما دفعها إلى مقاطعتها وعدم الاعتراف بنتائجها، وهو ما يسهم فى تعميق فجوة الثقة وتكريس الانقسام، وتصبح أزمة الانتخابات فى إثيوبيا ليست فقط مشاكل أمنية وعقبات لوجستية، أو خلل فى سجلات الناخبين، وإنما تتحول إلى أزمة شرعية حادة تحت وطأة السلاح، والاستقطاب العرقى، وما لذلك كله من تأثير على النزاهة الإعلامية، والحياد المؤسسى، وتأثيره على الحوار الوطنى الشامل، وتحقيق الاستقرار المستدام. وترجح بعض الآراء أن تتجه المعارضة التى قاطعت الانتخابات، أو التى حالت الأوضاع الأمنية فى مناطقها دون إجراء الانتخابات، للتصعيد من نشاطها المعارض، على ضوء تشكيكها فى نتائج الانتخابات وما حدث من تضييق إعلامى وأمنى.
إن الأوضاع فى إثيوبيا على المحك فى مرحلة مهمة، إما أن يتجه حزب الازدهار الحاكم فى ظل حصوله على فوز ساحق، إلى حوار وطنى شامل وجاد يأخذ بعين الاعتبار مصالح وآراء المكونات العرقية الإثيوبية المعارضة وإشراكها فعليًا فى السلطة والعمل على المستويين الفيدرالى والإقليمي، أو استمرار حالة الاستقطاب والمواجهة المكتومة التى قد تنفجر فى صراعات مسلحة وحالة تمرد عام فى ظل علاقات إثيوبية متوترة مع كل الجيران.
مساعد وزير الخارجية الأسبق