هناك فيديوهات «طبقية» تنتشر على السوشيال ميديا، ليس آخرها الشخص الذى يستغرب، ويمتعض من وجود «ناس عاديين» إلى جواره فى أحد منتجعات الساحل الشمالى. لكن ذلك الفيديو، الذى استتبعته تعليقات ساخرة وعنيفة من بعض الناس، ورد أكثر فجاجة من ذلك الشخص، يتكرر كثيرًا بصيغ مختلفة كل عام، تعبيرًا عن وجود «مصيف» لناس معينة، و«مصايف» أخرى لناس أخرى، والعبرة هنا ليست فى اختلاف الأسعار بين هذا وذاك، ولكن أيضا فى الشعور الطبقى المفرط عند البعض، والذى لم يعد همسًا ولا تلميحًا بل تصريحًا فجًا ومباشرًا. تأتى تلك الأحاديث فى نطاق مساجلات باتت شبه مستمرة حول «الكومبوندات»، والساحل الطيب والساحل الشرير، حسب التسميات المستخدمة، والفيديوهات القصيرة التى تجرى مع الشباب والشابات المصطفين فى بعض المنتجعات المخصصة للطبقة المرفهة، والتى يتحدثون فيها بلغة تبدو تلقائية، لكنها مستفزة طبقيًا بالنسبة للمجموع الشعبى الذى يعانى من تحديات معيشية لا تخفى على أحد.
بالتأكيد فى كل المجتمعات هناك أغنياء وفقراء، وبينهم طبقات وسطى، يختلف موقعها الاجتماعى حسب حظوظها فى الثروة والمكانة الاجتماعية، ولكن لا يعنى التباين الاجتماعى إثارة النعرات الطبقية، أو بث روح الحقد الاجتماعى بين فئات المجتمع أو خلق حالة من الضغينة الاجتماعية التى قد تتحول إلى مصدر إلى الكراهية والعنف والممارسات الاجتماعية السلبية.
وقد باتت السوشيال ميديا تحوى نماذج من التنابذ الطبقى لا تقل خطورة على التنابذ الدينى، وبث روح الشقاق بين المواطنين، وهو ما ينذر بخطورة وجود محاولات، بوعى أو دون وعى، بقصد أو دون قصد، ترمى إلى تقسيم المجتمع عبر خطوط طبقية ودينية، مما يؤدى إلى اهتزاز التماسك الاجتماعى.
من هنا يتعين أن ننتبه أكثر فأكثر إلى مثل تلك الدعوات، التى قد تكون فى بعض الحالات مصدرًا للسخرية والتندر وتبادل الشتائم، لكنها لا تقف عند هذا الحد بل تتحول إلى قوارض تنهش فى الجسد الاجتماعى، ولاسيما فى ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التى يعيشها المجتمع، والتى تحتاج إلى التضامن والتماسك والتعاضد، أكثر ما تحتاج إلى التباهى الاجتماعى، والاستعلاء الطبقى، وخلق حالة من التباعد بين الناس على كل المستويات. بالتأكيد ليس مطلوبًا أن يصير الناس ذات وضع اجتماعى واحد، ولا يعيشون فى نفس المساكن، ولا يتعلمون فى نفس الجامعات، ولا يذهبون إلى نفس أماكن الترفيه، ولا يصطافون فى نفس الشواطئ، ولكن لا يعنى ذلك أن يكون التباين الاجتماعى مصدرًا للشقاق الطبقى، والتبعثر الاجتماعى، والتباعد الإنسانى. وبالتالى لا بديل من نشر ثقافة إنسانية من خلال مؤسسات التعليم، والإعلام، ومؤسسات المجتمع المدنى، والتأكيد على خطابات التنمية، والعمل الاجتماعى، والمبادرات الإنسانية، وفى الوقت نفسه محاسبة أى شخص يبث دعاية أو أحاديث طبقية أو طائفية على وسائل التواصل الاجتماعى باعتبار أن ذلك يشكل جريمة فى حق المجتمع، يؤدى تراكمها، وتزايدها، إلى انفراط عقد المجتمع، حيث تشير التجربة إلى أن الاستهانة بأحاديث الكراهية يزيد من وتيرتها ويغير المزاج العام فى المجتمع، وهو ما نحصده الآن من ترك السجال الدينى والطائفى يمرح على وسائل التواصل الاجتماعى، وسوف نجنيه أيضا إذا تركنا كل شخص يتحدث باستعلاء طبقى على الآخرين، دون محاسبة، سواء كان استعلاء من غنى على فقير، أو تنمرًا من فقير على طريقة حياة الغنى، لأن ذلك فى النهاية يصب فى أتون الكراهية الاجتماعية التى لن ينجو أحد من لهيبها، وهى رسالة ينبغى أن يدركها الناس فمن يشعر أنه يعيش بمنأى عن الآخرين الذين يتعالى عليهم قد لا ينجو من حقدهم الطبقى، لأن التداخل فى الحياة حتمى، ولا مفر من العيش فى انسجام مهما اختلفت الحظوظ الاجتماعية.