هل معنى كلمات اللغة يساوى دائمًا مغزاها؟ فى الكثير من الأحيان تكون الإجابة: لا، لأن نفس الكلمة يمكن استخدامها فى سياقات مختلفة وربما تقال بنغمة مختلفة ينقل مغزاها إلى معنى مختلف تمامًا. ولنأخذ مثالًا متداولًا على هذا فى استخدامنا للفظ الجلالة «الله». تستخدم الكلمة إلى جانب الإشارة للذات الإلهية للاستحسان، لدرء الحسد، للتعبير عن الضيق، للنهر، للتعبير عن الدهشة، وربما أكثر من ذلك. مغزى الاستخدام يحدد المعنى الوظيفى للكلمة فى سياقها الثقافى، وهذا أساس جانب هام من علم اللغويات يسمى بالتداولية Pragmatics.
فوجئت عندما طالعت جريدة النيويورك تايمز فى يوم من أيام شتاء ١٩٧٩؛ حيث وجدت أنها قد ترجمت عبارة «الله أكبر» لتكون بالإنجليزية God is great، فلقد تعودت أن يشاركنى كريس رين، مراسل الجريدة بالقاهرة فى ذلك الوقت، أى ترجمة لعبارات عربية قبل أن يرسل مقالته شبه اليومية لنيويورك. يبدو أن كريس، مثله مثل الجميع فى ذلك الوقت، أعتقد أن العبارة من الشيوع لدرجة أن معناها أصبح واضحًا ومتداولًا دون أدنى تغيير فى الترجمة الإنجليزية بغض النظر عن اختلاف السياق أو دواعى الموقف.
تملكنى فضول شديد لمعرفة ما يفهمه هو كصحفى محنك ومدير مكتب أقوى جريدة أمريكية على الإطلاق من هذه العبارة. سألته، قال: أليست هى العبارة الأكثر استخدامًا بين المسلمين فى اللحظات الفارقة؟ قلت: بلى، ولكن بالنسبة لقارئ الجريدة، ماذا سيفهم من استخدام هذه العبارة؟ قال كلامًا كثيرًا، بعضه له معنى، ولكن الكلام فى مجمله لم يعبر عن فهم حقيقى للعبارة واتساع أغراضها التداولية. سألته: ما الفرق إذن بين استخدام العبارة فى سياق حزين وسياق مفرح؟ قال: أعتقد أن هذا يشير إلى مدى تدين المسلمين وحبهم للتذكرة بعظمة الله. وطبعا هذا الرد يجوز كشرح عام لاستخدام العبارة، ولكنه ليس دقيقًا ولا يظهر البعد التداولى الهام جدا للكلمة وهو أن الله أكبر من الظالمين ولابد أنه سينصر المستضعفين (السياق الحزين)، أو أن الله هو الأعظم والأكبر وقد حقق لنا النصر أو أعطانا الحل لمشكلة ما (السياق المفرح).
• • •
ما كان يشغلنى وقت عملى كمساعدة لمراسل النيويورك تايمز هو كيف يمكن أن يقدم هذا الصحفى المخلص فى عمله، تقريرًا دقيقًا به من الشروحات ذات المدلولات الثقافية ما ينقل للمجتمع الغربى صورة قريبة من واقع العرب والمسلمين. كنا نعيش فترة فارقة فى السياسات المصرية والعربية. كان السادات قد زار إسرائيل مؤخرًا كأول رئيس عربى وقدم خطابًا هامًا فى الكنيست وكانت القاهرة فى ذلك الوقت قبلة كل صحفيى العالم. وبعد أن تكلمت مع مراسل النيويورك تايمز وشرحت له أبعاد المعنى لعبارة الله أكبر، بدأ يهتم كثيرًا بعبارات مثيلة ثم اهتم باللغة العربية وكيف أنها، مثلها مثل لغات العالم، تتمتع بالقدرة على استخدام الكلمات بمعانى مختلفة فى المواقف المختلفة، فأصبح مهتمًا بأن يناقش معى أمورا لغوية عديدة قبل أن يكتب مقالاته. وأسفرت هذه النقاشات عن بداية فهم ثقافة المكان وبالتالى أصبح لديه قدرة أعمق من غيره على الكتابة التحليلية وحققت مقالاته فى الجريدة نجاحًا كبيرًا إلى الحد الذى بدأ البعض يتهمونه بالتحيز للمصريين. حقيقة لم يكن كريس رين أبدًا متحيزًا، بل كان يكتب بفهم كبير للسياق الذى يحوى متغيرات سياسية واجتماعية فى مصر تنعكس أثارها على العالم أجمع.
إن كان هذا الموقف قد أظهر لى كيف أن الفهم الثقافى/ التداولى للغة يؤثر بقوة على التفاهم الدولى، فقد وجدت أنه حتى على مستوى العلاقات الشخصية له تأثير كبير جدًا خاصة فى التحدث مع أشخاص من خلفيات مختلفة أو من بلدان مختلفة وبالتحديد إذا كانت لغاتهم الأصلية مختلفة.
أذكر أنه كان من أهم المحاضرات التى استمعت لها كطالبة ببرنامج الماجستير لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين به، محاضرات عن علاقة اللغة بالفكر وأتذكر المناقشة الطويلة بين الطلاب، وكان بعضهم أجانب غير ناطقين باللغة العربية، بعضهم يؤيد مقولة أن اللغة تصنع فكر متحدثيها، فى حين اعترض آخرون واعتبر أن المجتمع هو الذى يحدد الفكر وبالتالى ينعكس هذا على اللغة المستخدمة، فى حين أننى كنت مع مجموعة ثالثة ترى أن اللغة والمجتمع يشتركان فى رسم فكر الإنسان وربما يتسع «المجتمع» ليشمل خبرات مجتمعية يجمعها الإنسان طيلة حياته عن طريق السفر أو الاطلاع أو الاحتكاك بشعوب أخرى.
• • •
فى الحقيقة، فعلاقة اللغة بالفكر موضوع فلسفى، اجتماعى فى المقام الأول وإن كان قد اتخذ منحى سياسيًا فى تفكير العديد من الباحثين خاصة بعد ظهور كتاب «العقل العربى» The Arab Mind لرفائيل باتاى سنة ١٩٧٣. وإن كان الكتاب يتناول مناحى مختلفة من الثقافة العربية، إلا أنه اعتبر أن اللغة تشكل جزءًا هامًا من فكر العرب وأنها تعكس انفعالاته وشخصيته.
بالطبع، فمن يدرس اللغويات الاجتماعية يعرف أن اللغة والمجتمع دائمين التأثير والتأثر بعضهما بعضًا، ولكن توظيف المناقشة لغرض التدليل على دونية قوم أو رفعته شىء مختلف تمامًا عن الرغبة فى فهم المجتمعات من خلال لغتهم. وهذا تحديدًا ما كنت أسعى إليه حين شرحت لمراسل الجريدة الأمريكية كيف تعبر عبارة «الله أكبر» عن معنى أوسع بكثير مما تنقله ترجمتها الحرفية. ولو اتسعت الدائرة لتشمل عبارات أخرى تنقل من لغة لأخرى بترجمة حرفية، نرى كم من سوء فهم وتعثر فى العلاقات ونتائج سلبية تؤدى إلى القطيعة وقد تؤدى إلى توتر العلاقات، بل إلى حروب كما حدث قبل الحرب بين العراق والكويت والتدخل الأمريكى لنزع الأسلحة النووية التى اعتقدت القيادة الأمريكية أنها موجودة بسبب التصريحات العراقية، وكما يحدث الآن من تغريدات الرئيس ترامب والتى يمكن تفسيرها فى اتجاهات مختلفة.
اللغة سلاح قوى يستخدمه السياسيون والإعلاميون والاقتصاديون كما يستخدمه أصحاب اللغة فى حياتهم اليومية وفى تنظيم علاقاتهم الشخصية كذلك. وبقدر قوة هذا السلاح، بقدر ما يتحمل مستخدموه مسئولية صياغة عباراته وفهم ما تحمله الكلمات من مغزى.
أستاذة اللغويات بالجامعة الأمريكية فى القاهرة، والعميدة السابقة لكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية