أستعير هذه الجملة من المسرحية الكوميدية القديمة «مدرسة المشاغبين» حين اشترك عادل إمام وسعيد صالح فى الاستخفاف بناظر المدرسة وقالا: «ايه اللى جابك هنا؟ عدو ولا حبيب؟»
وفى الحقيقة فهذا السؤال يتوازى استعاريا مع الموقف فى المسرحية إلى حد كبير فنحن نعيش الآن تحت سطوة الذكاء الاصطناعى، ليس ليساعدنا فى عملنا أو دراستنا فقط، بل ليكون الصديق، الرفيق، أو حتى الحبيب أحيانا. ولأنه من اللازم أن نفكر فى اختيارنا الصديق أو الحبيب، وجب علينا الآن أن نتوقف لننظر مليا فى علاقاتنا متعددة المستويات مع الذكاء الاصطناعى.
إيه اللى جابك هنا؟ لا شك أن الذكاء الاصطناعى له فوائد جمة خاصة فى عصر تتسابق فيه الدول فى إحراز التقدم العلمى والتكنولوجى، ومع أجيال قليلة الصبر، اعتادت على سرعة إنجاز المهام بعد أن استقر فى وجدانهم استخدام الكمبيوتر وأدوات الاتصال الحديثة. جاء الذكاء الاصطناعى ليس فقط لسد احتياجات عدة ومواكبة التقدم، بل ليحفز على التقدم فى مجالات الحياة المختلفة.
الذكاء الاصطناعى يساعد على سرعة وعمق البحث الأكاديمى، يوفر الوقت والمجهود وأحيانا كثيرة يوفر المال لبعض الأفراد أو الهيئات، والذكاء الاصطناعى فى أفضل طرق استخدامه يساعدنا على فهم العديد من الأمور المعقدة، يجد لنا الحلول، وينمى قدرتنا على التفكير. هذا هو الذكاء الاصطناعى فى أفضل صوره. بل أنه يتعدى أحيانا دوره الآلى إلى أدوار أخرى شخصية جرت العادة أن يقتصر دورها على الإنسان فقط. فالذكاء الاصطناعى أصبح الطبيب أحيانًا، والمصلح الاجتماعى أحيانا أخرى، بل والصديق فى مواقف أخرى. نجح الذكاء الاصطناعى فى اكتساب صفات «إنسانية» تٌشعر مستعمليه بأنهم يتعاملون مع إنسان له وجود، وليس مع حقيقة أنه آلة مبرمجة لا تشعر ولا يمكن أن تنتج عاطفة أساسها الخبرة بالحياة.
• • •
فإذا كان الذكاء الاصطناعى يساعدنا فى هذه المجالات العديدة، لماذا أتساءل إذا ما كان عدوًا أو حبيبًا؟ أجيب باستعراض آثار استخدام الذكاء الاصطناعى على حياتنا:
1- أثبتت الدراسات المبدئية أن الإفراط فى استخدام الذكاء الاصطناعى خاصة بين الشباب يؤدى إلى الاعتمادية المفرطة على قدرات الذكاء الاصطناعى مما يسبب ضعف القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات والأخطر من هذا تناقص القدرة التحليلية وإضعاف القدرة الذهنية بشكل عام. ولقد شاهدنا منذ عقود مضت كيف أن وجود الحاسبات الآلية واعتماد الطلاب عليها لإجراء عمليات حسابية بسيطة قد خلقت أجيالا لا تحفظ جدول الضرب، بل وربما تعجز عن الجمع والطرح إلا مع وجود «الكالكيوليتر».
2- يبدو أن التطور فى قدرات الذكاء الاصطناعى لا توجد له ضوابط أخلاقية عالمية واضحة فعلى سبيل المثال انتشرت فى الآونة الأخيرة ظاهرة «أغانى القرآن» والتى تصدت لها هيئات الأزهر الشريف. هذه «الأغانى» عبارة عن تلاوة لآيات القرآن الكريم مع خلفية من الموسيقى مصاحبة للتلاوة. ومن هنا نجد أن الذكاء الاصطناعى (ومن هم وراء برمجته كذلك) قد قدم نمطًا من التعامل مع النص المقدس دون أى تفهم للحساسيات الدينية أو الثقافية أو الأخلاقية. وهنا يجب التنويه لوثيقة هامة جدا خرجت من الفاتيكان هذا العام تحذر من استخدامات الذكاء الاصطناعى التى تهدد المفاهيم والمعتقدات الدينية، بل وتهدد كرامة الإنسان والعلاقة المباشرة بينه وبين الخالق. تصدى الأزهر بشدة لاستخدام الذكاء الاصطناعى كمفتى آلى وحذر بشدة من الهلوسة الإلكترونية التى قد تشوه الحقائق. فى الحقيقة، لقد اتفقت الجهات الدينية على أن الذكاء الاصطناعى لابد وأن يبقى مساعدا للإنسان، لا بديلا له، ويلعب دور الخادم للإنسان وليس السيد له.
3- من استخدامات الذكاء الاصطناعى الحديثة عالميا استخدامه كصديق، فيلجأ عدد من البشر فى الرجوع للذكاء الاصطناعى لطلب النصح أو لمناقشة مشكلة ما. وبالطبع لأننا نعتقد أن الذكاء الاصطناعى «يعرف كل شىء» وأنه «يكتم السر» وأنه يقدم الحلول أو النصائح بشكل «موضوعى»، بل لأنه ليس ضيفًا ثقيلًا فبإمكاننا أن نتركه وقتما نشاء (أو هكذا ما نعتقده)، وأننا وقتما نستدعيه، فهو معنا يقول لنا شبيك لبيك، لكل هذه الأسباب، بدأ الكثيرون فى مصادقة الذكاء الاصطناعى، بل وفى إعطاء اسما له (أو لها)، واختيار الصوت واللغة ليكون هذا الصديق مناسبا لذوقنا ورغبتنا.
• • •
المشكلة أنه رغم تقديم الذكاء الاصطناعى لاستجابات فورية وتفاعلات تبدو خالية من الأحكام، إلا أن الاعتماد عليه كعلاج للوحدة ينطوى على مخاطر نفسية واجتماعية جسيمة. فهو يعزز العزلة طويلة الأمد، ويضعف مهارات التعاطف، ويخلق ارتباطاً عاطفياً زائفاً بكيانات مبرمجة تفتقر إلى المشاعر الحقيقية، مما يزيد من تفاقم أزمة الوحدة الأصلية. فيعطى الذكاء الاصطناعى شعوراً مضللاً بالصحبة مما يجعل الانخراط فى المجتمع أكثر صعوبة فيما بعد. فالتفاعل المستمر مع الآلات لابد وأن يصل بنا إلى ضعف قدرة الفرد على التواصل البشرى الطبيعى، ويقلل من مهاراته فى حل المشكلات. لماذا؟ لأن التعاطف الذى يقدمه الذكاء الاصطناعى يفتقر للمشاركة الوجدانية النابعة من تجربة بشرية مشتركة، والتى تعتبر جوهر التواصل الإنسانى. وبالفعل حذرت بعض الدراسات والأبحاث النفسية من أن الاعتماد على هذه التطبيقات قد يؤدى فى النهاية إلى زيادة الشعور بالاغتراب والوحدة بدلاً من علاجها.
وهناك أسئلة عديدة أخرى: ما هو المصير المتوقع لصفاتنا الإنسانية والشخصية إذا ما استمررنا فى الاعتماد علـى الذكاء الاصطناعى فى مجال دراستنا؟ إذا أصبح جميع الطلاب مثلا يلجؤون إلى الذكاء الاصطناعى للقيام بعملية البحث الأكاديمى، تحليل النصوص أو استنباط النتائج، بمعنى أن يحل الذكاء الاصطناعى محل عقولنا، وتحل قدراته محل قدرتنا على الإنتاج والإبداع!! كيف يمكن أن تكون حياة الإنسان حين يغيب التميز كخاصية شخصية تفرق بين الأفراد، ويصبح الإنجاز مرتبطا فقط باختلاف قدرة الشخص على تطويع قدرات آلية للحصول على المعلومات؟ وحين يزداد اعتمادنا على الذكاء الاصطناعى كطبيب ومفتى ومحلل نفسى ومحامٍ، هل ستخيم الضبابية على ما يسمى بالقيم الأخلاقية والثقافية؟ وهل يستبدل الإنسان الأصدقاء بماكينات تولد صورًا وأصواتًا، بل ومشاعر تفوق ما يتمناه الخيال فى صديق أو شريك للحياة؟ هل سننفصل عن الواقع ونفقد قدراتنا الإنسانية فنصبح نسخًا ممسوخة من بعضنا البعض؟ وأى حياة هذه التى يمكن أن تكون الآلة هل المسيطرة على الإنسان والإنسانية؟ كيف يمكن أن ننجو بأنفسنا، بل بداية كيف نوقف هذا الغول الذى قد يهدد الإنسانية كلها؟
هناك هيئات بالرغم أنها لا تملك جيوشًا أو سلطة فرض غرامات، إلا أنها تشكل الرأى العام العالمى وتضغط على الحكومات، أولها الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية التى تحاول إنقاذ العالم من الفناء، فهى تسعى لتأسيس مجالس دولية (شبه عسكرية أو علمية) تشبه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بهدف مراقبة انتشار «الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل» ومنع سباق التسلح بالذكاء الاصطناعى. وهناك المؤسسات الدينية والأكاديمية مثل الأزهر والفاتيكان والجامعات الكبرى، وتملك سلطة التوجيه الأخلاقى التى تحرج الشركات دوليًا وتجبرها على توقيع معاهدات لضمان عدم المساس بالكرامة الإنسانية. وهناك بالطبع الأسر التى يجب أن تضع حدا لاستخدام الذكاء الاصطناعى بلا ضوابط فى محيط العائلة. ولكن الخطر يأتى من قوة تلك الشركات العملاقة التى تتحكم فى تطوير الذكاء الاصطناعى، بل وتطوير قدرته على أن يطور نفسه!!
باختصار: الحكومات تملك القوانين، والشركات تملك مفاتيح انتشار الذكاء الاصطناعى، والمجتمع الدولى يملك الضغط الأخلاقى. وإيقاف السيطرة يتطلب اتفاقًا جماعيًا بين هذه الأطراف الثلاثة، وهذا هو التحدى الأكبر حاليًا.
أستاذة اللغويات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والعميدة السابقة لكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية