فى نهاية سنة ١٩٧٠، عُرض الفيلم الأمريكى «قصة حب»، وحقق مكاسب خرافية أنقذ بها مكانة السينما الأمريكية وعوض هوليوود عن خسائر مالية كبيرة. جاء ذلك الفيلم الرومانسى فى وقت احتاجت أمريكا والعالم الغربى فيه لتغيير النمط الذى كان سائدًا منذ سنوات والذى تميز بالعنف، فكانت القصة البسيطة والرومانسية جدا فى فيلم «قصة حب» بمثابة سد لاحتياج عميق للعودة إلى المشاعر الإنسانية الرقيقة. وعرف الفيلم كذلك بطاقم العمل فيه فأصبح الممثل الرئيسى «رايان أونيل» مطلوبًا فى العديد من الأفلام التى تلت هذا الفيلم.
ما يهمنا هنا ونحن بصدد الكلام عن الاعتذار هو الجملة التى نشرها الفيلم. جملة جاءت فى حوار الفيلم بين البطل والبطلة مرتين، وكتبت على أفيشات الفيلم فى كل أماكن العرض. هذه الجملة تقول: «الحب هو ألا تحتاج أبدا أن تقول إنك آسف». وبالطبع شاهدت الفيلم، أكثر من مرة، وكنت فى ذلك الوقت تلميذة بالإعدادية ومع صغر سنى وقلة خبرتى بالحياة، تأملت مليًا هذه العبارة التى صعب على أن أفهمها. هل معناها أن الاعتذار ليس ضروريًا بين المحبين؟ هل الحب فعلا يعيش وينمو فلا نحتاج أبدا أن نعتذر عن بعض أفعالنا؟ أم هل الحب هو شعور مثالى وكامل بحيث أنه لا يجعلنا نخطئ، وإن حدث خطأ، فلا حاجة بنا للاعتذار؟
مر وقت طويل حتى استطعت أن أفهم المقصود، ولكن ما فهمته لم يرضنى. كنت ألاحظ كيف أن الناس فى مجتمعنا يتعاملون مع «الاعتذار» ورأيت أمثلة متعددة كان الاعتذار فيها ضروريًا، ولم يحدث، وتعقدت الأمور تباعًا. ورأيت فى أحيان قليلة أن الاعتذار حين وقع، كان أثره بالغًا فى الأهمية. ولكن فى مواقف أخرى، وللأسف الشديد، كان الاعتذار بمثابة الوبال على المعتذر. ويبدو أن هذا سبب أساسى فى أن الكثيرين هنا (وفى العالم كله فى الحقيقة) يرون أن الاعتذار خطوة غير مأمونة العواقب، وربما توقعنا فى مشاكل أكثر تعقيدا. والنتيجة المتوقعة هى أن أصبح الاعتذار صعب المنال، وكأنه لون من التواصل يختلف تماما عن تعبيرنا عن الشكر، عن الحاجة، عن الغضب، عن الفرح.. إلى آخره من التعبير عن احتياجاتنا الإنسانية. فلماذا يصعب على الكثيرين أن يعتذروا؟
مما لا شك فيه أن الكثيرين يرون أن قول آسف صعب. لماذا؟ لأنه قد يثير حواجز نفسية عميقة: الكبرياء والأنا، الخوف من الضعف، والذنب فى كثير من الأحيان. عندما يعتذر هؤلاء، غالبا ما يشعرون بأن الاعتراف بالخطأ تهديد لقيمتهم الذاتية ومكانتهم الاجتماعية. قول «أنا آسف» يجبرنا على الجلوس وجهًا لوجه مع الألم الذى سببناه لشخص آخر وبالتالى يفتح باب قد يأتى منه الندم أو الاتهام. ومن منا يريد أن يكون فى هذا الموقف؟ ومن ناحية أخرى، يرى العقلاء أن الاعتذار هو دليل على قوة الشخصية لا ضعفها، وأن القدرة على التسامح ما هى إلا انعكاس لدرجة عالية من السلام مع النفس ومن الثقة بالنفس. فالاعتذار يشبه العفو والتسامح والكرم فيعد دليلا على القوة والنضج الداخلى، وليس تقليلاً من القدر. بل إنه يعكس كذلك وعيًا كاملاً بالنتائج ورغبة صادقة فى إصلاح الأخطاء والحفاظ على العلاقات. وكسب المعتذر الحقيقى يصبح فى ارتفاع مقامه فى عيون الآخرين لأنه يثبت أمانته وثقته بنفسه.
وتخبرنا الأبحاث أن الناس قد يترددون فى تقديم الاعتذار، حتى لو كان مستحقا، لأنه قد يشعرنا أيضا بتناقض بين ما كنا نحرص أن نوصله لمن حولنا عن خصالنا وقيمنا وبين ما يمكن أن ينتجه خلال موقف الاعتذار نفسه. فالاعتذارات تبدو وكأنها اعتراف للآخرين بأنك قادر على ارتكاب أخطاء فى حين أنك توحى للجميع بأنك على قدر من العلم أو الأخلاق ما يجنبك الوقوع فى الأخطاء الكبيرة. والاعتذار يمكنه أن يشكك فى نزاهتنا فيجعلنا نبدو وكأننا لسنا هؤلاء الأشخاص المثاليين الذين يعرفهم الآخرون. كذلك فقد يزيد من قيمة أو قوة «الضحية» التى قد تختار قبول الاعتذار أو الامتناع عن التسامح حتى يتم التصحيح بشكل أكثر إرضاء لها. باختصار، الاعتذار قد يقلب موازين القوة فى العلاقات الشخصية. أما فى علاقات العمل، كثيرا ما نرى أن العديد من الرؤساء فى العمل يجدون صعوبة فى الاعتذار للمرءوسين بشكل أساسى لأنهم يخشون أن يضعف سلطتهم، أو يخلق مسئولية قانونية وأدائية. الأسباب النفسية والهيكلية الرئيسية هى الخوف من فقدان السلطة، فغالبا ما يقلق القادة من أن الاعتراف بالخطأ يحطم مصداقيتهم، مما يجعل من الصعب كسب الاحترام أو قيادة المرءوسين بفاعلية. فالتسلسلات الهرمية التقليدية توحى للمديرين بأن القيادة لابد وأن ينظر إليها من أعلى إلى أسفل، حيث يبدو الاعتذار كعكس لديناميكية القوة المتوقعة، وقد يقلق المسئولون من أن يتم تسجيل اعتراف الذنب من قبل الموارد البشرية، أو مشاركته مع المسئولين الأعلى، أو استخدامه ضدهم أثناء مراجعات الأداء والترقية مثلا.
فإذا كان هذا هو الحال فى العلاقات الإنسانية والمهنية، فما بالك باحتمالية اعتذار القائد السياسى الذى يشغل منصب الحاكم فى دولة ما؟ لنتذكر أن الاعتذار، كمصطلح علمى، هو فعل تعبيرى يهدف إلى الاعتراف بالإساءة، والتعبير عن الندم، ومحاولة إصلاح خطأ فى العلاقة الاجتماعية بين المتحدث والسامع. ومع ذلك، ففى السياقات السياسية، تؤدى الاعتذارات أدوارًا تواصلية واستراتيجية تهدف فى الأساس إلى إدارة التصور العام، والحفاظ على الشرعية، والتفاوض على ديناميكيات السلطة المعقدة، لذا، تختلف اعتذارات القادة السياسيين عن الاعتذارات اليومية فى الشكل والوظيفة، وغالبًا ما توازن بين حفظ ماء الوجه وإصلاح صورة القائد لدى الجمهور.
واحد من من أشهر الاعتذارات فى تاريخ أمريكا الحديث كان فى عام ١٩٩٨، وبعد سبعة أشهر من الإنكار، ألقى بيل كلينتون خطابا اعترف فيه بوجود علاقة جنسية مع مونيكا لوينسكى. وبدا كلينتون متحفظا، وفى بعض الأحيان متحديا، ووصف سلوكه بأنه «خاطئ»، وقال إنه يشكل «فشلا شخصيا»، وهو المسئول عنه «وحده». وأضاف: «لقد ضللت الناس، حتى زوجتى»، «أنا نادم بشدة على ذلك». على الورق، تبدو كلمات كلينتون نادمة ومقرة بالخطأ. ومع ذلك، فبعد ما يقرب من عقدين، يرى الكثيرون ممن يدرسون علم نفس الاعتذارات أن الخطاب هو مقدمة مدتها أربع دقائق حول كيفية عدم الاعتذار عن شىء ما.
أما خطاب التنحى للرئيس عبدالناصر، فكان شديد الوضوح والمباشرة، حيث قال: «فإننى على استعداد لتحمل المسئولية كلها»، «لقد قررت أن أتنحى تماما ونهائيا عن أى منصب رسمى..»، فكان الاعتذار بمثابة قبول المسئولية عن هزيمة ١٩٦٧ وبالتالى عن تركه منصب رئيس الجمهورية. والكثيرون يتذكرون رد الفعل الشعبى لهذا الخطاب. بالطبع، لا يخفى علينا أن السياسيين المحنكين يعرفون كيف يكسبون الرأى العام ويعيدون السيطرة على المواقف المحرجة أو الصعبة بتقديم خطاب يستدر العطف أو يشرك آخرين فى تحمل خطأ ما، أو يركز على إنجازات معينة فيقلل من وطأة الخطأ. وهناك العديد من المقالات العلمية فى مجال العلوم السياسية واللغويات الاجتماعية تتناول استراتيجيات الاعتذار عند القادة السياسيين. تحلل هذه المقالات كيفية الاعتذار وتربطه فى معظم الأحيان بالسياق السياسى الثقافى، وباستعراض سريع لبعض أهم «الاعتذارات السياسية» نجد أن الرئيس نيكسون بعد فضيحة ووترجيت ركز على نزاهته المالية وحاول تجنب الموقف الرئيسى الذى تورطت فيه المخابرات الأمريكية وتسببت فى الفضيحة.
وفى العديد من الخطابات التى ألقاها رؤساء وقادة عرب إما قبل أو أثناء أو بعد الحروب أو الثورات، استمعنا على مدى التاريخ إلى أعذار أكثر جدا مما سمعنا الاعتذارات. هذه الأساليب التى يلجأ إليها السياسيون وإن كانت أحيانا غير مقنعة بالنسبة للشعوب، إلا أنها تعلمنا كيف يستطيع الفرد تقديم «اعتذارات» استراتيجية، بمعنى أن الفرد يقدم ما يمكن قبوله ولو جزئيا من الطرف الآخر، أو على الأقل أن يكون هذا «الاعتذار» سببًا فى أن تبقى قنوات الاتصال مفتوحة ولا يتطور الموقف إلى قطيعة أو مواجهة، فقد تسبب المكابرة وعدم تقديم الاعتذار مشكلات لا حصر لها وقد تتطور إلى مواجهات وتصادمات وتهديدات غير أخلاقية على المستوى الشخصى أو المهني، أما فى مجال السياسة، فقد يؤدى إلى ضياع مصداقية القائد فيخسر تأييد شعبه واحترامه وينتهى بفقدان منصبه فى أحيانا أخرى.
نهاية يبقى الاعتذار مخاطرة لا يقوى عليها إلا الإنسان القوى. لكن المخاطرة تعنى أنك بحاجة أيضا لإتقان فن الاعتذار لأنك قبل أن تدرك حتى أن الموقف يتطلب اعتذارًا صادقًا، يجب أن تأخذ فى الاعتبار مشاعر الآخرين وتضع احتياجاتهم قبل احتياجاتك. رغم شعور البعض بالضعف وعدم القدرة على الاعتذار، يبقى الاعتذار تمرينا صحيا فى التواضع يساعد على ضبط الأنا ويظهر احترامك للآخرين.
نعم، قد يكون من المؤلم أن تنظر فى عينى شخص ما وتقول «أنا آسف». لكنك ستتجاوز، ويجب عليك، أن تتجاوز، ذلك الحاجز النفسى الذى قد يكلفك الكثير لو لم تقدم اعتذارًا. إزالة العقبات جزء ضرورى من كونك رفيقًا أو رئيسًا أو قائدًا، خاصة عندما تكون تلك العقبة أنت. إذا لم تعتذر أبدًا، للأسف، ستبقى هذا الشخص الضعيف، غير العادل وستفوت فرصة عظيمة لتصبح قائدًا ذا مصداقية أو رفيقًا أفضل.
أستاذة اللغويات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والعميدة السابقة لكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية